تونس: هل بإمكان الرئيس قيس سعيّد "إجهاض" حكومة مشيشي المعدلة في مهدها؟

صورة وزعتها الرئاسة التونسية تظهر الرئيس التونسي قيس سعيّد يعين هشام مشيشي رئيسا للوزراء في قصر قرطاج قرب العاصمة تونس، 25 تموز/يوليو 2020.
صورة وزعتها الرئاسة التونسية تظهر الرئيس التونسي قيس سعيّد يعين هشام مشيشي رئيسا للوزراء في قصر قرطاج قرب العاصمة تونس، 25 تموز/يوليو 2020. © الرئاسة التونسية/ أف ب/ أرشيف
11 دقائق

عبر الرئيس التونسي قيس سعيّد الإثنين صراحة عن رفضه وجود وزراء، دون أن يسميهم، في التشكيلة الحكومية المعدلة، معتبرا أنه "تتعلق بهم شبهات تضارب المصالح"، مؤكدا عدم قبول أدائهم اليمين الدستورية أمامه قبل تسلم مهامهم. وهذا الأمر فتح نقاشا دستوريا في تونس حول صلاحيات الرئيس بهذا الشأن، وإن كان فعلا بإمكانه إجهاض حكومة مشيشي الجديدة في المهد، والتي أعلن عنها في 16 من شهر يناير الجاري. ويعد رد فعل الرئيس سابقة في تونس ما بعد الثورة.

إعلان

تدخل تونس مرحلة جديدة من أزمة سياسية صعبة، لا تزيدها الأيام إلا تعقيدا، مع إعلان الرئيس قيس سعيّد الإثنين رفضه القاطع لأسماء، لم يكشف عنها، في التشكيلة الحكومية المعدلة، التي أعلن عنها رئيس الحكومة هشام مشيشي في 16 من الشهر الجاري، بعد أيام قليلة على الذكرى العاشرة للثورة.

وكان قيس سعيّد التقى بمشيشي قبل إعلان التعديل بساعات، حيث أشار إلى أنه تم "الاتفاق على أن تكون الحكومة متكونة من أعضاء لا يرتقي شك إلى نزاهتهم"، حسب ما جاء في بيان لرئاسة الجمهورية، والتي شددت على أنه "لا مجال لتعيين من تعلقت بهم قضايا" أو من "تحوم حول سيرته وتصرفاته شكوك تمس بالدولة ومصداقية مؤسساتها وشرعية قراراتها".

وأجرى مشيشي تعديلا حكوميا مس 12 وزارة من أبرزها الداخلية والعدل والصحة. وعين الكاتب العام للحكومة وليد الذهبي على رأس وزارة الداخلية خلفا للمحامي توفيق شرف الدين المحسوب على رئيس الجمهورية قيس سعيّد والذي أقيل بداية كانون الأول/يناير. وبرر هذا التعديل بأن الغاية منه "إضفاء المزيد من النجاعة والانسجام في العمل الحكومي".

"تعديل غير دستوري"

لكن التشكيلة الحكومية المعلن عنها لم تنل رضى رئيس الجمهورية، ويبدو أنها أتت غير منسجمة مع توصيات الرئاسة، حيث قال قيس سعيّد الإثنين، إن الحكومة الجديدة تتضمن وزراء "تتعلق بهم شبهات تضارب المصالح"، دون أن يتوجه بالاتهام إلى أي مستوزر جديد في حكومة مشيشي.

كما اعتبر الرئيس أن التعديل الوزاري سيكون غير دستوري من الناحية الإجرائية، منتقدا عدم وجود نساء في التشكيلة الحكومية الجديدة.  وعبر في اجتماع لمجلس الأمن القومي بحضور رئيس البرلمان راشد الغنوشي ورئيس الحكومة مشيشي، عن رفضه القطعي للحكومة المعدلة، مؤكدا أنه "لن يسمح بضرب الدستور"، وأن "لديه من الوسائل القانونية لحماية الدولة والثورة والشعب".

وبعد أن نالت الحكومة ثقة البرلمان، أصبح يتعين على الوزراء الجدد أداء اليمين الدستورية أمام الرئيس حتى يتمكنوا من القيام بوظائفهم الحكومية.

لكن الرئيس أكد أنه لن يقبل تأدية اليمين من أي مستوزر ارتبط اسمه بقضية أو يمكن أن يكون محل شبهات فساد، منوها إلى أن "هذا ليس إجراء شكليا بل إجراء جوهريا".

هل يمكن للرئيس أن يجهض الحكومة المعدلة في مهدها؟

السؤال المطروح اليوم، هل بإمكان الرئيس تعطيل التعديل الحكومي؟ أم أن رئيسها هشام مشيشي سيمضي قدما في هكذا تعديل دون أن تؤثر في ذلك مواقف رئيس الجمهورية. وهذا الأمر يطرح نقاشا واسعا وسط الإخصائيين التونسيين في القانون الدستوري.

مراسل فرانس24 في تونس نور الدين مباركي، يوضح أنه "هناك من يقول إن الرئيس مقيد بالفصل 92 من الدستور وعليه أن يقبل ذلك، وهناك من يعتبر أن الإجراء في حد ذاته شكلي، بحكم أن نظام الحكم في تونس هو برلماني"، وبالتالي لرئيس الحكومة إمكانية تجاوز اعتراضات قيس سعيّد. كما أن الإخلال الدستوري الذي تحدث عنه رئيس الجمهورية، "قام مشيشي بتداركه وعقد اجتماعا بمجلس الوزراء الإثنين. تم خلاله إقرار التعديل الحكومي".

جدل دستوري في تونس بعد تصريحات الرئيس قيس سعيّد
02:52

وتتضارب آراء التونسيين بخصوص انتقادات رئيس الجمهورية للتعديل الحكومي. فحسب مراسل فرانس24 في تونس: "هناك من اعتبر أن الرئيس وضع الأصبع على الداء، بحكم أن هناك وزراء تتعلق بهم ملفات وتضارب مصالح، وبالتالي لا مجال لأن يمارسوا مهامهم، خاصة وأن حكومة إلياس فخفاخ قدمت استقالتها على خلفية تضارب مصالح، وشبهات فساد وبالتالي لحماية الدولة من الفساد، كان رئيس الجمهورية واضحا".

وهي المرة الأولى، التي يصل فيها الصراع السياسي إلى هذا المستوى بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، والذي قد يؤدي إلى انتخابات تشريعية مبكرة. وكانت البلاد عاشت مرحلة من التوتر بين رئيس البلاد الراحل الباجي قايد السبسي ورئيس الحكومة يوسف الشاهد، إلا أنها ظلت حربا خفية وبلهجة أكثر حدة مما يعبر عنه الآن.

وبعد عشرة أعوام من الإطاحة بنظام زين العابدين بن علي في 14 كانون الثاني/يناير 2011 إثر ثورة شعبية، لا تزال تونس تفتقد للاستقرار السياسي وتعاني صعوبات اجتماعية واقتصادية. ومنذ منتصف كانون الثاني/يناير خرجت تظاهرات في مدن تونسية عديدة للمطالبة بسياسة اجتماعية أكثر عدلا وبإطلاق سراح مئات المحتجين الذين اعتقلتهم الشرطة بعد الاشتباكات.

وأفرزت الانتخابات التشريعية لعام 2019 برلمانا مشتتا، ما أفضى إلى صراعات داخل النخبة السياسية في وقت تتصاعد حدة الأزمة الاجتماعية مع ارتفاع الأسعار ومعدلات البطالة على وقع تفشي فيروس كورونا.

 

بوعلام غبشي

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم