المغرب: منظمات حقوقية تنتقد الاعتقال الاحتياطي "المفرط" في المملكة

والدة الصحافي عمر الراضي الموضوع رهن الاعتقال الاحتياطي تحمل لافتة بها صورته أثناء مظاهرة ضد اعتقاله . الدار البيضاء- 22 أيلول/سبتمبر 2020.
والدة الصحافي عمر الراضي الموضوع رهن الاعتقال الاحتياطي تحمل لافتة بها صورته أثناء مظاهرة ضد اعتقاله . الدار البيضاء- 22 أيلول/سبتمبر 2020. © أ ف ب/ أرشيف
7 دقائق

تتزايد انتقادات منظمات حقوقية مغربية للاعتقال الاحتياطي في المملكة، الذي يتم، حسبها، بشكل "مفرط". وقال ائتلاف حقوقي، مشكل من 20 جمعية، في بيان نقلته وكالة الأنباء الفرنسية: "كفى من الاعتقالات قبل التحقيقات والمحاكمات"، معتبرا أن "حريات المواطنين والمواطنات تعيش أسوأ مراحلها...". وبدورها، كانت رئاسة النيابة العامة قد طالبت قضاتها بـ"ترشيد" هذا الإجراء "الاستثنائي"، داعية المشرع إلى توفير "بدائل". إلا أن الائتلاف الحقوقي، حملها مسؤولية "الإفراط" في استعماله. ويوجد في إطار هذا الإجراء حقوقيون وصحافيون وراء القضبان على الرغم من عدة دعوات لملاحقتهم في حالة سراح.

إعلان

ارتفع عدد من الأصوات الحقوقية في المغرب خلال الفترة الأخيرة، منتقدا سجن ناشط حقوقي وصحافيين اثنين في إطار الاعتقال الاحتياطي، معتبرين أنه كان بالإمكان ملاحقتهم في حالة سراح. فيما يرى البعض ومعهم السلطات أن هذه الاعتقالات تحترم القوانين، وليس الغرض منها ضرب أي جهات من الجهات.

ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن ائتلاف حقوقي، يضم 20 جمعية، أن السلطات القضائية تلتجئ في الكثير من الحالات إلى الاعتقال الاحتياطي بنوع من "الإفراط"، لاسيما ضد الحقوقيين والصحافيين. وعلى الرغم من تراجع عدد المعتقلين احتياطيا في السنوات الأخيرة، إلا أن نسبتهم لا تزال تقارب 39 بالمئة من نزلاء السجون، وكان عددهم 33689 في نهاية 2019، حسب أحدث تقرير لرئاسة النيابة العامة.

ولا تخفي الإدارة المذكورة أن "اللجوء المفرط" لهذا الإجراء "الاستثنائي، الذي يكاد يكون قاعدة"، من الأسباب الرئيسية للاكتظاظ في السجون المغربية، وفق تقرير لها في تموز/يوليو. كما شددت رئاسة النيابة العامة في تموز/يوليو على أن قضاتها وقضاة التحقيق "مطالبون بترشيد" الاعتقال الاحتياطي باعتباره "إجراء استثنائيا"، موجهة رسالة للمؤسسة التشريعية على أن "المشرع مطالب بتوفير بدائل للاعتقال الاحتياطي".

الاعتقال الاحتياطي يثير غضب الحقوقيين

اللجوء إلى الاعتقال الاحتياطي على نطاق واسع في المملكة، يثير غضب الطبقة الحقوقية في المغرب. فالإئتلاف الحقوقي، المكون من 20 جمعية، قال في بيان: "كفى من الاعتقالات قبل التحقيقات والمحاكمات"، معتبرا أن "حريات المواطنين والمواطنات تعيش أسوأ مراحلها (...) بفعل سياسة الاعتقال الاحتياطي بالمغرب الذي يضرب يمينا ويسارا بدون اتزان ولا حكمة أو تدبر من سلطة النيابة العامة".

وأورد الائتلاف كمثال الصحافيين سليمان الريسوني وعمر الراضي والمؤرخ والناشط الحقوقي المعطي منجب المعتقلين احتياطيا على خلفية قضايا جنائية، تثير جدلا واهتماما إعلاميا، داعيا إلى إطلاق سراح "كل ضحايا سياسة الاعتقال الاحتياطي".

واعتقل منجب (60 عاما) في 29 كانون الأول/ديسمبر على ذمة التحقيق في اتهامات "غسل أموال". وكان ملاحقا منذ العام 2015  بتهمة "المساس بأمن الدولة" التي يمكن أن تصل عقوبتها إلى الإعدام، وفي شبهات بارتكاب مخالفات مالية على علاقة بمركز ابن رشد للبحوث، الذي كان يعنى بدعم صحافة التحقيق والحوار بين الإسلاميين والعلمانيين.

