ريبورتاج: الديمقراطيون في ولاية نبراسكا يسعون لكسر هيمنة الجمهوريين وفكرهم المحافظ

مواطن أمريكي من نبراسكا محافظ نصب لافتة أمام منزله كتب عليها "مع الله والأسلحة وترامب وضد الاجهاض".
مواطن أمريكي من نبراسكا محافظ نصب لافتة أمام منزله كتب عليها "مع الله والأسلحة وترامب وضد الاجهاض". © طاهر هاني فرانس24

في ولاية نبراسكا، وسط الولايات المتحدة، يسعى مناصرو الحزب الديمقراطي إلى كسر هيمنة الجمهوريين ودفع مواطنيهم إلى التصويت لصالح جو بايدن. ففي بلدة سيوارد الريفية التي تبعد حوالي مئة كيلومتر عن مدينة غراند آيلند (رابع كبرى مدن هذه الولاية المحافظة)، تحاول ممثلة الديمقراطيين جيسيكا هايلي إقناع الناس بالتصويت لنائب الرئيس السابق. لكن محاولاتها باءت بالفشل نظرا لارتباط السكان بالحزب الجمهوري وفكره المحافظ. ويؤمن معظمهم بالمسيح ولا يفرطون في العبادة، كما أنهم يعشقون الأسلحة ويناهضون حق الإجهاض. فهل من مستجيب لجيسيكا؟

إعلان

قطرة ماء في المحيط! هذا هو حال الحزب الديمقراطي في بلدة سيوارد الريفية بولاية نبراسكا (وسط الولايات المتحدة) التي تضم ثلاث مقاطعات، وهي أوماها ولينكن (عاصمة الولاية) وغراند آيلند.

وما يميز هذه الولاية التي يصل عدد سكانها إلى أكثر من مليون ونصف نسمة، هو ولاؤها الكبير وشبه التام للحزب الجمهوري. فحوالي 75 بالمئة من سكانها صوتوا لصالح دونالد ترامب في انتخابات 2016، وتتوقع ممثلة الحزب الديمقراطي في سيوارد، جيسيكا هايلي، أن يجدد السكان، الذين لا يتجاوز عددهم 7000 شخص، ثقتهم بالمرشح الجمهوري الثلاثاء المقبل.

للمزيد، الانتخابات الرئاسية الأمريكية: هل تستجيب "السهول السوداء" لآمال الهنود الأمريكيين وتخفف معاناتهم؟

تصف جيسيكا نفسها بـ "المقاومة" إذ إنه من الصعب جدا مناصرة جون بايدن والحزب الديمقراطي في ولاية محافظة مثل نبراسكا، حيث يدافع السكان عن حق امتلاك السلاح ويعارضون الإجهاض والهجرة.

وقالت لفرانس24 "مدينة سيوارد جميلة ويتوفر فيها نظام تعليمي ممتار. لكن العيش فيها يمكن أن يكون صعبا عندما تملك أفكارا مختلفة عن باقي السكان". وأضافت "طبعا لا يوجد أعمال عنف أو اعتداءات، لكن يجب أن تعرف مع من تتحدث وما هي الأفكار والنقاشات التي يجب تجنبها كي لا تدخل في مناوشات عقيمة".

جيسيكا مانلي ممثلة الحزب الديمقراطي في بلدة "سيفارد" بنبراسكا
جيسيكا مانلي ممثلة الحزب الديمقراطي في بلدة "سيفارد" بنبراسكا © طاهر هاني فرانس24

وتحاول جيسيكا هايلي بقدر الإمكان طرح البرنامج الانتخابي لجو بايدن، لكنها لا تلقى من يصغى لها أو على الأقل من يقبل النقاش معها. "الناس هنا يقولون لماذا، أنتم في الحزب الديمقراطي، تنتقدون دونالد ترامب وتشتمونه. إنه رئيس الولايات المتحدة وله الحق أن يتحدث ويغرد كما يشاء، وإذا كنتم لا تواقفونه الرأي، فهذا يعني أنكم لستم أمريكيون ولا تعيشون الحلم الأمريكي".

ورغم محاولاتها المتكررة، فشلت جسيكا هايلي في الدفاع عن قانون الإجهاض أو ضرورة توفير الحماية الاجتماعية للأمريكيين. فهي أفكار يعارضها تماما الجمهوريون في سيوارد، كما تقول (الجمهورية) كيم فورد، مشيرة أنهم يدافعون عن توجهات دونالد ترامب المحافظة.

وصرحت فورد، وهي ربة بيت وأم لولدين، لفرانس24 "سأصوت لـ دونالد ترامب لأنه يدافع عن نفس القيم التي أدافع عنها. فهو محافظ وأنا محافظة. من الصعب أن أثق بالتيار اليساري (أي الحزب الديمقراطي)"، مشيرة إلى أن في سيوارد، "يصوت الناس لصالح ترامب منذ عدة سنوات لأنهم يشاركونه العديد من الأفكار، من بينها الاعتماد على الذات".

وعندما سألناها لماذا لا تصوت لصالح (المرشحة الديمقراطية لمنصب نائب الرئيس) كامالا هاريس لأنها امرأة مثلها ويمكن أن تدافع عن النساء، أجابت "لا يمكن أن أصوت لصالحها لأنها تدافع عن مواقف وآراء مختلفة جذريا عن آرائي. فهي مثلا تساند حق الإجهاض وأنا أرفضه، وتريد أن تشجع الهجرة فيما أعارض ذلك. أن تكون امرأة لا يغير شيئا من مواقفي السياسية المحافظة ولا يدفعني للتصويت لصالحها".

كيم فورد، ربة بيت وأم لطفلين تساند الحزب الجمهوري ودونالد ترامب لأنه يملك أفكارا محافظة كمنع الاجهاض.
كيم فورد، ربة بيت وأم لطفلين تساند الحزب الجمهوري ودونالد ترامب لأنه يملك أفكارا محافظة كمنع الاجهاض. © طاهر هاني فرانس24

غالبية السكان في بلدة سيوارد يفكرون مثل كيم فورد، ما يخلق فجوة كبيرة بين القلة القليلة التي تدعم الحزب الديمقراطي والغالبية المساندة للحزب الجمهوري.

 وفي ردها عن السؤال حول أسباب الدعم الكبير في ولاية نبراسكا لدونالد ترامب، ردت ممثلة الحزب الديمقراطي جيسيكا هايلي قائلة "سكان نبراسكا لا يتحدثون مع أناس مختلفين عنهم فكريا وسياسيا وحتى دينيا. فمعظمهم مزارعون يعيشون في أراضيهم الفلاحية ولا يصاحبون آخرين، إضافة إلى أن التقاليد السياسية للعائلة في نبراسكا لم تتغير منذ سنوات. فالانتماء إلى الحزب الجمهوري إحساس ينتقل من الأب إلى الابن بشكل شبه وراثي".

للمزيد، ريبورتاج: عندما تمتزج السياسة بفحم المناجم في مدينة جيليت الأمريكية

وبشأن مصير الانتخابات الرئاسية، تتوقع جيسيكا هايلي فوز جو بايدن في نهاية المطاف بالرغم من أن عددا كبيرا من الأمريكيين سيصوتون لصالح ترامب.

لكنها تخشى في نفس الوقت من ردة فعل أنصار دونالد ترامب. "أخشى وقوع عمليات عنف في حال خسر ترامب الانتخابات، لاسيما في المدن الكبرى. أنا خائفة من نشوب اضطرابات واشتباكات بين مناصري الطرفين".

ويشعر بيل شاتز وزوجته، الداعمان لبايدن واللذان يسكنان على بعد بعض كيلومترات من ستيوارد، وتحديدا قرب الطريق السريع المؤدي إلى مدينة غراند آيلند، بالقلق والخوف أيضا.

ونصب الزوجان أمام منزلهما لافتة كبيرة كتب عليها "يجب التخلص من ترامب"، وقد تعرضت هذه اللافتة إلى إطلاق نار ليلا من قبل مجهولين، ما زاد من مخاوف الرجل المتقاعد.

رجل و زوجته يساندان جو بايدن في مدينة "سيفارد" ويرفعان لافتة كتب عليها "يجب رمي دونالد تلاامب" بالرغم من أن كل المنطقة تساند وتصوت لصالح الرئيس المنتهية ولايته.
رجل و زوجته يساندان جو بايدن في مدينة "سيفارد" ويرفعان لافتة كتب عليها "يجب رمي دونالد تلاامب" بالرغم من أن كل المنطقة تساند وتصوت لصالح الرئيس المنتهية ولايته. © طاهر هاني فرانس24

وقال بيل شاتز لفرانس24 "نصبنا هذه اللافتة منذ أكثر من شهر لأن البلد يسير نحو الهاوية، لكنها تعرضت لإطلاق نار.. كنا في المنزل وسمعنا طلقات رصاص ولا تزال آثار هذه الطلقات على اللافتة".

وأضافت زوجته "كنت خائفة جدا. أخشى أن يحدث نفس الشيء في المستقبل". وتابعت: "يصعب على أي أمريكي ديمقراطي العيش في هذه الولاية لأنها تنتخب بشكل كبير لصالح دونالد ترامب". وتابعت "هذه الانتخابات مهمة جدا بالنسبة لنا، نريد أن نفوز لكي نغير الوضع المتردي الذي وضعنا فيه دونالد ترامب. عهدته كانت سيئة للغائية وتميزت بأكبر عدد من المظاهرات الشعبية وبوفاة أكثر من 200 ألف شخص جراء وباء كوفيد-19. لم تشهد الولايات المتحدة مثل هذه المآسي في تاريخها المعاصر".

وغير بعيد عن منزل بيل شاتز، نصب شخص ينتمي إلى الحزب الجمهوري لافتة عريضة على مدخل منزله كتب عليها "أنا ضد الإجهاض ومع امتلاك الأسلحة ومع الله وترامب".

"هذا التصرف مخيف ومرعب"، يقول شاتز بيل مضيفا "ترامب فرق البلد والشعب الأمريكي بدءا بقانونه حول إصلاح نظام الهجرة مرورا بكل القوانين التي صاغها خلال عهدته، وهي قوانين تستند إلى الأيديولوجية. والدليل الصارخ هو تعيين (القاضية المحافظة) أيمي كوني باريت في المحكمة العليا".

في ولاية نبراسكا، يعيش غالبية السكان من زراعة الحبوب، لا سيما الذرة الشامية كون المنطقة عبارة عن سهول شاسعة. دونالد ترامب زار هذه الولاية، خلافا للمرشح الديمقراطي جو بايدن، ما أثار استياء ممثلة الحزب في بلدة سيوارد جيسيكا هايلي . 

وقالت "تمنيت لو جاء بايدن لزيارتنا هنا، لكن ربما وباء كوفيد-19 حال دون ذلك، إضافة إلى أنه يريد أن يبين للأمريكيين أنه يأخذ على محمل الجد هذا الفيروس القاتل عكس منافسه دونالد ترامب الذي أصيب بالوباء".

حلم الديمقراطيين في نبراسكا قد لا يتحقق بسبب ضعف عددهم من جهة، وتواجدهم على أراضي يسطير عليها الحزب الجمهوري منذ سنين من جهة أخرى. لكن رغم ذلك، جيسيكا هايلي لا تقطع الأمل ولا تزال تحاول أن تقنع السكان المحافظين بأن "ثمة طريق آخر يمكن أن يقود إلى الرفاهية والأمن والعيش المشترك، وهو الطريق الديمقراطي".

لافتة كتب عليها "يسوع المسيح" نؤمن بك نصبت على الطريق السريع في بلدة "سيفارد" المساندة لدونالد ترامب
لافتة كتب عليها "يسوع المسيح" نؤمن بك نصبت على الطريق السريع في بلدة "سيفارد" المساندة لدونالد ترامب © طاهر هاني فرانس24

لكن هل من مستجيب في ولاية ترى فيها لافتات في الشوارع تحمل صورة المسيح وعبارة "نحن نؤمن بك يا يسوع المسيح" وتنتشر فيها مظاهر التباهي بالأسلحة؟

طاهر هاني، موفد فرانس24 إلى الولايات المتحدة

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم