شهادات ودراسات حول تأثير جائحة فيروس كورونا على الحياة الجنسية والغرامية في فرنسا

© أ ف ب

تأثير جائحة فيروس كورونا لم يتوقف على مجالات الصحة والاقتصاد والمجتمع بل تجاوزها إلى مجالات أكثر خصوصية، تتعلق بالحياة الحميمية للأفراد. ففي فرنسا أظهرت عدة دراسات أن حياة الناس تأثرت جليا بهذا الوباء من حيث ارتفاع عدد حالات الطلاق والخلافات العائلية، إضافة إلى زيادة الطلب على المواد والأدوات الجنسية والإقبال بشكل أكبر على مواقع التعارف واللقاءات. دراسات فرنسية ربطت بين هذه الظواهر الجديدة ووقع الحياة اليومية مع ظهور الفيروس في فرنسا، إليكم بعض الشهادات التي حصلنا عليها.

إعلان

منذ سنة ونيف، أجبر أغلب سكان العالم على التعايش مع ضيف ثقيل الظل وقاتل، أدخل تغييرات جذرية على حياتنا اليومية العامة والخاصة. فيروس كورونا الذي يبث الذعر في النفوس ويحصد الأرواح ضرب أيضا حياة الأفراد الخاصة والجنسية. الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي والعمل عن بعد من البيت وارتداء الكمامات، إضافة إلى الروتين والخوف من الاقتراب من الآخر... كلها ظواهر جديدة رافقت ظهور الفيروس وأثرت بشكل أو بآخر على الحياة الحميمية للأفراد.

نسبة العزوبية في فرنسا مرتفعة

في فرنسا، نشر المعهد الوطني للدراسات الديموغرافية بحثا بيّن أن نسبة العزوبية بلغت في ديسمبر 2020 :21 بالمئة، وهو رقم في تصاعد مستمر منذ عشر سنوات بحسب هذه الدراسة.

خُمس سكان فرنسا إذا يعيشون حياة العزوبية. ومنذ بداية الأزمة الصحية العالمية ومع فرض الحجر الصحي الأول في مارس/آذار الماضي إلى حدود مايو/أيار 2020، اختبر الكثير من الفرنسيين لأول مرة التعايش الدائم مع الأزواج أو أفراد عائلاتهم الآخرين. وهذا الاختلاط والاحتكاك الجديد وغير المتوقع كان له تأثير على النشاط الجنسي وعلى العلاقات الحميمة بحسب عدة شهادات تداولتها بعض الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي وأخرى تمكنا من الحصول عليها. فإما أن الحجر الصحي قوّى العلاقات الزوجية أكثر من ذي قبل أو على العكس من ذلك، دمّرها وقوّضها من أساسها.

إيفوب، المؤسسة الفرنسية لاستطلاعات الرأي العام نشرت في 4 مايو/أيار 2020، دراسة اعتمدت على شهادات 3045 شخصا تبلغ أعمارهم 18 عاما وأكثر، بينت أن الحياة الجنسية شهدت انخفاضا ملحوظا خلال الحجر الصحي الأول في فرنسا بين 15 مارس/آذار و11 مايو/أيار 2020. حيث أن نسبة الفرنسيين الذين لم يمارسوا الجنس في شهر أبريل الماضي ناهزت (44٪) وهي تقريبا ضعف النسبة المعتادة (26٪).

هذا الانخفاض في النشاط الجنسي أثر خلال الحجر الصحي الأول على الأشخاص غير المرتبطين وأيضا على الأشخاص الذين يعيشون تحت سقف واحد حيث تراجعت النسبة بحوالى 11 بالمئة.

بروز ظواهر جديدة خلال الأزمة الصحية 

من بين النتائج الطبيعية لهذا الوضع الصحي الجديد وغير المعتاد برزت عدة ظواهر جديدة، بينها الإقبال أكثر على المواد الإباحية والبورنوغرافية على الإنترنت وأيضا اقتناء الألعاب الجنسية من المتاجر الإلكترونية خصوصا، وكذلك اللجوء إلى مواقع التعارف التي شهدت إقبالا منقطع النظير خلال هذه الأزمة الصحيةإقبال تجسد على سبيل المثال في اشتراكات وحسابات جديدة وتسجيل أوقات محادثات أطول، بحسب ليلي جيلاني ليراد المتحدثة باسم تيندر عملاق تطبيقات التعارف والمواعدة.

