ريبورتاج

تونس: أمهات الشبان المحكوم عليهم بالسجن ثلاثين عاما لاستهلاكهم القنب الهندي يناشدن السلطات لتخفيف العقوبة

الأمهات من اليمين إلى اليسار، أم صالح، زعرة أم سامح وجميلة أم فيصل
الأمهات من اليمين إلى اليسار، أم صالح، زعرة أم سامح وجميلة أم فيصل © صبرا المنصر - فرانس24

"إنه حكم قاس... بمثابة الحكم بالإعدام... سيغادر السجن وعمره 72 عاما... هل سأعيش أنا إلى ذلك الوقت لأراه ثانية... ابني دفنوه.."، بهذه الكلمات شكت رشيدة أم فيصل لفرانس24 لوعتها وهي تذرف الدمع إثر الحكم بالسجن ثلاثين عاما على ابنها لتعاطيه مخدر (القنب الهندي) داخل ملعب لكرة القدم. وفيصل أحد الشبان الثلاثة الذين صدرت بحقهم في 20 يناير/كانون الثاني أحكام قضائية بالسجن تصل إلى ثلاثين عاما استنادا للقانون 52 المثير للجدل الذي يجرم استهلاك المخدرات والذي بموجبه يقبع اليوم أكثر من 120 ألف شخص في السجون التونسية. فرانس24 توجهت إلى مدينة الكاف في الشمال الغربي التونسي واستمعت لأمهات الشبان. 

إعلان

في الصورة أدناه ملعب نور الدين بن جيلاني بمحافظة الكاف الواقعة بالشمال الغربي لتونس. في هذا الملعب القديم الذي يفتقر للصيانة والاهتمام في مدينة تعد من أفقر المناطق في البلاد، ألقت قوات الأمن قبل نحو عام القبض على ثلاثة شبان (فيصل وسامح وصالح) كانوا يتعاطون القنب الهندي داخل أسواره، ليحكم عليهم في 20 يناير/كانون الثاني الماضي بالسجن لنحو ثلاثين عاما، ما صدم الرأي العام الداخلي وتصاعدت الأصوات لتعديل القانون الذي يجرم تعاطي المخدرات ويثقل الأحكام في حال وقوعها داخل مؤسسة عمومية، سواء كانت سجنية أو رياضية أو صحية.

صور من ملعب نور الدين بن جيلاني بمحافظة الكاف والذي وقع فيه توقيف الشبان لاستهلاك القنب الهندي
مدرجات ملعب نورالدين بن جيلاني بالكاف © صبرا المنصر - فرانس24

وأوضح الناطق الرسمي باسم محكمة الكاف محمد فوزي الداودي في تصريح لوكالة الأنباء الفرنسية أن "الحكم لا يشمل فقط استهلاك المخدرات، بل استغلال ملعب رياضي لتعاطي مواد مخدرة". والقانون التونسي يشدد العقوبة في حال استغلال المؤسسات العمومية لهذا الغرض. وأكد الداودي أن الحكم جاء بناء على "قانون 52 واستنادا إلى الفصلين 7 و11". 

وللإشارة فإن القانون 52 الذي أُرسي عام 1992 وتم تنقيحه في 2017 يجرم تعاطي مادة القنب الهندي ويعاقب على استهلاكها داخل مؤسسات عمومية سواء كانت سجنية أو صحية أو رياضية.

ويذكر أنه في العام 2017، تم تنقيح العقوبات في قانون تعاطي المخدرات وأعطي للقاضي حق تخفيف العقوبة السجنية، لكن الفصل 11 المتعلق باستغلال مؤسسة عمومية لم ينقح.

عائلات تحت وقع صدمة السجن لثلاثين عاما

رشيدة أم فيصل، لديها ابن عمره 42 عاما وحكم عليه لثلاثين عاما بالسجن، قالت وهي تذرف الدموع "إنه حكم قاس... بمثابة الحكم بالإعدام... سيغادر ابني السجن وعمره 72 عاما... هل سأعيش أنا إلى ذلك الوقت لأراه ثانية... ابني دفنوه.."

جميلة والدة فيصل المحكوم بالسجن ثلاثين عاما لاستهلاكه القنب الهندي في تونس
جميلة والدة فيصل المحكوم بالسجن ثلاثين عاما لاستهلاكه القنب الهندي في تونس © صبرا المنصر - فرانس24

أيمن الرزقي الناشط والعضو في لجنة "تحرير الكيف"، وهي جمعية تطالب بإلغاء قانون 52 وتقنين استهلاك القنب الهندي في تونس، قال في تصريح لفرانس24 "سيبقى هذا الحكم وصمة عار على جبين المشرع التونسي لأنهم أصروا على اعتبار خرابة ملعب الجيلاني التي لا يمكن أن يمارس فيها أي نشاط رياضي، منشأة رياضية ليضيفوا عشرين سنة سجنا لهؤلاء الشباب."

زعرة أم سامح كانت تجلس ونظرتها تائهة والحزن باد عليها، قالت بهدوء "الخبر كان مصيبة حلت بي، الآلام لا تفارق جسدي إلى اليوم، ضغطي مرتفع... ابني استهلك هذه المادة لكن لماذا هذه القسوة في الحكم.. وكأنه تشف، لا أتوقف عن البكاء طوال اليوم..." أضافت زعرة "كنت أنتظر أن يمر العام وينتهي الأمر لكن نزلت علينا هذه المصيبة (في إشارة للحكم)."

زعرة أم حسان البالغ 28 عاما حكم عليه بالسجن نحو ثلاثين عاما لاستهلاكه القنب الهندي في تونس
زعرة أم حسان البالغ 28 عاما حكم عليه بالسجن نحو ثلاثين عاما لاستهلاكه القنب الهندي في تونس © صبرا المنصر - فرانس24

ويشار إلى أن هذا الحكم صدر بعد أكثر من عام من توقيف هؤلاء الشبان.

أما أم صالح فهي لم تتوقف عن ترديد أن "هذا الحكم بمثابة الإعدام.. وكأنهم قتلوا ابني، لقد قضوا على مستقبله وحياته..."، وصالح البالغ من العمر 21 عاما طالب في مركز للتكوين المهني لتعلم مهنة صناعة المجوهرات.

والدة صالح البالغ 21 عاما والمحكوم بالسجن لاستهلاكه القنب الهندي في تونس
والدة صالح البالغ 21 عاما والمحكوم بالسجن لاستهلاكه القنب الهندي في تونس © صبرا المنصر - فرانس24

رشيدة أم فيصل قالت "ابني 42 عاما ولم يتزوج إلى اليوم، إخوته الأصغر منه تزوجوا ولهم أبناء، ابني الحنون قال إنه يريد تكريس حياته للعناية بي وبأبيه..."

قاطعت أخته ياسمين الحديث قائلة "أخي فيصل مرهق نفسيا، الفتاة التي أحبها لم يتمكن من الزواج منها، كلنا تزوجنا وهو لا، هو متعب نفسيا، يشعر باليأس فيلجأ إلى القنب.. كهروب من واقعه المرير... هو آذى نفسه لم يقتل ولم يغتصب.."

أصوات مطالبة بتقنين استهلاك القنب الهندي

الحكم أثار تنديدا واسعا في تونس وردود فعل من قبل منظمات حقوقية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي خاصة، وتداول نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي وسام "الحبس-لا، بدل (غير) 52" ودعوا للتظاهر والاحتجاج ضد الحكم القضائي.

وأضاف الرزقي لفرانس 24 "وزارة العدل نفسها تقول إن القانون غير ناجع وعديم الجدوى لأنه لم يفعل سوى تدمير 120 ألف عائلة حكم على أبنائها استنادا لهذا القانون الذي نعتبره مدخلا للابتزاز المالي والابتزاز السياسي للشباب التونسي."

وتابع الرزقي "نطالب اليوم بعفو تشريعي عام لـ120 ألف محكوم عليهم وبإلغاء هذا القانون، وبالتقنين الكلي لاستهلاك هذه المادة."

وذكر الرزقي أنه "منذ 02 ديسمبر/كانون الأول 2020 صوتت الأمم المتحدة لصالح إخراج نبتة القنب الهندي من جدول المخدرات الخطيرة وذلك بتوصية من منظمة الصحة العالمية في حين أن تونس تصر على اعتبار القنب الهندي كأحد المخدرات الخطيرة... نطالب اليوم بعفو تشريعي عام لـ120 ألف محكوم وبإلغاء هذا القانون، وبالتقنين الكلي لاستهلاك هذه المادة."

"قفة الزيارة"

الأم رشيدة واصلت حديثها قائلة "فيصل هو سند العائلة، هو عامل حضيرة في الملعب الذي أوقف فيه، من سيسندنا بعده، دوائي هو من كان يشتريه لي... من لي بعده، أبوه متقاعد وجرايته منخفضة جدا ولا تكفينا..."

زعرة تحدثت عن البطالة فابنها سامح كان عاطلا عن العمل "أغلقت كل المعامل والمصانع في الكاف بعد الثورة وبقي شبابها عاطلا والآن يحاسبونهم لأنهم لجأوا لاستهلاك القنب.."

وأضافت زعرة بحزن "أنا أرملة... لا معيل لي... أحتار كل خميس من أين آتي بالمال لأقتني مايلزم لإعداد -القفة- والأكل لأحملها إليه عند الزيارة يوم الجمعة... كل خميس أحتار، طيلة عام من التوقيف، اعتقدت أن الأمر سينتهي بعد عام... ماذا عساي أفعل في 30 عاما... أصدقاؤه تكفلوا عدة مرات بإعدادها لكن إلى متى..."

رشيدة أيضا تحدثت عن "قفة" الزيارة قائلة "كما ترون ظروفي المادية صعبة جدا، لا أقدر على إعداد قفة الزيارة أسبوعيا، فيتعاون عليها أخته وأخوته كل منهم يعد ما تيسر له..."

ومحافظة الكاف تعتبر من بين المناطق المهمشة والمحرومة في تونس التي تنتشر فيها البطالة والفقر بسبب قلة المصانع والشركات والمؤسسات الحكومية فيها. 

حكم "جائر" 

هذا الحكم الذي اعتبرته الرابطة التونسية لحقوق الإنسان "جائرا" قابل للاستئناف والنقض، والثلاثاء القادم 17 شباط/فبراير ستعقد جلسة الاستئناف، موعد يثير الترقب الممزوج بالأمل والخوف لدى الأمهات الثلاث اللاتي ناشدن الرئيس التونسي قيس سعيد بإصدار عفو تشريعي على أبنائهن.

رئيس الحكومة هشام المشيشي من جهته أيضا علق على الحكم يوم 1 شباط/فبراير في تصريح لإذاعة "شمس أف أم" الخاصة قائلا "إن المسألة تتعلق بالقانون ولكن حسب رأيي الشخصي أعتقد أن القضاء قام بعمله في تطبيق القانون ولكن لا بد من مراجعة القانون".

وتابع المشيشي "أن نجد شابا محكوما بثلاثين سنة من أجل الجريمة هذا قاس، صحيح أن الاستهلاك جريمة ولكن لا يجب أن تكون الأحكام بتلك القسوة.. قد تؤدي إلى نتيجة عكسية."

وتعهد المشيشي في تصريحه "بمراجعة مشروع القانون عبر الاستعانة باستبدال العقوبات السالبة للحرية بعقوبات بديلة".

صبرا المنصر موفدة فرانس24 إلى تونس

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم