تخطي إلى المحتوى الرئيسي
الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2020

ريبورتاج: عندما تمتزج السياسة بفحم المناجم في مدينة جيليت الأمريكية

شارع جيليت بمدينة جيليت الأمريكية. هو أبرز الشوارع في هذه البلدة الصغيرة التي لا يتعدى سكانها حوالي 30 ألف نسمة. جيليت عبارة عن شوارع شاسعة ومنازل بعيدة بعضها عن بعض.
شارع جيليت بمدينة جيليت الأمريكية. هو أبرز الشوارع في هذه البلدة الصغيرة التي لا يتعدى سكانها حوالي 30 ألف نسمة. جيليت عبارة عن شوارع شاسعة ومنازل بعيدة بعضها عن بعض. © طاهر هاني فرانس24
11 دقائق

في مدينة جيليت الواقعة في ولاية وايومنغ شمال غرب الولايات المتحدة الأمريكية، الناخبون شرعوا في التصويت منذ أسبوعين، فيما باتت النتيجة شبه محسومة لصالح دونالد ترامب الذي يملك مناصرين كثيرين في هذه البلدة التي تخشى فقدان مناجم الفحم التي توظف أكثر من 4000 شخص. السكان هنا لا يبالون باسم الرئيس الأمريكي المقبل بقدر ما يتطلعون إلى عدد السنوات المتبقية قبل غلق آخر منجم.

إعلان

أيام قليلة تفصلنا عن موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقررة في 3 تشرين الثاني/نوفمبر، بلدة جيليت الواقعة في ولاية وايومنغ شمال غرب البلاد ارتدت حلتها البيضاء وغطت الثلوج شوارع وحقول هذه المدينة الصغيرة التي يعتمد اقتصادها بشكل أساسي على قطاع المناجم. القادم إليها جوا يمكن أن يشعر بصدمة عند رؤية الفجوات المفتوحة في بطن الأرض والتي سببتها شركات المناجم المتناثرة فوق صحراء من الثلوج ويشاهد عبر نوافذ الطائرة دخانا بنيا يتصاعد في السماء دون انقطاع ليلا ونهارا.

لكن ما لا يراه الزائر للوهلة الأولى هي الأزمة الاقتصادية التي تعصف بهذه المدينة منذ سنوات بسبب تراجع قطاع المناجم الذي يوظف حوالي 4500 شخص حسب إريك هانسان (47 عاما) الذي يعمل كتقني في مجال الميكانيك في إحدى مصانع المدينة التي يبلغ تعداد سكانها حوالي 30 ألف نسمة.

إريك هانسان (47 عاما) أحد المساندين لحملة دونالد ترامب في مدينة ديليت بولاية وايومنغ. يعمل كتقني في مجال الميكانيك بإحدى مناجم المدينة.
إريك هانسان (47 عاما) أحد المساندين لحملة دونالد ترامب في مدينة ديليت بولاية وايومنغ. يعمل كتقني في مجال الميكانيك بإحدى مناجم المدينة. © طاهر هاني فرانس24

إريك هانسان يتذكر الأيام السعيدة عندما كان العمل متوفرا للجميع. "الناس كانوا يأتون من كل مدن الولاية للعيش في جيليت. لكن اليوم الوضع تغير إذ تم اغلاق العديد من المصانع بحجة احترام البيئة أو البحث عن طاقات نظيفة ومتجددة" حسب تعبيره.

"ترامب ليس هو المسؤول عن الأزمة الاقتصادية التي تمر بها الولايات المتحدة"

ولتغيير الوضع، قرر إريك هانسان اقتحام عالم السياسة، إذ رشح نفسه ليصبح عضوا في المجلس البلدي لمدينة جيليت. برنامجه الانتخابي يرتكز على ثلاث نقاط أساسية: حق امتلاك الأسلحة بكل حرية ومحاربة قانون الإجهاض، فضلا عن محاسبة كل الذين يسيئون استخدام المال العام. وبالإضافة إلى ذلك، قرر إريك هانسان مساندة دونالد ترامب في حملته الانتخابية والتصويت لصالحه يوم 3 نوفمبر/ تشرين الثاني.

وصرح لفرانس24 "سأمنح صوتي لترامب لأن قيمه هي نفس القيم التي أدافع عنها ولأننا نملك أيضا نظرة واحدة للعالم". وقال "ترامب هو الرئيس الذي سيحافظ على وظائفنا. طبعا سيبحث على موارد طبيعية جديدة أكثر احتراما للبيئة لكنه لن يغلق المصانع والمناجم". وأضاف "صوّت لصالحه في 2016 ولن أتردد في القيام بذلك هذه المرة".

آلة لإستخراج الفولا1 من باطن الأرض تم وضعها قرب الطريق السريع ليتمكن السكتن من ماهدتها وهي تعود إلى ومن بعيد. عمال المناجم يأتون في بعض الأحيان إلى هذا المكان ويتذكرون عندما كانوا يعملون في هذا القطاع.
آلة لإستخراج الفولا1 من باطن الأرض تم وضعها قرب الطريق السريع ليتمكن السكتن من ماهدتها وهي تعود إلى ومن بعيد. عمال المناجم يأتون في بعض الأحيان إلى هذا المكان ويتذكرون عندما كانوا يعملون في هذا القطاع. ©

وسألناه إذا كان يعتقد أن الرئيس الأمريكي لم يف بوعده الانتخابي في 2016 والمتعلق بالحفاظ على قطاع المناجم، فأجاب هذا الأمريكي المحافظ  "لا أعتقد ذلك. ترامب ليس هو المسؤول عن الأزمة الاقتصادية التي تمر بها الولايات المتحدة. العالم كله يعاني من تراجع الاقتصاد بسبب وباء كوفيد-19. وفي حال تم انتخاب جو بايدن رئيسا جديدا للولايات المتحدة، فسنواجه مشاكل أصعب هنا في مدينة جيليت لأنه سيقوم بغلق المناجم في غضون سنوات قليلة وسنفقد كلنا عملنا دون أن نعلم إلى أين سنذهب لتأمين لقمة العيش".

"أقول للشعب الأمريكي انتخبوا يسوع المسيح رئيسا للبلاد"

وجدير بالذكر أن سكان ولاية وايومنغ عامة ومدينة جيليت على وجه الخصوص يصوتون في غالبيتهم لصالح المرشح الجمهوري منذ سنين وينتمون إلى التيار المحافظ. فاستطلاعات الرأي كلها تشير إلى فوز دونالد ترامب في هذه الولاية الصغيرة من حيث عدد السكان (حوالي 500 ألف نسمة) وغير الحاسمة انتخابيا.

تجولنا في شوارع مدينة جيليت العريضة. ورغم الشمس الساطعة إلا أن درجة الحرارة كانت منخفضة جدا ووصلت إلى 7 درجات تحت الصفر. الشوارع كانت خالية من الناس، فهم يفضلون البقاء في منازلهم أو داخل المقاهي والحانات. التقينا بمولي جونسون سلانسكي (37 عاما)، وهي مدرسة في ثانوية بجيليت.

شابات أمريكيات يتحدثن حول مصيرهن في مدينة جيليت والانتخابات الرئاسية المقبلة. ميغان هارمان و كازي ستارت مع كامي بيدل يفضلن البقاء في جيليت مهما كان مصير مصانع الفولاذ والمناجم
شابات أمريكيات يتحدثن حول مصيرهن في مدينة جيليت والانتخابات الرئاسية المقبلة. ميغان هارمان و كازي ستارت مع كامي بيدل يفضلن البقاء في جيليت مهما كان مصير مصانع الفولاذ والمناجم © طاهر هاني فرانس24

كانت تسير باتجاه منزلها برفقة ابنتها التي خرجت هي الأخرى من المدرسة. وعندما سألناها عن مشاعرها مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، أجابت بنوع من السخرية  "لا أشعر بأي شيء. أقول للشعب الأمريكي انتخبوا يسوع المسيح رئيسا للبلاد أو امنحوا ثقتكم لزوجي فهو قادر على تولي المنصب ويملك المؤهلات اللازمة لتسيير شؤون البلاد". وذلك في إشارة إلى القدرات الخارقة لتغيير حياة الناس التي يروج لها غالبا المرشحون للرئاسة.

وأضافت لفرانس24 "أعتقد أن سكان جيليت سيصوتون لصالح دونالد ترامب لأنهم يحبونه. والدليل على ذلك هو الكم الهائل من الرايات التي طبعت عليها صورة وجهه والتي علقت على أبواب المنازل وفي الشوارع"، مضيفة في الوقت نفسه "لن أصوت لصالح المرشح الديمقراطي جو بايدن كون أنني لا أعرفه جيدا وفي الحقيقة سأقاطع الانتخابات لأنني لا أهتم أبدا بالسياسة".

"حان الوقت للحزب الديمقراطي أن يخرج من سباته العميق في جيليت"

على عكسها.. لين هوسكنسون التي قررت المساندة "بكل قوتها" كما تقول للمرشح الديمقراطي جو بايدن في مدينة جيليت. عملت هذه المرأة سنوات عديدة في قطاع المناجم قبل أن تتقاعد وتنخرط في عالم السياسة إلى جانب الحزب الديمقراطي الذي تطمح إلى تمثيله على مستوى ولاية وايومنغ.

هنا أدناه بعض الصور لمدينة جيليت في ولاية وايومنغ شمال غرب الولايات المتحدة. مدينة يعتمد اقتصادها على المناجم ويصوت غالبية سكانها لصالح الحزب الجمهوري

وقالت لفرانس24 "حان الوقت للحزب الديمقراطي أن يخرج من سباته العميق في جيليت لأنني أعتقد أن المدينة لا تسير في الاتجاه الصحيح وتحتاج إلى تغييرات جذرية في الكثير من المجالات وفي مقدمتها المجال الاقتصادي والوظيفي".

وواصلت "لقد صوّت لصالح جو بايدن لأن في اعتقادي الديمقراطيين هم الأجدر في تسيير المرحلة الانتقالية التي يمر بها قطاع المناجم في مدينة جيليت. فهم (أي الديمقراطيون) يبحثون عن صيغة جديدة تحافظ على الوظائف في هذا القطاع من جهة وتطور قطاع المناجم لكي يصبح أكثر احتراما للبيئة والطبيعة ولصحة المواطنين من جهة أخرى".

وتثق لين هوسكنسون في مستقبل جيليت وفي مناجمها لأن "سكانها سيتحدون أكثر في المستقبل للدفاع عن وظائفهم وسيقبلون بالتغييرات التي تهدف إلى المحافظة على البيئة والمنطقة التي يعيشون فيها فليس لديهم مكان آخر يذهبون إليه" حسب تعبيرها.

حماية البيئة من التلوث مع الحفاظ على مصانع المناجم والفولاذ في المدينة. كانت موظفة سابقة في إحدى المصانع قبل أن تذهب إلى التقاعد.
حماية البيئة من التلوث مع الحفاظ على مصانع المناجم والفولاذ في المدينة. كانت موظفة سابقة في إحدى المصانع قبل أن تذهب إلى التقاعد. © طاهر هاني فرانس24

متى ستغلق مصانع الفولاذ نهائيا أبوابها في جيليت؟... سؤال يشغل بال السكان

أما إنيات روشان، وهو سائق سيارة أجرة من أصول أفغانية، فقد عاش سنوات عديدة في مدينة جيليت قبل أن ينتقل إلى دانفر.. معظم الأمريكيين حسب تعبيره سيصوتون لصالح دونالد ترامب لأنه وعدهم "بمنحهم ألف دولار لكل واحد منهم في حال فاز بالانتخابات الرئاسية".

وأضاف هذا الشاب الذي كان مترجما للقوات الأمريكية في أفغانستان "لو كان باستطاعتي أن أشارك في الانتخابات الرئاسية لصوّت لصالح دونالد ترامب لأن هذا الأخير يعبر عن أفكاره بكل حرية وعفوية وهو رجل لا يحب النفاق والمجاملة. عكس الديمقراطيين وجو بايدن الذين في الظاهر يدافعون عن الأقليات والمسلمين لكن في الواقع يقومون بتمرير أبشع القوانين".

في جيليت وفي مدن أخرى بولاية وايومنغ مثل مدينتي كاسبر والعاصمة شايان التي تتواجد فيهما محميات هندية، السؤال الذي يشغل بال السكان هناك هو ليس من سيفوز بأصوات الناخبين (جميع استطلاعات الرأي ترشح فوز دونالد ترامب في هذه المنطقة) بل ما هو عدد السنوات المتبقية قبل أن تغلق مصانع المناجم والفولاذ أبوابها ويهجر سكان جيليت المدينة بحثا عن مستقبل آخر.

 

طاهر هاني موفد فرانس24 للولايات المتحدة الأمريكية

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.