ولا يزال رئيس تحرير صحيفة أخبار اليوم سليمان الريسوني (48 عاما) معتقلا احتياطيا منذ ثمانية أشهر، بعد أن اتهمه شاب بالاعتداء عليه جنسيا. ورفض القضاء الإفراج الموقت عنه في انتظار المحاكمة في ثلاث مناسبات، علما أن التحقيق معه انتهى، بحسب وكلاء دفاعه.

أما الصحافي عمر الراضي (34 عاما) فمعتقل منذ ستة أشهر لملاحقته في قضية "تخابر مع عملاء دولة أجنبية"، لم تحددها النيابة العامة، علاوة على قضية "اعتداء جنسي" إثر شكوى تقدمت بها زميلة له في العمل. وفتح التحقيق معه في قضية "التخابر" غداة صدور تقرير لمنظمة العفو الدولية اتهم السلطات المغربية بالتجسس على هاتفه. وهو ما نفته الرباط بشدة مطالبة المنظمة الحقوقية بنشر أدلتها.

ويعتقد المحامي محمد المسعودي الذي ينوب عن المتهمين الثلاثة أن "لا شيء يبرر اعتقالهم احتياطيا، إذ لم يوقفوا في حالة تلبس ولا يشكلون خطرا ويتوفرون على جميع ضمانات الحضور، بدليل تلبيتهم كل استدعاءات الشرطة". قبل أن يضيف في تصريح لوكالة الأنباء الفرنسية "هذا ما يزكي تصريحاتهم بأنهم معتقلون بسبب آرائهم".

من يتحمل مسؤولية هذا الوضع...القضاء أم المشرع؟

ردا على الانتقادات الحقوقية، تؤكد السلطات المغربية أن القضاء مستقل وأن الاعتقالات تتم وفق ما تمليه القوانين. وذكرت وكالة الأنباء الفرنسية أن النيابة العامة نفت أن تكون "مسخرة لاستهداف الصحافيين" في قضيتي الاعتداء الجنسي ضد الريسوني والراضي. وفي قضية المؤرخ والناشط الحقوقي منجب، قالت وزارة حقوق الإنسان إن وضعه "كأكاديمي أو كناشط حقوقي لا تخوله حصانة قانونية". فيما تشدد منظمات حقوقية على أنه كان بالإمكان متابعة هؤلاء دون سجنهم احتياطيا، ما يزيد من تأجيج النقاش حول الاعتقال الاحتياطي.

"فبالرغم من التوافق رسميا ومن طرف جمعيات المجتمع المدني والجمعيات المهنية على أن الاعتقال الاحتياطي إجراء احتياطي وأن الأصل هو البراءة، فالاعتقال الاحتياطي تفاقم بشكل كبير"، حسب تصريح الرئيس الوطني للرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان إدريس السدراوي لفرانس24، مشيرا إلى أنه يتسبب في "تبعات خطيرة أهمها الاكتظاظ الكبير في السجون المغربية بالإضافة إلى التمييز في الاستفادة من المتابعة في حالة سراح...".

ويدعو السدراوي لاستغلال فرصة مشروع إصلاح القانون الجناني المطروح للنقاش لـ"تضمينه العديد من الإصلاحات المتعلقة بالاعتقال الاحتياطي" على أن "يكون دقيقا وواضحا فيما يتعلق بشروط الاعتقال وألا يترك مجالا كبيرا للاجتهادات والتقديرات، لأنها أفرزت التمييز بين المتابعين، وفاقمت وضعية الاعتقال الذي أصبح هو الأصل".

وأبدى السدرواي أسفه على "متابعة الصحافيين والحقوقيين في اعتقال... على الرغم من توافر كل شروط وضمانات الحضور"، معتبرا أن مشروع القانون الجنائي الجديد المطروح حاليا للنقاش، "إيجابي في بعض نقطه، لكن مع الأسف طال التقادم إنزاله، والنقاش السياسي غلب النقاش العلمي، وأكيد أن ذلك التأخر والتوافقات في تعديل بعض البنود والتأخر في تنزيله أفرز نقائص متعددة".

ويظل النقاش مفتوحا حول الاعتقال الاحتياطي في المغرب على مستوى المؤسسة التشريعية أيضا، إذ أوصى برلمانيون من الأغلبية والمعارضة بترشيده أثناء مناقشة تقرير النيابة العامة قبل أسبوعين، محملين الحكومة مسؤولية الإسراع بتعديل القانون الجنائي المعروض للنقاش منذ 2016.

ومن جانبها، دعت رئاسة النيابة العامة في تموز/يوليو إلى "التعجيل" بالمصادقة على تعديلات للقانون الجنائي. إلا أن الائتلاف الحقوقي، حملها مسؤولية "الإفراط" في استعماله.

 

بوعلام غبشي/ أ ف ب

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم