عمل دون غودفري مدة 14 سنة لصالح مصنع السيارات "فورد"، كما عملت زوجته في المصنع نفسه ببلدة واين، وهي مدينة صغيرة في ميشيغان جنوب غرب ديترويت. لكن قبل أسبوعين، جرى فصل كليهما.
بالنسبة إلى عائلة غودفري، كما بالنسبة إلى الكثير من العائلات في ميشيغان، بات العمل في "فورد" قصة عائلية. "عندما بدأت العمل في المصنع، كان عمري 22 سنة. أمي التي كانت سكرتيرة في المصنع هي التي شجعتني كي أتقدم للعمل هناك". كان دون يرغب في تمويل دراسته "لكن العمل أعجبني، كما أن الراتب كان محترما -12 دولارا في الساعة-، فضلا عن بعض المكاسب الأخرى".
"تعرفت بزوجتي في المصنع"
كان دون يعمل 10 ساعات في اليوم في ورشة الجمع. ويتذكر أن "العمل كان شاقا، غير أني لم أتغيب إلا ثلاثة أيام". عمله كان محور حياته. "تعرفت بزوجتي في المصنع، عام 1996".
شأنه شأن أغلبية العمال الذين طردوا من الشركات الثلاث الكبرى "جنرال موتورز" و"فورد" و"كريسلر"، لا ينقم دون غودفري على الشركة "لم أفاجأ بما حدث، كنا نعلم منذ نوفمبر 2006 أن الشركة ستلجأ إلى فصل العمال، ومنذ مدة كنا نعلم أننا من بين المسرّحين."
يعتبر دون أن شركة "فورد" ضحية الأزمة الاقتصادية، لكنها "فشلت في النهوض مجددا بعد المصاعب التي عرفتها مع شركة فايرستون المصنعة للعجلات". في 2001، اضطرت "فورد" إلى استرجاع 13 مليون عجلة عاطبة. وتقدر كلفة هذا القرار بـ2.1 مليار دولار.
وفي المقابل، يوجه دون أصابع الاتهام إلى مواطنيه الذين لم يساندوا بشكل كاف اقتصاد البلاد. "لو اقتنى كل واحد منا سيارة أميركية، لما كنا في هذا الوضع اليوم، ولما كنا خسرنا منازلنا، ولما كانت أسهم الشركات الثلاث الكبرى انهارت في البورصة". ويضيف "قد تكون السيارة اليابانية أقل كلفة، لكننا ندفع اليوم ثمنا باهظا".
"الشركات الثلاث الكبرى رفضت إعادة النظر في وضعها"
يعد مصنعو السيارات اليابانيون على غرار "تويوتا" و"هوندا" و"نيسان" من أهم منافسي الشركات الأميركية منذ أن اخترقوا السوق الأميركية إثر الأزمة النفطية في سبعينيات القرن الماضي. وفرضت الشركات اليابانية لا سيما "تويوتا" نفسها بفضل موديلاتها المقتصدة في الطاقة والمتجانسة مع متطلبات الجديدة للسوق.
ويشرح جويل ستون، محافظ متحف تاريخ ديترويت، أن "مصنعي السيارات الأميركيين احتاجوا إلى عشرات السنين للحاق بالركب، بسبب رفض المسؤولين مراجعة منظومتهم."
غياب النقابات لدى المصنعين اليابانيين
إذا باتت السيارات الأميركية أكثر تنافسية، فإنها ما زالت تتطلب تكاليف إنتاج عالية. فكلفة إنتاج سيارة "فورد" تفوق بـ2000 دولار كلفة إنتاج سيارة يابانية، بسبب تكاليف التأمين الصحي والتأمين على التقاعد المفروضة من قبل نقابة "يو آي دبليو" المهيمنة على قطاع تصنيع السيارات.
يقول دون الذي يرتدي قبعة تحمل علامة النقابة إن "الانخراط النقابي شرط للعمل في إحدى الشركات الثلاث الكبرى"، فيما لا ينتدب المصنعون اليابانيون المتواجدون في الولايات المتحدة عمالا منخرطين في نقابة، مما يقلل من التكاليف المفروضة عليهم.
وتوفر النقابة عدة خدمات للحماية، لا سيما خدمات التقاعد والضمان الاجتماعي، ومنظومة للتأمين على البطالة تمكن العمال من الحصول على كامل الراتب خلال فترة التوقف عن العمل.
لكن هذه النفقات الممولة كليا من قبل المصنعين ساهمت في خسائر الشركات في ديترويت. وفي أول ديسمبر/كانون الأول، أعلنت النقابة أنها مستعدة لإعادة مناقشة مكاسب عمال "جنرال موتورز"، و"كريسلر"، و"فورد" للمساعدة على إعادة هيكلتها.
أثر العدوى يمتد إلى قطاعات أخرى
بحسب هذا العامل السابق، يكمن الحل في تكفّل الحكومة الفدرالية بالضمان الاجتماعي. ويقول في هذا الصدد "مصنعو السيارات في ديترويت سيوفرون 12000 دولار سنويا عن كل عامل في حال تمّ ذلك".
وبفضل نقابة عمال السيارات، سيتقاضى كلّ من دون وزوجته تعويضات البطالة طيلة 39 أسبوعًا: ويوازي هذا التعويض 95 بالمئة من راتبيهما. وهذا أمر استثنائي في فترة تقلّ فيها فرص العمل. وتسجل ولاية ميشغان أعلى نسبة بطالة في الولايات المتحدة إذ تبلغ 9.6 بالمئة.
وتعلّق كريستن سيفلدت، نائبة مدير المركز الوطني لمكافحة الفقر بالقول "إن إلغاء الوظائف في قطاع السيارات لديه أثر كالعدوى على سائر القطاعات مثل المطاعم والمتاجر". لكن العاملين في القطاعات الأخرى، بحسب رأيها، لا ينعمون بالحماية ذاتها.
ويأمل دون غودفري في أن يقبل مجلس الشيوخ الأميركي طلب الاقتراض بقيمة 34 مليار دولار الذي تقدمت به أكبر ثلاث شركات مصنعة للسيارات في البلاد لكنه ليس متفائلا كثيرا. ويضيف قائلا "إذا لم تساعدها واشنطن، سيكون الأمر كارثيا بالنسبة إلى البلاد وحتى أسوأ بعد بالنسبة إلى ميشيغان". في هذه الأثناء، سيستمر في الكتابة كمتطوع في المجلة الفصلية التي تنشرها النقابة.
ويقرّ دون وهو يفتح باب سيارته من طراز موستانغ "إذا لم تبلغني أي أخبار جديدة من فورد فسأبحث حتما عن عمل في مكان آخر. لكنني لن أغادر أبدًا ميشغان، هنا ولدت وهنا سأبقى".




