دونالد ترامب... رئيس "عبثي" تنتهي ولايته ومرشح جمهوري "لا يحب سوى الفائزين"

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال تجمع انتخابي في ولاية بنسلفانيا. 26/10/2020
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال تجمع انتخابي في ولاية بنسلفانيا. 26/10/2020 © رويترز

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو المرشح الجمهوري لولاية ثانية في انتخابات الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. ترامب رئيس مثير للجدل في بلاده وخارجها بسبب سياسته السلطوية وتصريحاته العبثية وشخصيته الأنانية التي أحدثت انقساما داخل المجتمع الأمريكي ولدى الرأي العام الدولي، لا سيما حلفاء واشنطن الأوروبيين.

إعلان

تُقبل الولايات المتحدة على الانتخابات الرئاسية المصيرية المقرر إجراؤها في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، وقد جعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب) 74 عاما( بلاده منقسمة داخليا وشبه منغلقة خارجيا نتيجة سياسية قوامها التهجم المنهجي على المؤسسات الأمريكية والدولية على حد سواء.

ويواجه المرشح الديمقراطي جو بايدن، الجمهوري ترامب الذي يقول دائما إنه لا يحب سوى "الفائزين". وترجح آخر استطلاعات الرأي فوز بايدن بفارق مريح. وبدأ هذا التقدم في الظهور بصفة واضحة خاصة غداة المناظرة التلفزيونية الأولى بين المرشحين في 29 سبتمبر/أيلول بمدينة كليفلاند، ولاية أوهايو (شرق البلاد). واعتمد الرئيس الـ45 في تاريخ الولايات المتحدة خلال تلك المناظرة نهج الشتم والقذف ضد منافسه، ساخرا منه ومستخفا بقدرته على قيادة أقوى دولة في العالم، مستهزئا بوضع بايدن الكمامة الواقية من فيروس كورونا، إلى أن أصيب بالوباء ودخل مستشفى وولتر ريد العسكري قرب واشنطن لتلقي العلاج.

ودونالد ترامب، رجل الأعمال الذي حقق نجاحات كبيرة في مجال العقارات ورجل الإعلام أيضا، إذ قدم برامج ترفيهية لمدة سنوات، وصل إلى سدة الحكم في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2016 خلفا لباراك أوباما ومتفوقا على هيلاري كلينتون بإشاعة و(حسن) استغلال الأخبار الكاذبة، لا سيما بشأن الهجرة غير الشرعية. فقد كان منذ البداية رجلا مقسما وليس جامعا، لا محليا ولا دوليا.

من هو دونالد جون ترامب؟

ولد دونالد جون ترامب في 14 يونيو/حزيران 1946 بنيويورك، من أب (فريد ترامب) متحدر من أصول ألمانية توفي في عام 1999، وأم (ماري آن ماكليود) ذات أصول إسكتلندية ماتت في عام 2000. وهو رابع ولد رزقت به العائلة من أصل خمسة، وترعرع في حي "جمايكا إستيتس" الفخم الواقع بدائرة "كوينز"، شرق نيويورك.

وفي الـ13 من عمره، برز التلميذ دونالد ترامب بسلوك مشاغب أقنع والديه بضرورة تسجيله في مدرسة عسكرية في المدينة بهدف تعلم الانضباط وقيم الاحترام والطاعة. وعندما أصبح شابا، تمكن من الإفلات من الخدمة العسكرية في أكتوبر/تشرين الأول 1968 متذرعا بإصابة في الكعب، فيما كان الآلاف من مواطنيه يقاتلون "العدو الشيوعي" في فيتنام.

واصل ترامب دراسته بجامعة "فوردهام" في دائرة "برونكس" بنيويورك ثم في مدرسة "وارثن سكول" التابعة لجامعة بنسلفانيا (شمال شرق الولايات المتحدة) والمتخصصة في العقارات حيث تخرج بشهادة. وفور نهاية دراسته التحق ترامب بشركة والده قبل أن يصبح رئيسا لها في عام 1971.

