- يوميات مراسلة في السودان
السودانيون وسباق الفرصة الضائعة
شرع السودانيون اعتبارا من الأحد 11 أبريل/نيسان التصويت في انتخابات عامة لاختيار رئيس جديد ونواب للمجلس الوطني وولاة ونواب لمجالس الولايات. مبعوثة فرانس 24 باميلا كسرواني تعلق يوميا على مجريات الانتخابات.
الخميس 15 نيسان/أبريل 2010
مراكز الاقتراع أقفلت في آخر يوم انتخابي. حتى الساعات الأخيرة، الحافلات كانت تجوب شوارع جوبا مع مكبرات الصوت داعية الناخبين إلى إتمام واجباتهم الوطنية. الجميع ينتظر النتائج والجميع يتطلع إلى المستقبل.. إلى ما تخبئه السنة المقبلة من مفاجآت مع الاستفتاء العام حول استقلال جنوب السودان، أو بالأحرى الجميع يخشى ما سيحدث بانتظار هذا الاستفتاء. استفتاء قد يوسع الشرخ أكثر فأكثر بين الجنوب والشمال وإنما أيضاً بين أبناء القبيلة الواحدة.
المسؤولون هنا في السودان يحاولون تجنب أي خلل أمني. مقر جيش "الحركة الشعبية لتحرير السودان"
الرئيسي يمتد على مساحات شاسعة في ضاحية جوبا. استقبال حار ينتظرنا. من أصغر جندي إلى القائد العام، هم يريدون أن يمنحوا أفضل صورة لهم للتأكيد على حرصهم على الدفاع عن كل الشعب السوداني. معظمهم شارك في الحرب وأسس الحركة. حينها كانوا مجرد جنود واليوم باتوا من كبار القادة. يكشفون ما في قلوبهم بسهولة كبيرة وبفخر خلال مأدبة الغذاء. المتمردون السابقون تحولوا إلى جيش نظامي يسعى إلى الحصول على شرعية. تنظر إليهم وتحاول تخيل ما عاشوه وقاموا به خلال الدفاع عن "قضيتهم".
لا يترددون في اصطحابنا إلى مخازن الأسلحة المصادرة، مخازن بين أكواخ عائلات الجنود. أسلحة يتم إصلاحها وتُمنح للجنود عوض شراء أسلحة جديدة...مهمة صعبة.. فكلما تُصادر أسلحة ما يعود ويتسلح السكان. القياديون يتهمون الشمال الذي طالما اعتاد على اتباع هذه الوسائل، بحسب قولهم. تراشق الاتهامات مألوف بعدما نشبت حرب كلامية بدلاً من الحرب الأهلية. ووسط هذه الحروب، السودانيون هم الأكثر تضرراً. هم الضحية.
نود جوبا تحت أمطار غزيرة. من باحة الفندق، نتنشق رائحة الأرض ونستمتع بنسمات نادرة. ولكن، لا يسعنا إلا أن نُفكر بكل الذين يعيشون في أكواخ من قصب وببؤسهم وسط الوحل وكأن مصائبهم لا تكفي...
الاربعاء 14 نيسان/أبريل 2010
رحلتنا أشرفت على النهاية... لكن المفاجآت لا تنتهي أبداً في هذا البلد الذي لكبر مساحته كأنه يختصر كل الأعراق والأديان والنزاعات... بعد ليلة من الحر بدون مكيف وأصوات غريبة وغرفة داكنة، تبدأ رحلتنا اليوم من "القصر الرئاسي" مقر رئيس حكومة جنوب السودان، سلفاكير ميارديت... قصرعصري.. حراسة مشددة على بعد أمتار من أكوخ سكان جوبا...
بعد ساعة من الانتظار، ندخل مكتبه.. رجل يعتمر "قبعة رعاة البقر" يتكلم بهدوء عن كل المواضيع الحساسة... يعترف بأن جهود الحركة الشعبية لتحرير السودان منذ توقيع اتفاق السلام عام ألفين وخمسة ليست كافية لكنه يتطلع لما يخبئ المستقبل وتحديداً للاستفتاء حول استقلال الجنوب... اجابات مقتضبة وانما مفيدة... الوقت انتهى... نلقي نظرة أخيرة على مكتبه.. مرآة كبيرة باطار ذهبي.. وكأنها هنا ليتأمل ما أنجزه لشعبه....
شعب نلقاه بعد لحظات في أكواخ فقيرة... تحيطها القمامة....تناقض كبير... ولكن كل الجهود قد لا تكفي لمساعدة الآلاف... في ضواحي جوبا.. وعلى غرار كل المخيمات التي تحولت الى قرى... غومبا تستقبلك بابتسامة... هنا الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية يلعبون بين النفايات...
النساء يحاولن إعداد الطعام بأدنى المكونات... والرجال يسعون لجني المال.. بعضهم، قدامى الحركة الشعبية،
تحولوا الى أشباح.. يشربون ويطوفون المخيم ببذاتهم العسكرية وكأنهم أموات أحياء... الحرب الأهلية أثقلت كاهل الجميع... لكن هؤلاء يرضخون لمصيرهم كسائر الشعوب في العالم.. شعوب سئمت من النضال .. شعوب استسلمت لواقع مرير بانتظار شروق الشمس. أو بالأحرى نسمة باردة...بانتظارها، نساء القرية يضحكن ويرقصن على أنغام شعبية ويصرخن " السلام.. السلام..." على أمل أن يجد صراخهن صدى له ...
الثلاثاء 13 نيسان/أبريل 2010
العاشرة صباحا، ها نحن نهبط في مطار جوبا جنوبي السودان.... وكأننا وصلنا الى بلد آخر...نضع حقائبنا في السيارة ونتوجه الى الفندق... غريب أمر هذه المدينة... وكأننا في مخيم فسيح بلا حدود أو نهاية... مستودعات كبيرة تابعة لمنظمات دولية، بعض المدارس والعيادات، طرقات رملية.... هذه باختصار جوبا... كل منا (نحن فريق من ثلاثة أشخاص يدخل غرفته ويا للمفاجأة... لا ماء ولا كهرباء... نغادر الفندق ونتوجه عبر طرقات رملية وعرة في مغامرة باتجاه شمال إكواتوريا الوسطى... بعد رحلة دامت ساعة قطعنا خلالها نقاط تفتيش شبه وهمية تفصل بين مناطق قبيلة الموندارلي والباري حدود هي عبارة عن حبل طويل) تطل أكواخ من القصب والخشب... هنا وسط هذه الأكواخ، تم استحداث مركز انتخابي....
كل شيء متوفر: صناديق الاقتراع، الستار العازل المصنوع من الكرتون، المراقبون المحليون... نعم، هنا أكثر من مئتي ناخب يدلون بأصواتهم... المركز ليس أكثر ما يدهشنا لا بل الناس... يصعب علينا التفاهم حتى ولو أننا في بلد عربي.. تقاليدهم واضحة... عندما يطلب أحد الرجال ماءً، تسارع إحدى الفتيات لاحضار الماء وتركع أمامه لتقديم الكوب...
هنا الحياة بسيطة... الأطفال يلهون عراة .. النساء يطهين الطعام والرجال يحاولن جلب الطعام وهو عبارة عن سمك أو لحم أو حليب... تواصل صعب لكن الابتسامات تجعل اللقاء مميزاً... هؤلاء لا يعرفون ما هي الحياة خارج قريتهم... والغريب أن بعض النساء المتقدمات في السن يتضورن جوعاً.. هن لا يملكن القوة الكافية لجلب الطعام.... ننهي عملنا، نودعهم لنعود الى الفندق.. وكأننا كنا في عصر سابق وفي مكان خيالي... نستعد لرحلة غير مريحة... هم عادوا الى انشغالاتهم...نتوقف في منتصف الطريق.. نلتق بعض الصور لثيران ترعى.. ونستمتع للحظات بزقزقة العصافير وبسكينة الطبيعة... هدوء قد لا يدوم طويلاً في جنوب السودان.
الاثنين 12 نيسان/أبريل 2010
اليوم الثاني من الانتخابات السودانية، كان يفترض أن يكون ما قبل الأخير إلا أن المفوضية القومية للانتخابات قررت تمديدها حتى يوم الخميس المقبل.... فالمشاكل الفنية واللوجيستية والشكاوى تتواصل.... لدى وصولنا الى أحد مراكز الاقتراع تفاجأنا بعدد من آليات الشرطة وبحشد من العناصر. وراودنا سؤال واحد : ألن تمر هذه الانتخابات على خير ما يرام؟ ولكن سرعان ما اكتشفنا أن هذا المركز هو الأهم في الخرطوم ليدلي عناصر الشرطة بأصواتهم... إنذار خاطئ... فهم أتوا فقط لتأدية واجبهم كمواطنين للمرة الأولى بحسب قولهم.. سرعان ما نغادر المركز لنغوص في زحمة شوارع العاصمة حيث الحياة تتواصل، فالشركات والمتاجر لم تغلق أبوابها..
وسرعان ما نغادر العاصمة لنصل الى أحد أكبر أحياء النازحين.... هنا مركز انتخابي أيضاً... حتى ولو أن الناس لا يؤمنون بأن التغيير آت لكن كثيرين يتوجهون للادلاء بصوتهم أو بالأحرى يدفعون للادلاء بأصواتهم.. سيدة اختارت النجمة أي رمز الحركة الشعبية لتحرير السودان... على أمل أن تضيء لياليها الداكنة بدون كهرباء..
بعيداً عن الانتخابات، ننسى للحظة الهواجس السياسية والهموم اليومية، لنستمتع بضحكات الأطفال ونلعب معهم الكرة... الأحب إلى قلوبهم...
نغادر وغصة في حلقنا... فالفقر والحر والهجرة القسرية تجعل حياة النازحين لا تطاق....أما نحن فنغادرهم باتجاه الفندق... بعض ساعات من الراحة.. ونغادر إلى الجنوب... علنا نجد بعض التفسيرات لكل هذه المعاناة
الأحد 11 نيسان/أبريل 2010
أول يوم انتخابي انتهى... يوم عكس كل تناقضات البلاد...كل لديه روايته وكل لديه وجهة نظر تعكس انتمائاته السياسية أو همومه اليومية والوطنية...لكن الجميع اتفق على أمر واحد: أول يوم انتخابي مر على سلام لكنه تميز بالكثير من الأخطاء اللوجيستية...
في الثامنة صباحاً، دارة الخرطوم الوسط لم تفتح أبوابها. على غرار مراكز أخرى... الصناديق ما زالت مختومة... المركز غير جاهز لاستقبال الناخبين الذين أتوا باكراً محملين بسلاحهم للتصويت، بطاقة شخصية وإشعار تسجيل...وكأن المركز جّهز "بالتي هي أحسن".... لا طاولات للصناديق، ستار عازل من الكرتون لا يضمن السرية وأسماء غير واردة على لوائح الناخبين المسجلين...
عملية التصويت المعقدة صعبت المهمة اليوم... ثماني بطاقات تصويت وثلاثة صناديق...بطاقات كشفت صور المرشحين لتسهيل مهمة الاختيار لاسيما للناخبين الأمّيين منهم... بطاقات ضمت حتى صور المرشحين الذين انسحبوا من الانتخابات... غريبة كانت الأجواء في المراكز التي خلت بعضها من الناخبين..
المراقبون رصدوا الشكاوى، بعض الصحفايين واجهوا العراقيل لتأدية عملهم بكل موضوعية... لكن من أتوا للتصويت خرجوا من المركز فخورين رافعين اصبعهم الملون بالحبر الأخضر اللون... فكل هذه المشاكل اللوجيستية لا تعنيهم.. لا بل المشاركة، للمرة الأولى في عملية انتخابية. هي همهم الوحيد..اليوم الأول من هذه الانتخابات انتهى على وقع تصريحات الحركة الشعبية لتحرير السودان المعارضة منتقدة بشدة هذه المشاكل...
السودان بدا كالطفل الذي يتعثر في أولى خطواته... فالسير نحو الديمقراطية ليس مهمة سهلة.... واختبار اليوم الأول كشف الكثير من القلق حيال استحقاق ينتظره كثيرون ألا وهو الاستفتاء العام في ألفين وأحد عشر حول استقلال جنوب السودان....استفتاء قد يزيد من انقسامات البلاد وقد يزعزع الاستقرار الهش في أية لحظة....
ولكن بانتظار ذلك، غلب النعاس السودانين ليُطل فجر جديد انتخابي غداً...
السبت 10 نيسان/أبريل 2010
الثامنة صباحاً، الاتجاه ، مخيم صوبا جنوبي العاصمة خرطوم : طريق أسفلتية تحيطها أبنية حديثة ومتاجر لأبرز الماركات العالمية. بدأت العاصمة تستيقط وبدأت الحافلات المعروفة بـ"أمجاد" والسيارات تغزو الطرقات....
