موزمبيق: مشاريع استخراج الغاز في مواجهة التهديد الجهادي غير المسبوق

استثمارات شركة "توتال" الفرنسية في موزمبيق تواجه خطر المجموعات الجهادية.
استثمارات شركة "توتال" الفرنسية في موزمبيق تواجه خطر المجموعات الجهادية. © أ ف ب

من المفترض أن يكون استغلال احتياطات الغاز العملاقة البحرية لموزمبيق في مقاطعة كابو ديلغادو شمال البلاد نقطة انطلاق لنهضة تنموية كبيرة. لكن تمدد الجهاديين، الذي كان دائما ما يتم التقليل من شأنه حتى عملية الاستيلاء الأخيرة على مدينة بالما، قلب خطط شركة "توتال" الفرنسية والحكومة الموزمبيقية رأسا على عقب.

إعلان

إنه لحادث مؤسف. فقبل ساعات قليلة من بدء عملية الاستيلاء الدموية على مدينة بالما شمال موزمبيق التي نفذتها جماعة جهادية في 24 مارس/آذار، كانت شركة "توتال" الفرنسية قد أعلنت استئناف العمل في موقع الغاز البحري الذي تديره على بعد حوالي عشرة كيلومترات من المكان. بعد أن كان العمل قد توقف فيه في الأشهر الأخيرة جراء انعدام الأمن اللافت في المنطقة.

ويتضمن هذا المشروع - أول تطوير على الأرض لمصنع غاز طبيعي مسال في البلاد - تطوير حقلين وإنشاء خطي تسييل بسعة إجمالية تبلغ 13,1 مليون طن سنويا. كانت "توتال" تأمل في تمكنها من البدء في استخراج الغاز اعتبارًا من عام 2024، لكن الاستيلاء على بالما سيعطل مشروعها لعدة أشهر أخرى على الأقل.

رابع أكبر مصدر للغاز في العالم

اكتشفت احتياطيات هائلة من الغاز تحت سطح البحر في أوائل العقد الأول من القرن الواحد والعشرين قبالة ساحل مقاطعة كابو ديلغادو في شمال موزمبيق. وقدر حجم الاحتياطي بما يقرب من 5 تريليون متر مكعب من الغاز موزعة على موقعين بحريين، وهو ما قد يمكن هذه الدولة الواقعة في جنوب القارة الإفريقية من أن تصبح رابع أكبر مصدر للغاز في العالم بعد الولايات المتحدة وقطر وأستراليا خلال عقد واحد من الزمن.

بالنسبة لميزانية هذا البلد الفقير، يمثل استغلال هذه الموارد وعدا بتنمية اقتصادية مذهلة. في عام 2019، قدرت شركة الاستشارات "وود ماكينزي" في مقال منشور بصحيفة "لو فيغارو" الفرنسية أن المشروع سيضيف 3 مليارات دولار سنويا من عائدات الضرائب إلى خزينة دولة موزمبيق. وهو رقم كما تقول الصحيفة اليومية "كافٍ لمضاعفة ميزانية الدولة".

ولكن في هذه المقاطعة الواقعة على الحدود مع تنزانيا، ظهرت مجموعة جهادية في أوائل العقد الأول من القرن الواحد والعشرين وبايعت منذ عهد قريب تنظيم "الدولة الإسلامية".

طائفة دينية

"لقد كانت في البداية مجرد طائفة ظهرت بين عامي 2007 و2010 وتطمح لإنشاء خلافة إسلامية. في البداية، طلبت من أعضائها الانعزال عن المجتمع، وعدم التفاعل مع المسؤولين الحكوميين، مثل الشرطة على سبيل المثال"، كما يشرح لفرانس24 إريك مورييه-جونو، أستاذ التاريخ الأفريقي في جامعة كوين في بلفاست.

وترفض الجماعة التي تطلق على نفسها اسم "الشباب" وجود الدولة وتتبنى "مختارات من الكتب الدينية" تميزها عن المجموعات الأخرى للأقلية المسلمة في شمال موزمبيق. في عام 2017، دخلت الجماعة في كفاح مسلح ضد الدولة الموزمبيقية، وفي العام التالي بايعت تنظيم "الدولة الإسلامية". في أغسطس/آب 2020، وبعد محاولتين فاشلتين، تمكنت المجموعة من الاستيلاء على بلدة موسيمبوا دي بارايا الساحلية، جنوب بالما، والتي لا تزال تحت سيطرتها.

لا ذكر لـ "توتال" في بيانات "التنظيم"

بالنسبة لإريك مورييه-جنود، فإن حقيقة أن الجماعة الجهادية قد تطورت في نفس المقاطعة التي توجد بها موارد الغاز في البلاد هي مسألة صدفة. ويشدد على أن "هذا سيغير ديناميكيات الحرب". "توتال قلقة، وحكومة موزمبيق تشعر أيضا بالقلق لكن عليها بذل المزيد من الجهد لحماية موقع التشغيل. والدخل المتوقع هائل والحكومة تتوقع الحصول على فوائد كبيرة"، يضيف الأكاديمي الذي يتوقع استمرار العمل بالمشروع "لكن مع بعض التأخير فقط".

من جهته، يعتقد الصحفي في فرانس24 وسيم نصر أن هجوم بالما لا علاقة له بمشروع "توتال" للغاز. بالنسبة له، فإن وجود الشركة الفرنسية هناك قد جذب انتباه وسائل الإعلام الدولية، لكن ذكر الشركة كان هامشيا في أجهزة دعاية تنظيم "الدولة الإسلامية".

يقول نصر موضحا: "في جميع البيانات التي أصدرها التنظيم عن موزمبيق والتي وجد له موطئ قدم فيها منذ يونيو/حزيران 2019، لم يكن هناك إلا موجز واحد فقط حول الاتفاقات بين توتال وشركات أمن خاصة، ودون تعليق. باستثناء هذا الموجز، لم يكن هناك أي ذكر لتوتال. حتى بعد هجوم 24 مارس/آذار، اعتبر التنظيم بالما فقط بمثابة مدينة استراتيجية لكنه لم يتحدث عن توتال".

هجوم "مهين"

وبالتالي لا توجد صلة مباشرة بين استئناف أنشطة شركة توتال والهجوم على بالما. وفي مقابلة مع وكالة الأنباء الفرنسية، قال الباحث في معهد البريطاني فيريسك مابليكروفت ألكسندر راي ميكرز إن تزامن صدور هذا الإعلان مع حجم الهجوم الذي أعقبه أمر "مهين بشكل خاص"، بما في ذلك للحكومة التي وعدت شركة استخراج الغاز بضمان الأمن في دائرة قطرها 25 كيلومترًا من موقع الإنتاج.

وقال "إنه دليل واضح على النمو التدريجي لقدرات الجماعة العسكرية واكتسابها للخبرة وقدرتها على المبادرة بالهجوم". وهي قدرات عسكرية تنبع جزئيا من وجود موقع الغاز، لأنه وإن لم تظهر حركة "الشباب" كرد فعل على وجود "توتال"، فإنها الآن تجند الشباب المحليين المحبطين بسبب الافتقار إلى الآفاق الاقتصادية المتعلقة بمشروع الغاز. هناك أيضًا بينهم، وفقا للخبراء، العديد من التنزانيين والأجانب.

والأربعاء الماضي شن الجيش الموزمبيقي هجوما في محاولة منه استعادة المدينة التي سيطر عليها المتمردون ليلة الجمعة السبت. ودعا الاتحاد الأفريقي إلى "إجراءات إقليمية ودولية عاجلة". ويظل، بعد أسبوع من الهجوم، إجلاء الآلاف من الناجين من الهجوم الذين فروا من بالما أمرا ملحا وطارئا.

وبعد عمليات الإجلاء العديدة بالفعل، ازداد بشكل كبير عدد الأشخاص المتجمعين في شبه جزيرة أفونجي، بالقرب من موقع توتال، يوم الخميس. فبعد الهجوم، لجأ ما يقرب من 6 آلاف إلى 10 آلاف شخص إلى موقع الغاز أملا في الحصول على المساعدة.

وقال أحد عمال الإغاثة لوكالة الأنباء الفرنسية إن عشرات الناجين واصلوا تدفقهم على المقاطعات المجاورة للحاق بمخيمات النازحين. ووفقًا للأمم المتحدة فقد وصل 8,100 شخص إلى المناطق المحيطة في خلال أسبوع واحد فقط

النص الفرنسي: جوليا دومونت /النص العربي: حسين عمارة

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم