بلوشستان... أرض المفقودين في باكستان

كراتشي (أ ف ب) –

إعلان

وضبت هاني بلوش حقائبها بنية الذهاب إلى بلوشستان حيث كان خطيبها في انتظارها ليتزوجا بعد أسبوعين. لكن في 12 أيار/مايو، قام ملثّمون بخطف الاثنين، على غرار ما حصل للعديد من الباكستانيين البلوش في السنوات الأخيرة.

كان نسيم وهاني طالبين في كراتشي، وكانا يكرسان حياتهما بالكامل لدروسهما ولبناء مستقبلهما المشترك، بعيدا عن أي نضال سياسي، على ما أكدت الفتاة البالغة من العمر 27 عاما.

وتقول هاني إنه تم إطلاق سراحها في 11 آب/أغسطس بعد ثلاثة اشهر من "التعذيب والصعق بالكهرباء والضرب بأعقاب البنادق". أما نسيم، فلا يزال مفقودا.

ومنذ ذلك الحين، تمضي هاني حياتها أمام نادي الصحافة في المدينة الكبرى في الجنوب الباكستاني، تطالب "الدولة" بإعادة نسيم إليها وإطلاق سراح "جميع" البلوشيين الآخرين المحتجزين في سجون الحكومة السرية.

ويحظى الجيش الممسك بالسلطة في باكستان لنحو نصف تاريخ هذا البلد الممتد على 73 عاما، بنفوذ هائل، إلى حد أن الناس نادرا ما يجرؤون على التلفظ باسمه حتى.

وبالتالي، يتكلم الجميع عن "الدولة" للإشارة إلى العسكريين، أو يتكلمون عنهم ببساطة بقول "هم".

أما عناصر أجهزة الاستخبارات الذين يتهمهم المدافعون عن حقوق الإنسان بالوقوف خلف كل الاختفاءات القسرية، فيشار إليهم في الحديث الشعبي بلقب "الملائكة".

وينشط "الملائكة" بصورة خاصة في بلوشستان، الإقليم الصحراوي الشاسع الواقع في جنوب غرب باكستان على الحدود مع إيران وأفغانستان، والذي يعاني من الفقر رغم امتلاكه ثروة من المحروقات والمعادن.

ويشهد الإقليم حركة تمرد استقلالية تتواجه مع الجيش منذ عقود، وتصاعدت بصورة خاصة في السنوات الأخيرة، مع بدء تنفيذ ورش ضخمة في إطار "الممر الاقتصادي" بين الصين وباكستان، وهي خطة ترصد لها الصين استثمارات تفوق 50 مليار دولار (42 مليار يورو)، ومن أبرز مشاريعها ميناء جوادر في بلوشستان.

وتعرض الفندق الفخم المطل على هذا المرفأ لهجوم في أيار/مايو 2019، بعد ستة أشهر على هجوم استهدف القنصلية الصينية في كراتشي. وفي حزيران/يونيو، تم استهداف بورصة كراتشي المملوكة بجزء منها لشركات صينية.

- "حرمان" -

وأوضح نائب رئيس اللجنة الباكستانية لحقوق الإنسان في كراتشي أسد إقبال بات أن "الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان قد يكون حلا للمشكلة. لكنه عزز الانطباع بالحرمان لدى البلوش" لأن "كل الأشغال قام بها أشخاص قادمون من الصين أو من البنجاب"، الإقليم الغني الواقع إلى الشرق.

وعند تنفيذ كل هجوم، يشير جيش تحرير بلوشستان الذي يقاتل القوات الباكستانية إلى نهب موارد البلوش من قبل إسلام آباد وبكين. وتلي كل اعتداء حملة جديدة من عمليات الخطف.

وقال بات إن "زيادة الهجمات تسببت بمزيد من التدخل من قبل وكالات" الاستخبارات على الأرض. وأوضح الناشط الحقوقي ماما قدير أنه عند استهداف موقع مدرج في خطة الممر الاقتصادي "نبدأ العثور على مزيد من الجثث التي تحمل آثار حروق والمحطمة الذراعين في أرض بور على الحدود الإيرانية".

وأفاد ماما قدير الذي يترأس منظمة "أصوات البلوش المفقودين" بأن 55 ألف شخص خطفوا فيما عثر على 18 ألف جثة منذ العام 2000، وهي أرقام تنفيها السلطات الباكستانية.

وعثر في كانون الثاني/يناير 2014 على مقبرة جماعية في بلدة توكات تضم 17 جثة بحسب الأرقام الرسمية، فيما تؤكد منظمات غير حكومية مدافعة عن حقوق الإنسان أنه تم نبش ما لا يقل عن 130 جثة.

وخلص تحقيق مستقل ندد المجتمع المدني بنتائجه، إلى أنه "لم يتم العثور على أي إثبات على ضلوع وكالات الاستخبارات".