تطبيقات التعارف سجلت أرقاما قياسية  

تطبيق ميتيك مثلا سجل ارتفاعا من حيث عدد الرسائل المتبادلة خلال صيف 2020 مقارنة بعام 2019 بأكثر من 26 بالمئة. وكذلك الأمر بالنسبة لتطبيق تيندر الذي سجل في التاسع والعشرين من مارس/آذار 2020 رقما قياسيا من حيث استخدام التطبيق حيث بلغ ثلاثة مليارات في جميع أنحاء العالم. وفي فرنسا، زاد عدد المحادثات اليومية على هذا التطبيق بنسبة 23 بالمئة منذ بدء الحجر الصحي الأول، حسب مقال نشر على موقع "ليز إيكو". 

إليكم بعض الشهادات لمشتركين بمواقع التعارف والمواعدة في فرنسا، تمكنا من الحصول عليها وغيرنا الأسماء الحقيقية لهؤلاء حفاظا على خصوصيتهم.

"مواقع المواعدة أنقذتني من الروتين اليومي"

إيزابيل، في الثلاثينيات من العمر، تعمل بمصرف في إحدى ضواحي باريس، أدركت مع مرور الأيام خلال الحجر الصحي الأول أن حياتها اليومية مع صديقها الذي تقاسمه السكن في شقة باريسية، أصابها الروتين، ورغم أن العمل عن بعد من البيت يشغلها نوعا ما إلا أنها اكتشفت أن حياتها العاطفية تأثرت بهذا النمط اليومي الغريب عليهما. فاكتشفت جوانب جديدة من شخصيته: الانفعال السريع والإهمال وعدم الاكتراث في القيام بالمهام اليومية للعناية بالبيت..سلوكيات تسببت حتى في بث البرود في حياتهما الجنسية.

وتقول "هذا الوضع جعلني أعي كيف أنني تعودت على الحياة مع صديقي، إلا أنني لا أستطيع القول أني قادرة على الاستمرار بهذه العلاقة معه إلى الأبد. الخلافات أصبحت يومية وأحيانا لا نتحدث مع بعضنا البعض إلا عبر الرسائل القصيرة. لدينا غرفتان في البيت وهو ما ساعدنا على الحفاظ على بعض التباعد". وتضيف: "عندما أختلي بنفسي أزور مواقع مواعدة. قمت بتسجيل حسابات على البعض منها، حيث تبادلت بعض الرسائل ذات طابع جنسي بحت مع شبان، وهو ما أنقذني من هذا الروتين وساعدني على إعادة النظر في حياتي واتخاذ قراري بالانفصال عن صديقي عندما انتهى الحجر الصحي الأول". ومنذ ذلك الوقت تستخدم إيزابيل تطبيقات المواعدة للقاء شبان جدد.

الأزمة الصحية اختبار لصلابة العلاقة الزوجية 

ماتيو الذي يعمل في قطاع الاتصال متزوج من باولا منذ خمس سنوات ولديهما طفلان صغيران. منذ الحجر الصحي الأول بدأت الخلافات بينهما، بشكل أساسي بسبب عدم التكافؤ في القيام بالمسؤوليات اليومية، خصوصا عند الاعتناء بالأطفال، الذين توقفوا عن الذهاب إلى المدرسة بسبب الجائحة وأصبح لزاما على الأبوين الاهتمام بمتابعة دروسهم عن بعد عبر منصات تعليمية خاصة.

فهنا لاحظ ماتيو أن باولا لا تبذل الكثير من الجهد للقيام بهذه المهمة، بل أصبحت كثيرة التذمر والانفعال وتترك جانبا كبيرا من الشؤون اليومية لزوجها الذي أصبح يعمل عن بعد من البيت.

باولا تعمل مع مواقع إنترنت فرنسية، تزودها بمقالات حول التراث الفرنسي. المشاحنات اليومية بين الزوجين لم تختف بعد الحجر الصحي الأول. وقبل الحجر الثاني الذي شهدته فرنسا، تركت باولا زوجها وانتقلت للعيش مع صديقها الجديد الذي يعمل معها في نفس المؤسسة وهو أب أيضا. ماتيو اليوم أعزب مجددا وقال إنه سيتريث قليلا قبل البحث عن شريكة حياة جديدة، ويعتقد أن ذلك لن يحدث قبل نهاية الجائحة التي يعتقد أنها كشفت عن هشاشة علاقته الزوجية.