ولكن، كلما ابتعدت عن وسط العاصمة كلما ساءت حال الطرقات. على جانبيها نفايات مبعثرة حتى إن الشجيرات أخذت نصيبها منها فبدت وكأنها شجيرات مزينة للأعياد بالقمامة فيما وجدت في شوارع العاصمة مراكز جمع القمامة خاصة بإعادة تدوير النفايات...
هناك تباين عجيب غريب؛ فقد اختفى الأسفلت وأصبحت الطرقات ضيقة ووعرة .... وصلنا إلى مخيم صوبا، وهو مخيم النازحين من دارفور والجنوب ومناطق أخرى. مخيم يضم بعضا من حوالى مليوني نازح يعيشون في مخيمات في ضواحي الخرطوم، فقدوا كل شيء لكن ابتساماتهم تعكس أملا وإرادة في البقاء وأنظارهم تعكس غضباً من حكومة تخلت عنهم حتى إنها هاجمتهم وتحاول اليوم تهجيرهم مجدداً.
بنوا هنا على مساحة واسعة منازل من الطين.، ميزتها أبواب حديدية كبيرة وكأنهم يخشون على ما تبقى لهم. مواطنو قرية صوبا القومية كما يحبون أن يصفوها يرفضون لقب نازحين ويجدون في الانتخابات خطوة نحو الديمقراطية لكنها فرصة ضائعة، ويرفضون المشاركة فيها بسبب مقاطعة الحركة الشعبية لتحرير السودان التي ينتمي إليها معظمهم وبسبب غضبهم من ... رئيس البلاد.
إنهم يواجهون الحياة الصعبة بكثير من الكرامة لكن العودة تبقى أمنية عزيزة على قلوبهم، يلوحون بأيديهم ويأملون في عودتنا للقائهم مجددا عندما تتحسن أحوالهم .
الجمعة 9 نيسان/أبريل 2010
الشوارع بدت شبه خالية صباح اليوم في العاصمة الخرطوم؛ فاليوم هو يوم عطلة ولربما يهرب الجميع من الحر الشديد. لكن العاصمة على أبواب انتخابات متعددة تجرى لأول مرة منذ أربعة وعشرين عاماً، وهنا كأن لا شيئ مهما على وشك الحدوث، فقط بعض اللافتات هنا وهناك لمرشحي حزب المؤتمر الوطني الحاكم ورئيسه عمر البشير تتمايل بينها على استحياء لافتات للأحزاب المعارضة، معارضة أحبطت أحلام المواطنين السودانيين بالتغيير.
المدينة بدأت تستيقظ بعد الظهر، في قلب سوق الشهداء، المارة يبتاعون حاجياتهم والشباب يمضون الوقت. أنظارهم تتغير عند رؤية كاميرا فرانس24 وهم يلتفون حولنا علنا نلقط صورة لهم. هم لا يأبهون بهذه الانتخابات فهم قلقون فقط حيال مستقبلهم ولقمة عيشهم. بعضهم عرض مجموعة من الصور والوشاحات والقمصان لحزب المؤتمر الوطني فيما آخرون أطربونا بأناشيد انتخابية على وقع أنغام غربية. اللطف هو ما ميز هؤلاء الشباب لكن عدسة الكاميرا لم تطلق العنان لأفكارهم وآرائهم.
حان موعد العودة إلى الفندق لإعداد التقارير والمشاركة في النشرات الانتخابية. عناصر الشرطة والجيش بدأت بالانتشار بينما يغط أغلب المواطنين في النوم.
غداً يوم آخر... غداً تستكمل اللمسات الأخيرة للتحضيرات... غداً سترتدي العاصمة الحلة الانتخابية.






































التعليقات (2)
انا سودانى احب وطني
السودان احلي مافيه تواضع الشعب رغم صعوبة المعيشه والبساطه تميز هاذا الشعب وليس الرفاهية _________ وهو شعب الفضائل والنضال
الانتخابات السودانية
أولا المنطقة إسمها سوبا وهى إسم لمملكة قديمة
ثانيا لو كان هؤلاء يكرهون الرئيس الذى تسبب فى معاناتهم لما نزحوا الى العاصمة ولكنهم كانو سينزحون الى حيث الامان
ثالثا هذا حى من احياء الخرطوم وهو من الاحياء الشعبية وسكانه خليط من معظم مناطق السودان وليس خاص بنازحين اوغيره
رابعا أرجو ان تكتبو بمهنيه خالية من الغرض
تعليقك على الموضوع