وقدرت لجنة التحقيق حول المفقودين في أواخر ايلول/سبتمبر عدد المفقودين في الإقليم بـ155 شخصا فقط، ورفض رئيس هذه الهيئة الرسمية الرد على طلبات وكالة فرانس برس لمقابلته.

- نشر الخوف -

ورأى النائب أخطر منغال أن عمل لجنة التحقيق هو "إهانة"، في وقت يشير الحزب القومي البلوشي الذي يمثله، وحده إلى "خطف أكثر من 200 ناشط في السنوات العشر الماضية".

وقال منغال "هناك مفقود في كل عائلة" بلوشية، معتبرا أن السلطات تسعى إلى "نشر الخوف في المجتمع" بمواجهة تزايد هجمات المتمردين.

وأوضح السياسي"النساء لا يعرفن ما إذا كنّ متزوجات أو أرامل، الأطفال يجهلون ما إذا كان لا يزال لديهم أب أم لا" وهو نفسه خطف شقيق كبير له منذ العام 1976، ويقول معلقا على ذلك "بعد كل هذه السنوات، أعتقد أنه توفي. لكنني لم أر قبره".

وانسحب الحزب القومي البلوشي في الصيف من الائتلاف الحاكم برئاسة رئيس الوزراء عمران خان، منددا بتقاعس الحكومة بشأن هذه المسألة، بحسب ما أوضح أختر منغال.

ومن أصل قائمة من 5128 مفقودا سلمها الحزب إلى السلطات في منتصف 2018، أطلق سراح 450 شخصا في السنتين الماضيتين، غير أنه تم خطف 1500 آخرين في الفترة ذاتها، بحسب منغال.

وأعلن الجيش في بيان عام 2019 "علينا أن ندرك أنه لا يمكن نسب اختفاء كل فرد إلى الدولة". ولم يرد المكتب الإعلامي التابع للقوات الباكستانية على طلبات وكالة فرانس برس.

وأشارت لجنة تابعة للأمم المتحدة في حزيران/يونيو إلى أن باكستان لديها "تاريخ طويل من الاختفاءات القسرية" استهدف العديد منها "مدافعين عن حقوق الإنسان وأقليات تنتقد الحكومة أو الجيش"، منددة بـ"آلاف الحالات التي لا تزال عالقة بدون حل".

- "عار عليكم" -

ثمة مشروع قانون مطروح يهدف إلى تجريم عمليات الخطف، غير أنه لا يزال يتنقل منذ نحو سنتين بين الوزارات.

وكتبت وزيرة حقوق الإنسان شيرين مزاري في تغريدة في تشرين الأول/أكتوبر "لا يجدر أن +يختفي+ أحد في ديموقراطية"، معلقة في ذلك الحين على خطف صحافي في كراتشي تم إطلاق سراحه بعد ذلك.

غير أن تصويت الجمعية الوطنية على النص يبدو مستبعدا في ظل الروابط الوثيقة التي تقيمها حكومة عمران خان مع الجيش.

وعلقت مريم نواز، وهي من أبرز وجوه المعارضة، خلال تجمع أخيرا في كويتا عاصمة بلوشستان، قائلة "عار عليكم"، بعد لقائها حسيبة قمبراني.

وباتت هذه المرأة الشابة البالغة 24 عاما تجسد معاناة البلوش، فهي فقدت شقيقا لها خطف عام 2015 مع قريب لهما، وعثر على جثتيهما بعد سنة تحمل آثار تعذيب "بالمقدح" على حد قولها. وفي 14 شباط/فبراير، خطف شقيقها الثاني مع قريب آخر.

وقالت باكية لوكالة فرانس برس في مقابلة عبر تطبيق زوم "بقينا أقوياء على مدى سنوات. لكننا الآن لم نعد نرى النور في نهاية النفق".

وحملت على "الدولة" التي تعتبرها "مذنبة" في اختفاء هؤلاء الأشخاص. وقالت "لو كان شعبنا مذنبا، فيجدر +بهم+ إحالتنا على محكمة" مضيفة "نريد الحقوق نفسها كسائر مواطني" باكستان.

جالسا أرضا في بيته الصغير المعتم والعاري في أحد أحياء كاراتشي الشعبية، يرفع عبد الحميد بلوش باكيا بطاقة هويته ويقول "لا نعرف لماذا يفعلون بنا ذلك".

ويروي أن "رجالا باللباس المدني وعسكريين" اقتادوا شقيقه عبد المجيد البالغ 35 عاما والذي كان يعمل حرسا في مصنع، لدى خروجه من عمله في 30 تموز/يوليو.

ويقول إن عبد المجيد "لم يكن مسيسا، كل ما كان يفعله أنه يكسب قوته" مضيفا "يعاملوننا كأننا حيوانات".