التعليمات اليومية التي نعيشها اليوم خانقة

مارين في الأربعين من العمر، أم عزباء ومسؤولة توظيف في شركة فرنسية عملاقة. تقول إن هذه الفترة أثرت كثيرا على حياتها الشخصية والجنسية التي أصبحت كابوسا على حد تعبيرها. فهي اليوم لا تواعد أحدا، فهي لا تستطيع تسجيل حساب على مواقع التعارف لأسباب مهنية  وتعمل كثيرا من البيت ولا تخرج سوى قليلا. تقول "في العادة كنت أتعرف على رجال ونساء في المناسبات العائلية ومع الأصدقاء كحفلات الزفاف وأعياد الميلاد مثلا، إلا أنني لم أشارك في أي منها منذ أكثر من سنة".

وتضيف "حتى المقاهي والمطاعم مغلقة اليوم، فكيف لي أن ألتقي بأشخاص جدد؟ طيلة هذه الفترة التقيت رجلا واحدا فقط، تعرفت عليه بالصدفة حيث كنت أقوم برياضة الركض في إحدى المساحات المهيئة لذلك في مدينتي... ولم تدم العلاقة طويلا".

الحجر الصحي وحظر التجول لا يعنيان لي شيئا والدعوة إلى البيت أصبحت أسهل

غييوم في أوائل الثلاثينيات من العمر، يعمل في مجال المعلوماتية، يقول إنه يعتبر الجائحة "عدوة الحياة، خاصة بالنسبة للشباب. ولأنني في مقتبل العمر فإنني أرفض هذا النمط الجديد من الحياة وحياتي اليوم كشاب أعزب متأثرة بكل هذه الضوابط التي أرفضها قطعيا. الإعلام والسياسيون يحاولون التحكم في كل شيء.. حتى عواطفنا وغرائزنا. لذلك، لم أحترم الحجر الصحي، خاصة الثاني الذي فرضته السلطات أواخر العام الماضي. ولا أحترم اليوم حظر التجول انطلاقا من السادسة مساء، التقي أصدقائي في بيوتهم وأدعوهم أحيانا إلى بيتي".

"ويواصل أما عن المواعدة، فأنا مشترك في أغلب التطبيقات الشهيرة: تيندر، بابل، هابن، ولئن أصطدم أحيانا بفتيات يحترمن التعليمات الحكومية فإن الغالبية من المشتركات لا يكترثن بهذه القيود. لذلك أقوم بإصدار ترخيص الخروج لأسباب وهمية كحضانة الأطفال مثلا رغم أنني لست أبا بعد. كثيرا ما التقي بالنساء في بيوتهن أو في بيتي، أحيانا لا يحصل شيء، لكن الدعوة إلى البيت هي في آخر المطاف أسهل في مثل هذه الظروف. وفي ظل إغلاق المطاعم والمقاهي والنوادي الليلية، أصبح من الممكن اليوم لقاء الآخرين في مكان أكثر حميمية وهو البيت".   

ويضيف "هذا النوع من اللقاءات اليوم أصبح في متناول الجميع، أحيانا تخبرني الفتيات بأنهن تفضلن لقاء الأشخاص قبل زيارتهم في البيت، ولذلك أقترح عليهن الحديث عبر الفيديو أولا، نتحدث قليلا عبر تطبيقات الفيديو كواتساب أو فيس بوك. وإذا تبادلنا الإعجاب نلتقي فعليا. أليست هذه الفكرة جيدة؟".

وحتى في حال انتهاء هذه الأزمة الصحية، يبدو أن آثار كوفيد-19 على حياة الأشخاص العاطفية والجنسية ستتواصل، خصوصا مع بروز عادات جديدة قد تعزز الشعور بالوحدة لدى البعض. لا سيما أننا اليوم نتفادى الاقتراب من الآخر أكثر فأكثر ونمارس يوميا التباعد الاجتماعي خشية التقاط الفيروس ونتفادي التجمعات حتى الأسرية الضيقة . ولئن يحمل اللقاح ضد فيروس كورونا آمالا في العودة إلى حياة طبيعية خلال الأشهر أو السنوات المقبلة إلا أن التأثيرات النفسية لهذه الفترة القاتمة التي نعيشها حاليا تبقى مجهولة وصعبة التقدير. 

عماد بنسعيّد

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم