استقر باراك أوباما في مدينة شيكاغو عام 1991 وهو في الثلاثين من عمرة. وبعد ثلاث عقود من التنقل في ربوع الولايات المتحدة وطفولة قضاها في اندونيسيا، شد أوباما، وهو ابن لأب كيني ولأم أمن ولاية كانساس، الرحال باتجاه "مدينة الرياح" شيكاغو.
استقبلت شيكاغو المطلة على ضفاف بحيرة ميشيغان أجيالا من المهاجرين: أمريكيون من أصول إفريقية قدموا إليها من الجنوب الريفي، ايرلنديون لجئوا إليها هربا من المجاعة، فضلا عن البولنديين والألمان واليونانيين و من تلاهم من المكسيكيين والصينيين والمهاجرين من شبه القارة الهندية.
أظهر تعداد سكاني عام 2000 أن ما يقارب 3 بالمائة من سكان شيكاغو البالغ عددهم مليوني نسمة صرحوا أنهم ينحدرون من أصول متنوعة، وأن لهم أسلاف من أصول متعددة.
مثلت شيكاغو مقصدا مرموقا في عيون رجل شاب وطموح مثل أوباما آنذاك، فمكنته من تكوين شخصيته السياسية قبل ان تتيح له فرصة لقاء زوجته ميشيل والخوض في مشواره السياسي في أحياءها الفقيرة.
تعتز شيكاغو بكونها الولاية الأولى التي خرج منها أول مرشح أسود للانتخابات الرئاسية الأمريكية، وتعيش المدينة حاليا على وقع آخر أيام حملة نجمها الصاعد.
يكن المرشح الديموقراطي كل الامتنان لمدينة شيكاغو، فهو اختارها لتحتضن مقر حملته الانتخابية، وتكون اخر محطة لحملته الانتخابية بمناسبة مهرجان في منتزه "غرانت بارك" على ضفاف بحيرة ميشيغان.
لشيكاغو وجوه خفية كادت تشوه صورة المرشح الديموقراطي، فالمدينة معروفة بفساد حقلها السياسي الذي يشكو من الرشوة وتغليب المصالح الخاصة على المصلحة العامة، إلى درجة ان الأميركيون يسمون الظاهرة بـ"آلة شيكاغو".
وسعى المرشح الجمهوري جون ماكين إلى توظيف علاقة أوباما بشيكاغو عندما بث فريق حملته إعلانا تلفزيونيا للربط بين أوباما و"آلة شيكاغو"، واتهم هذا الشريط الفيديو الذي تبلغ مدته 30 ثانية السيناتور أوباما بالاستفادة من النظام السياسي الفاسد في ولاية شيكاغو، وبإقامة علاقات مع أربع شخصيات غير نظيفة بينها توني ريزكو الذي كان يقوم بجمع المال لصالح حملة الديمقراطيين قبل أن يدينه القضاء، وشدد على استحالة أوباما تسيير شؤون البلاد "رفقة أصدقاء مثل هؤلاء" .
ليست شيكاغو الولاية الوحيدة المعروفة بنظامها السياسي الفاسد، بل هناك ولايات أخرى مشابهة خاصة في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وساعد رئيس بلدية شيكاغو السابق ريتشارد دايليى على تردي الأوضاع السياسية حيث كان يسيطر على زمام الأمور منذ 1955 حتى وفاته سنة 1976.
لكن الوضع تغير كثيرا في السنوات الأخيرة بفضل المراقبة الشديدة التي فرضت على الانتخابات والإعلام المحلي الذي أصبح يتابع كثيرا القضايا السياسية والاقتصادية في الولاية.
وقد خلف ابن ريتشارد دايلي والده كعمدة شيكاغو حيث أعيد انتخابه خمس مرات منذ سنة 1989 ومن المتوقع أن يمكث سنوات طويلة في الحكم، أكثر حتى من المدة التي قضاها أبيه.
يدرك سكان شيكاغو التي عاش فيها "ألكبون" بأن سمعة مدينتهم رديئة بسبب ما يقع فيها من اغتيالات ورشوة وعنف. لكن السؤال الذي يحيرهم كثيرا هو مدى استفادة المرشح أوباما من نظام شيكاغو الفاسد حسب قول إريك كلينبيرغ الذي يعمل كأستاذ في علم الاجتماع في جامعة نيويورك.
ومن جانب أخر، صرح سامبسون أن عمدة شيكاغو لم يساند المرشح أوباما خلال الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية، لكن رغم ذلك فاز أوباما بالتصويت وبالانتخابات العامة التي جرت في نوفمبر 2004 ، ليصبح على إثرها سيناتور ولاية إلينوا. وأضاف نفس المتحدث " إن الأوليغارشية السياسية التي تعيش في شيكاغو لم تساند أوباما في بداية مشواره السياسي، بل انتظرت وقتا طويلا قبل أن تتقبله وتمده بيد العون".
وينهي إريك كلينبيرغ قوله " يصعب كثيرا لسياسي شاب أن يفرض نفسه في ولاية شيكاغو، لكن اوباما استطاع أن يبني مستقبله السياسي هنا وهذا شيء جميل جدا".