وفيما كان والده متخصصا في تشييد البنايات الموجهة للطبقة الوسطى، اتجه دونالد ترامب نحو بناء الفنادق الفخمة والكازينوهات وملاعب الغولف، فضلا عن ناطحات السحاب التي غالبا ما يدون عليها اسم "ترامب". وقال رجل الأعمال الشاب يوما للصحافة: "النجاح قضية وراثية، سواء كسبته لدى الولادة أم افتقدته، فهو لا يُكسب".

ما هو سر نجاحه كرجل أعمال؟

وسرعان ما تحول اسم الشركة إلى "ترامب أورغنزيشن" (منظمة ترامب)، ليكسر الرجل الحواجز والعقبات أمامه، مؤسسا لنجاحه الباهر بفضل نهج هجومي لا يقبل النقاش ولا المنافسة. وكان يردد "عليك أن تضرب أقوى من منافسك".

ولأجل الخوض في مسيرته الواعدة، استفاد ترامب من قرض عائلي قيمته مليون دولار، ونجح في غضون سنوات بأن يصبح أحد أبرز المستثمرين العقاريين في نيويورك، لا سيما في منطقة مانهاتن، مستغلا انخفاض الأسعار ليصبح في وقت سريع رجلا ثريا وله وزنه في أكبر وأشهر مدينة أمريكية.

لكن النجاح في مجال العقارات لم يكف لإشباع غريزة رجل الأعمال ولا طموحه غير المحدود، فراح يستثمر في مجالات أخرى بينها الطيران والأغذية والجمال، والجامعات أيضا. وكان يسهر على أن يبرز اسمه في كل عمل يقوم به ونشاط يرعاه أو ينظمه (مثل منافسات ملكات الجمال). ولا يخيفه الفشل ولا الإخفاق، بل همه الوحيد والجريء هو المضي قدما نحو الأمام.

ثلاث زوجات... وعدة مغامرات؟

حياة دونالد ترامب الشخصية كانت مادة دسمة لوسائل الإعلام الأمريكية نظرا لمغامراته الكثيرة، وحياته الزوجية المضطربة التي صنعت أطوارها ثلاث نساء آخرها (عارضة الأزياء السلوفينية الأصل) ميلانيا كنافس والتي تزوجها عام 2005. وقبل ميلانيا، شارك ترامب حياته مع عارضة الأزياء وبطلة رياضة التزلج التشيكية إيفانا زلنيكوفا لمدة 15 عاما، وهي والدة ابنته إيفانكا (التي تعمل معه في البيت الأبيض خلال فترته الرئاسية). وبعدها، تزوج من ملكة جمال ولاية جورجيا، ماريا مبلس.

في الواقع، حياة رجل الأعمال ارتبطت على مدى سنوات بمجال الترفيه والإعلام، فقد كان ترامب في بداية الألفية مقدما لأحد برامج "تلفزيون الواقع" على محطة "إن بي سي"، وكان الفائز فيه يحصل على وظيفة في "إمبراطورية ترامب". واشتهر خلال هذا البرنامج، الذي حمل عنوان "ذي أبرانتايس"، أي (المتدرب)، بمقولة متداولة في مجال الأعمال: "أنت مطرود".

ترامب كان ديمقراطيا قبل أن يصبح جمهوريا

وبالتوازي مع حياته كرجل أعمال وإعلام، اهتم دونالد ترامب بالشأن السياسي تماشيا مع مصالحه الاقتصادية والشخصية. فقد بدأ نضاله السياسي في الحزب الديمقراطي (المصنف يساريا) في ثمانينيات القرن الماضي، ثم أصبح مستقلا قبل أن ينضم للجمهوريين (اليمين)، معارضا بحماس المتشددين اليمينيين حول مسألة الإجهاض وقضية تحديد حمل السلاح.

