ريبورتاج: التونسيون منقسمون إزاء مكاسب الثورة بعد مرور 10 سنوات على سقوط نظام بن علي

صورة تظهر العلم التونسي وقد تحرر من القفص الذي وضعه فيه الرئيس المتوفي بن علي. لكن على الرغم من مرور 10 سنوات على الثورة إلا أن ثمة نقائص اجتماعية واقتصادية لا تزال تعيق حياة التونسيين. 13 كانون الثاني/يناير 2021.
صورة تظهر العلم التونسي وقد تحرر من القفص الذي وضعه فيه الرئيس المتوفي بن علي. لكن على الرغم من مرور 10 سنوات على الثورة إلا أن ثمة نقائص اجتماعية واقتصادية لا تزال تعيق حياة التونسيين. 13 كانون الثاني/يناير 2021. © طاهر هاني فرانس24
11 دقائق

يحيي التونسيون الخميس الذكرى العاشرة لسقوط نظام بن علي في 14 كانون الثاني/يناير 2011. وهي مناسبة لرصد تقييمهم لمكاسب الثورة ونقائصها. وبعدما جابت فرانس24 العديد من مناطق البلاد، كتطاوين وصفاقس والقصرين وتونس العاصمة، التقت ببعض النشطاء الذين شاركوا في الاحتجاجات التي أدت إلى سقوط نظام بن علي. فكيف يرون نتائج ثورتهم بعد مرور 10 سنوات عن حدوثها وهل تغيرت رؤيتهم؟

إعلان

عشر سنوات مرت على سقوط نظام زين العابدين بن علي في 14 كانون الثاني/يناير2011.

الرئيس التونسي، الذي توفي في المنفى بالسعودية في 2019، حكم البلاد لمدة 23 عاما (1989 - 2011) بقبضة من حديد قبل أن تطيح به احتجاجات شعبية غير مسبوقة انطلقت من مدينة سيدي بوزيد إثر إضرام الشاب محمد البوعزيزي النار في نفسه بسبب قيام الشرطة بمصادرة الخضار والغلال التي كان يبيعها في السوق لكسب قوته.

وانتشر خبر إشعال البوعزيزي النار في نفسه ليصل إلى مختلف مناطق تونس التي ثارت بدورها، ليصبح هذا الشاب المنحدر من عائلة فقيرة رمزا للثورة التونسية كما أطلق عليها. هذه الثورة أنهت حكم الرئيس بن علي الذي وصل بدوره إلى السلطة بعد "انقلاب" سياسي ناعم على الرئيس الحبيب بورقيبة في 1989. ثم انتشرت إلى بلدان أخرى على غرار مصر وليبيا…

وسيبقى يوم 14 كانون الثاني/يناير 2011 محفوظا في ذاكرة التونسيين الذين خرجوا آنذاك بكثافة إلى الشارع للمطالبة برحيل النظام على الرغم من الانتشار المكثف وغير المسبوق لقوات الأمن التي استخدمت الرصاص والغاز المسيل للدموع لتفريقهم.

نظرة عامة لتونس العاصمة التي تحيي بمرور 10 سنوات على الثورة 13 كانون الثاني/يناير 2021.
نظرة عامة لتونس العاصمة التي تحيي بمرور 10 سنوات على الثورة 13 كانون الثاني/يناير 2021. © طاهر هاني فرانس24

 

وتابع التونسيون بدهشة لحظة رحيل بن علي وعائلته على متن طائرة إلى السعودية ليعيش في المنفى إلى غاية وفاته في 19 أيلول/سبتمبر 2019.

فتلاشت هواجس الخوف وعمت الفرحة  كل التونسيين الذين أحسوا أنهم استعادوا كرامتهم بعد 23 عاما من الدكتاتورية والحكم السلطوي الذي فرضه بن علي اعتمادا على الاستخبارات الداخلية والشرطة السياسية وأجهزة الأمن.​

وشارك في الثورة تونسيون وتونسيات من جميع الأعمار والطبقات الاجتماعية، لا سيما الشباب والطلاب الذين كانوا حاضرين بقوة في الحراك التونسي وعلى مواقع التواصل الاجتماعي. من بينهم هاجر الغرياني ومحمد علي عبد الله ووديع الجلاصي وآخرون.

فرانس24 التقت هؤلاء النشطاء بعد مرور عشر سنوات على الثورة، فتطرقت إلى مشاركتهم في الاحتجاجات ورصدت مواقفهم وآراءهم إزاء ما عاشوه، في ظل الوضع اليوم.

هاجر الغرياني (31 عاما)، محامية

"في 14 كانون الثاني/يناير 2011، شاركت في المظاهرة بشارع بورقيبة رفقة والدي وجدتي. كان عمري آنذاك 21 سنة وكنت طالبة في كلية الحقوق. كنت أشعر في الجامعة بأن شيئا ما سيحصل في البلاد بسبب الغليان السياسي الذي كان ظاهرا. لكن لم يتوقع أحد بأن نظام بن علي سيسقط بتلك السرعة. شاركت في الاحتجاجات للتعبير عن غضبي إزاء النظام السائد ولمساندة الحراك الاجتماعي الذي برز آنذاك.

 

 

قوات الشرطة طوقت المتظاهرين وبدأت تطلق الغاز المسيل للدموع. لكن هذا لم يمنع أن يسقط النظام وندخل في حقبة تاريخية وسياسية جديدة. اليوم وبعد مرور عشر سنوات، لا أستطيع القول بأن كل شيء سلبي… لا. فلقد أصبحنا نتمتع بالحرية وبالديمقراطية والانتخابات أصبحت شفافة وغير مزورة. حتى القوانين أصبحت أحسن وتحترم حقوق الإنسان، والمواطن التونسي أصبح يشعر بأنه يملك حقوقا سياسية ومدنية. لا أريد العودة إلى نظام بن علي أبدا. ربما كان الوضع الاقتصادي أحسن خلاله، لكن كنا نفتقد إلى الحرية والكرامة. من الناحية الاقتصادية، الثورة فشلت والأحزاب السياسية أصبحت تركض وراء مصالحها. لذا يجب تغيير المنظومة السياسية بأكملها".

وديع الجلاصي (31 عاما)، ناشط في المجتمع المدني

"في 14 كانون الثاني/يناير 2011، كان الشعب التونسي كله موحدا. نزل إلى الشارع ليدافع عن حقوقه ضد غلاء المعيشة وغياب الحريات والكرامة. لم تكن هناك أحزاب ولا جمعيات".

"الشعب كان يطالب بحكومة نظيفة وبرلمان نظيف. كان لدينا أمل كبير في أن تنجح تونس ونتقدم إلى الأفضل ونزيح الفقر والفساد والسرقة. قبل 14 يناير، خططنا لتنظيم مسيرة شعبية كبيرة بالرغم من أنه كان من الصعب أن نخرج إلى الشارع ونرفع شعاراتنا بسبب التواجد الكثيف لقوات الأمن. لكن على الرغم من ذلك تمكننا من عبور الحواجز الأمنية وأخذنا معنا اللافتات والتقينا كلنا في شارع بورقيبة. أخذت معي قفصا بداخله حمامة مسجونة، وعندما وصلت إلى شارع بورقيبة، أطلقتها وطارت".

"الصورة كانت معبرة. دلالتها أن الشعب التونسي تحرر وخرج من القفص الذي وضعه فيه نظام بن علي. بعد 10 سنوات، أتذكر شهدائنا الذين قتلوا لكن ننعم اليوم بالحرية، وأتذكر تلك المرأة المسنة التي وقعت ضحية قوات الأمن الذين كانوا يضربونها ويتعدون عليها وأتذكر أيضا كلمة ’ارحل‘ التي كان يرددها كل الشعب".

 

 

"شخصيا على الرغم من مرور 10 سنوات، بقيت ’ولد‘ الشعب وولد ’باب الله‘ (أي مواطنا عاديا بسيطا). أناضل من أجل بلادي وشهداءها. صحيح كنت أتوقع أن تتحسن تونس ويعم فيها الخير وتنتهي السرقة والرشوة والفقر، لكن للأسف وقع العكس. فالطبقة السياسية أصبحت فاسدة ونواب البرلمان يتعاركون فيما بينهم من أجل المناصب والامتيازات. لم يتحقق أي شيء بعد مرور 10 سنوات عن الثورة. بل بالعكس ازداد التهميش والفقر والهم. إذا استمرت الأوضاع على حالها، فستفيض براكين أكبر وأخطر من بركان 14 يناير 2011".

محمد علي عبد اللوي (23 عاما)، طالب في كلية الحقوق

"خلال الثورة التونسية في 2011 كان عمري تقريبا 13 عاما. كنت تلميذا في المدرسة النموذجية بمدينة صفاقس. كان الوضع في المدارس متذبذبا بسبب المظاهرات التي كانت تنظم في جميع ولايات البلاد.

كنت أخرج إلى الشارع وأنضم إلى الاحتجاجات دون أن أعرف سبب هذه الاحتجاجات ومن كان ينظمها. كنت أيضا أنشط كثيرا على مواقع التواصل الاجتماعي وأتقاسم الفيديوهات والاعلانات المؤيدة للثورة.

لكن كنت أناضل في الخفاء لأن عائلتي كانت ضد مشاركتي في التجمعات والمظاهرات بسبب صغر سني. كنت أضع موزة وقارورة ’كوكا كولا‘ في محفظتي وأذهب لأشارك في المسيرات. أتذكر شعارا كنت أردد دائما وهو "يا كمال يا مرجان يا عميل الأمريكان" (في إشارة إلى السياسي التونسي كمال مرجان).

 

 

"سقوط الرئيس بن علي كان بمثابة منعرج سياسي بالنسبة لي. ففهمت المقولة التي تقول بأن إرادة الشعوب أقوى من إرادة الحكام. بعد مرور 10 سنوات على الثورة، أشعر بأن الوضع الحالي أحسن من الماضي. أصبحنا نتمتع بالديمقراطية والحريات العامة والفردية محترمة وحرية التعبير والصحافة محفوظتان أيضا. أكثر من ذلك، الثورة علمتني أن أكون شجاعا ولا أخاف. وهذا مكسب كبير. اليوم أمامنا رهان واحد: إما أن نترك البلاد في يد الإسلامين والموالين لهم لكي يعبثوا بها، أو نتوحد كلنا وننقذها".

 

طاهر هاني، موفد فرانس24 إلى تونس

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم