بانتقاله من يدي "الجنرال الرئيس" لانسانا كونتي إلى يدي "القبطان الرئيس" موسى داديس كامارا، تبقى السلطة في غينيا قضية عسكرية، والدليل على ذلك هيمنة "رجال الثكنات" على اللعبة السياسية منذ 1984، تاريخ استيلاء كونتي على زمام الحكم إثر انقلاب عسكري في أعقاب وفاة الرئيس أحمد سيكو توري.
دخل كونتي مقر الرئاسة في ثوب العقيد وغادره في نعش برتبة جنرال، ليحل محله ضابط صف صنع مشواره في محيط الإمداد العسكري.
لقد كان الجيش ركيزة حكم لانسانا كونتي على حد قول أوليفييه روجي، مراسل إذاعة فرنسا الدولية في كوناكري. ومع ذلك اتسمت علاقة الرئيس الراحل حيال المؤسسة العسكرية بالحذر الشديد.
ويذكر أوليفييه روجي الذي يعد من بين العارفين للمشهد السياسي الغيني في حديثه مع فرانس 24 بأن الرئيس السابق طالما عانى من مؤسسة الجيش، مما دفع به إلى اعتماد أساليب مختلفة بهدف إثارة الانقسامات في صفوفها وبين أقطابها.
خلاف بين الأجيال داخل الجيش
ويشكل التباين بين الأجيال العامل الأساسي لنشوب انقسامات في صفوف الجيش، فكلما ظهرت شكوك حول احتمال تدبير انقلاب عسكري كلما استهدفت فئة الضباط الشباب المكونين في ألمانيا وفرنسا، وهي المجموعة الأكثر تحضيرا واستعدادا.
ويشير مراسل إذاعة فرنسا الدولية بكوناكري إلى أن مجموعة الضباط الشباب التي ينتمي إليها مدبرو انقلاب الثلاثاء الفارط أحست دوما بالتهميش وسوء المعاملة من قبل القياديين الأكبر منهم سنا.
وقد أخذ التباين بين الأجيال في العديد من المرات طابع النزاع المفتوح، ففي ربيع 2007 تمردت مجموعة الشباب على قيادة الجيش والسلطة للمطالبة بدفع الرواتب المتأخرة ورفع مستوى الأجور، وكان الضابط موسى داديس كامارا من بين المتمردين آنذاك، وصار رجل غينيا القوي منذ نهاية كانون الأول/ديسمبر.
وقد أرادت مجموعة الضباط الشباب خلال حركات التمرد التي شهدتها غينيا عام 2007 الاستفادة من ثروات البلاد. لكن اشتكى أعضائها من التهميش بسبب هيمنة الضباط القدماء على المؤسسة العسكرية حسب ما قاله لفرانس 24 عبد الرحمن ماكي باه، المستشار السياسي في حزب إتحاد القوى الجمهورية المعارض.
وفي شهر أيار/مايو 2008، بلغ الغضب حده الأقصى داخل الثكنات عندما نشبت حركة تمرد جديدة للمطالبة بدفع العلاوات التي وعدت الحكومة بمنحها، وللمطالبة كذلك الإفراج عن عسكريين كانوا وراء القبضان. وتمت وقتها الاستجابة لما طالبوا به.
انتسامات قبلية داخل الجيش
كما تعود الانقسامات داخل المؤسسة العسكرية لأسباب قبلية، ومما يزيد من تغذية هذه الظاهرة هيمنة قبيلة "السوسو" التي كان ينتمي اليها الرئيس الراحل لانسانا كونتي على المناصب القيادية، فيما يقتصر نصيب الضباط من أصول قبلية أخرى أمثال "المالينكي" و"البال" على مسؤوليات محدودة.
وقد ازداد التوتر الناتج عن الانقسامات القبلية في صفوف الجيش في أعقاب رحيل الرئيس لانسانا كونتي واستيلاء النقيب موسى داديس كامارا على دواليب الحكم. فاعترف قائد الانقلاب الأربعاء بأن بعض الضباط لا يزالون يقرون بشرعية المجلس الوطني.
ولم يثبت موسى داديس كامارا بعد قدرته على تعبئة أغلبية من جنود وضباط لإرساء نفوذه. وبدأ الانقلابيون الأحد في التخلص من القدماء فأحالوا 22 ضابطا من قيادة الجيش على التقاعد، منهم ديارا كامارا رئيس أركان الحرب. لكن تبقى للانقلابيين أن يكسبوا ثقة الشعب على أساس برامج سياسية تتجاوز النزاعات في صفوف العسكر، فأغلبية الغينيين شديدو الحذر من الجيش بسبب معاناة طويلة من القمع الذي مارسه الجنود خاصة في مطلع 2007 الذي شهد نزاعات خلفت 180 قتيلا على الأقل.
ووجه عبد الرحمن ماكي باه، المستشار السياسي في حزب إتحاد القوى الجمهورية المعارض، دعوة إلى المجتمع الدولي "حتى لا يستحوذ العسكريون على السلطة مرة أخرى". وصرح موسى داديس كامارا نفسه الخميس بأنه لن يرشح نفسه للانتخابات الرئاسية عام 2010، لكن لا شيء يضمن أنه سيفي بوعده.