وتشددت مواقف ترامب السياسية خلال ولاية باراك أوباما الأولى (2008/2012)، فدخل في حملة شرسة ضد الرئيس الديمقراطي، أول رجل أسود يتولى رئاسة الولايات المتحدة، بهدف جلب ثقة وأصوات اليمين المتشدد. وركز على أن أوباما "مسلم كيني"، مدعيا بأنه ولد في هذا البلد الأفريقي، لكنه في الحقيقة ولد في هاواي، من أب كيني الأصل. وزعم أيضا أن نتائج باراك أوباما الدراسية لم تكن كافية لأن تؤهله إلى دخول جامعة هارفارد الشهيرة في بوسطن بولاية ماساتشوسيتس (شرق البلاد)، والتي تأسست في عام 1636.

وقال الأستاذ في جامعة غرونوبل الفرنسية غريغوري بينيديتي إن ترامب "تقمص خلال تلك الفترة ثوب زعيم المحافظين المتشددين الذين قدموا أوباما على أنه أجنبي (وبالتالي لا يحق له تولي رئاسة الولايات المتحدة)، وأنه مختلف من حيث الهوية والثقافة" عن باقي الأمريكيين.

وتميز دونالد ترامب عن باقي الجمهوريين بطريقة تعامله مع الطبقة الأمريكية الفقيرة والوسطى، لا سيما خارج المدن الكبرى، متحدثا إلى مواطنيه بكلام الرجل البسيط المتواضع والقريب منهم. وتحدث إلى "أمريكا الفقيرة" التي تضررت من أزمة قروض الرهن العقاري التي ظهرت في بداية 2007، وتفجرت عاما بعد ذلك لتتحول إلى أزمة مالية عالمية. فتحدث إليها واستمع لها ولمخاوفها ولغضبها، فصارت تحبه وتناصره وتفضله عن غيره من سياسيي اليمين.

وبالتالي فرض نفسه مرشحا عن الحزب الجمهوري في مواجهة هيلاري كلينتون في انتخابات 2016، ولا أحد رشحه للفوز...

"مرشح الشعب" أمام "مرشحة وول ستريت"

لعب ترامب ورقة الخطاب الشعبوي رافعا شعاري "إعادة المجد والعظمة لأمريكا" و"أمريكا أولا" في خطة تركزت على مهاجمة منافسته الديمقراطية بالكذب والخطاب البذيء، مشددا على أنها "مرشحة وول ستريت (البورصة الأمريكية) والنخبة"، فيما كان هو مرشح "الشعب".

وقدم وعودا بحل مشاكل الأمريكيين في وقت سريع والتخلص من "اليساريين الديمقراطيين" الذين اتهمهم بأنهم يرفضون النظام واحترام الأمن. فجرت مياه ترامب بما اشتهت سفن اليمينيين الأمريكيين، وقلص رجل الأعمال فارقه في استطلاعات الرأي أمام كلينتون مع اقتراب موعد الاقتراع في 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 ليفوز في النهاية بحصوله على 289 صوتا (من أصوات ما يسمى "الناخبون الكبار") مقابل 218 لكلينتون.

وأدى اليمين الدستورية في 20 يناير/كانون الثاني 2017 بصفته الرئيس 45 في تاريخ البلاد. وكان يومها أكبر الرؤساء الأمريكيين سنا (70 عاما) وأكثرهم ثروة، والوحيد بينهم الذي لم يشغل أي منصب سياسي أو عسكري قبل انتخابه رئيسا.

لماذا يحب "تويتر" أكثر من وسائل الاتصال التقليدية؟

عندما تسلم منصب الرئاسة من باراك أوباما، لم يخف دونالد ترامب ميله الشديد للتواصل المباشر مع الأمريكيين، ومع مناصريه على وجه الخصوص، فعمد لاستخدام الرسائل القصيرة والشعارات الصادمة عبر موقع التواصل الاجتماعي "تويتر". كما أن لم يخف كرهه وحقده على الصحافة التقليدية، والتي تراقب أفعاله بالنص والتحليل، ليرد على ما سماها "هجمات الصحافة اليسارية" بمفرده ومن دون استشارة أيا من مستشاريه.

وبالرغم من أن أول زيارة له خارج الولايات المتحدة كانت للسعودية، إلا أن الرئيس الأمريكي لم يفوت فرصة لإثارة غضب المسلمين. فعندما أصدر مرسوما لمنع دخول المهاجرين للولايات المتحدة في مطلع 2017 كان المسلمون يشكلون غالبيتهم. ما القول عن قراره نقل سفارة بلاده في إسرائيل من تل أبيب للقدس؟

لكن ترامب اتخذ مواقف وقرارات مخالفة للقانون الدولي، ومنها توسيع الجدار الفاصل مع حدود المكسيك وسحب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران (في مايو/أيار 2018) ومن اتفاق باريس حول المناخ (في يونيو/حزيران 2017)، فضلا عن هجماته المتكررة ضد كوريا الشمالية وزعيمها كيم جونغ أون قبل أن يدخل أراضيها (في 30 يونيو/حزيران 2019) إلى جانب كيم في خطوات تاريخية إذ لم يدخل يوما قبله أي رئيس أمريكي هذا البلد الآسيوي. وعبر ترامب الحدود الفاصلة بين الكوريتين في قرية بانمونغوم التي تحمل رمزية كبيرة.

ومن قراراته أيضا سحب القوات الأمريكية من سوريا وأفغانستان، ودفع الإمارات والبحرين لتطبيع العلاقات مع إسرائيل (في سبتمبر/أيلول 2020). وعلى المستوى الاقتصادي، تمتعت الولايات المتحدة بنمو استثنائي لغاية تفجر أزمة فيروس كورونا في مطلع 2020. وكان ترامب قد دخل في حرب تجارية معلنة مع الصين.

وخلافا لما كان عليه من قبل، أصبح الحزب الجمهوري في ظل حكم ترامب حزبا محافظا يتغنى بتدخل الدولة في الاقتصاد والعزلة دوليا.

هل تُدار أمريكا كما تُسيّر "منظمة ترامب"؟

أمام هذا التصرف العبثي، وقفت "أمريكا المعادية لترامب" في وجهه وأعلنت التعبئة العامة لأجل إزاحته من السلطة في انتخابات 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2020. وباتت تتساءل كيف يمكن العيش في بلد يحكمه رجل لم يسيّر في حياته سوى منظمة تحمل اسمه؟ رجل يتجاهل موظفي البيت الأبيض وحتى عناصر إدارته المقربين إليه، ويقود سفينة أقوى دولة في العالم وحده ويزيح من طريقه أي شخص "يعترض إرادته". فقد أقال سفير بلاده في الاتحاد الأوروبي كما أقال مستشارَين للأمن القومي آخرهما جون بولتون. رجل يدير ظهره للمؤسسات والمنظمات الدولية ولا يحترم اتفاقات بلاده مع بلدان العالم، ولا يكترث في ممارسته للسلطة سوى بإرضاء قاعدته الشعبية والانتخابية.

وحاول الديمقراطيون محاربة ترامب بالقانون لكنهم فشلوا في كل مساعيهم بسبب الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ (الذي يقر القوانين في آخر المطاف). فقد تمكن من تفادي عزله في مطلع 2020 بتهمة استغلال السلطة وعرقلة أعمال الكونغرس بعدما تكاتف الجمهوريون لإجهاض مساعي الديمقراطيين.

وكان آخر الفصول في عهدة دونالد ترامب الرئاسية الأولى ملف فيروس كورونا. فقلل من خطورة الوباء منذ ظهوره، واصفا إياه بأنه "زكام عابر"، متهما الصين بتصنيعه ونشره عبر العالم، مستخفا بإجراءات الوقاية الصحية، متجاهلا منظمة الصحة العالمية التي سحب بلاده منها في نهاية مايو/أيار 2020... وخلف الوباء أكثر من 225 ألف قتيل في الولايات المتحدة.

وتمثل إدارة أزمة فيروس كورونا أحد المحاور المهمة في المواجهة بين المرشحين، وبسببها تم تبادل أكثر الاتهامات بينهما لا سيما آخر مناظرة تلفزيونية بينهما جرت في 22 أكتوبر/تشرين الأول.

فرانس24

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم