تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هل كان اكتشاف قبر نفرتيتي مجرد "كذبة"؟

أ ف ب

كان وزيرا الآثار والسياحة المصريين السابقين قد أبديا، قبل أسبوعين فقط، قناعتهما بوجود قبر الملكة الجميلة نفرتيتي مختبأ في غرفة سرية بمقبرة توت عنخ آمون وذلك بعد فحوص أولى أثارت حفيظة المختصين. بيد أن السلطات المصرية تراجعت بعد ذلك معلنة أنها أرسلت نتائج المسح الضوئي للمقبرة إلى الولايات المتحدة لمزيد من التدقيق. فما هي أسرار هذا الاكتشاف؟

إعلان

كانت قصة مثيرة جذبت انتباه الصحفيين وكل المهتمين بعلم المصريات. "وأخيرا، سنجد قبر ومومياء الملكة الحسناء نفرتيتي في قلب منطقة وادي الملوك في الأقصر". هذا ما كان يشير إليه حماس وتفاؤل المسؤولين المصريين خلال مؤتمر صحفي في 17 مارس/آذار الماضي بعد فحص جدران قبر توت عنخ آمون بالمسح الضوئي. وعبّر وزير السياحة (آنذاك) هشام زعزوع عن اعتقاده بأننا على شفا "انفجار عظيم" في مجال الأثريات. لكن، وبعد أسبوع فقط من هذا الإعلان، استُبعد كل من هشام زعزوع وممدوح الدماطي، وزير الآثار حينها، من تشكيلة الحكومة المصرية الجديدة ضمن التعديل الوزاري.

وأكدت تصريحات وزير الآثار المصري الجديد، خالد العناني، تسرّع وتضخيم المسؤولين السابقين للنتائج. إذ بدا العناني أكثر حذرا في مؤتمر صحفي اليوم الجمعة جاء بعد مسح راداري جديد قام به الليلة الماضية فريق بحث أمريكي. ودام المسح الضوئي (بتقنية الرادار المخترق للأرض GPR) إحدى عشرة ساعة. ويحتاج الكم الهائل من البيانات التي جُمعت إرسالها إلى الولايات المتحدة ودراستها لمدة أسبوع على الأقل.

ورغم تنحيته، ظهر الوزير السابق ممدوح الدماطي في المؤتمر الصحفي الذي بدا الهدف الرئيسي منه التقليل من حماس المتتبعين. إذ قال المسؤول إنه لم تتخذ أي قرارات بشأن نظرية وجود غرف إضافية خلف مقبرة توت عنخ آمون مع التأكيد أن لا تناقض بين الفحص الأول والفحص الجديد. وستعلن النتائج النهائية بعد فحص ثالث خلال مؤتمر المتحف المصري الكبير الدولي الثاني عن توت عنخ آمون في مايو القادم.

نتائج مثيرة للريبة

كل شيء بدأ عندما قام المتخصص الياباني في تقنية الرادارات هيروكاتسو واتانابي بمسح راداري لقبر الملك الفرعوني نهاية العام الماضي. تحليلُ المعطيات استمر حتى منتصف مارس/آذار. وقال بيان لوزارة الآثار المصرية آنذاك إنه تم اكتشاف فراغات من وراء الجدرانين الشمالي والغربي لمقبرة توت عنخ آمون. كما أظهر الفحص وجود مواد معدنية وعضوية ومداخل لما يمكن وصفه بالغُرفتين. ورحب عالم المصريات البريطاني نيكولاس ريفز بذلك الإعلان الذي رأى فيه تأكيدا لنظرية أطلقها صيف 2015 بكون الملكة نفرتيتي دُفنت هناك، عشر سنوات قبل وفاة توت عنخ آمون. يعود ذلك إلى قرابة 3300 عام.

عن وزارة الآثار المصرية
عن وزارة الآثار المصرية

لكن، وما إن اطلع علماء رادار ومتخصصون في علم المصريات على تفاصيل دراسة الياباني واتانابي حتى بدأت الشكوك تحوم حول صحة تنبؤات المسؤولين المصريين. وكان التحفظ الأول بشأن طبيعة التربة والأرضية في وادي الملوك في الأقصر، إذ تحتوي على الكثير من الفراغات الطبيعية الذي تجعل مهمة تمييزها عن الفراغات الأثرية معقدة.

 

ويقول بروفيسور علوم الأرض في جامعة ترييستي (Trieste) الإيطالية، ميكيلي بيبان إن النتائج التي أعلنت "مثيرة للاهتمام" غير أن صور الرادار التي نشرت لا تحمل أي سلم للقياسات إن كان ذلك عموديا أو أفقيا. غياب سلم القياس، الذي أثار استغراب المتتبعبن، لا يسمح بتقدير حجم الفراغات الموجودة خلف جدران قبر توت عنخ آمون.

هل هو قبر ميريت آتون؟

ويذهب عالم الأنثروبولوجيا في جامعة دينفر الأمريكية لاورانس كونييرز أبعد من ذلك قائلا لموقع لايف ساينس : "لا يبدو أنه تم تحليل المعلومات المستقاة بالرادار المخترق للأرض GPR . لم يتم تنقيح ومعالجة ما يسمى بالشذوذ المرتبط بكون تلك المعلومات معطيات خام". ويضيف كونييرز الموثوق به في مجال رادار GPR "أنصح الذين جمعوا تلك المعلومات الخام أن يخضعوها لعملية مراجعة الأقران قبل أن يسمحوا لمسؤولي الآثار بالخروج في مؤتمرات صحفية بشأن الكنوز العجيبة التي تختبأ وراء مقابر مفترضة".

عن وزارة الآثار المصرية
عن وزارة الآثار المصرية

وحتى وإن صحت فرضية وجود قبور أخرى وراء جدران قبر توت عنخ آمون، فليس من الأكيد تماما أن يكون للملكة نفرتيتي حسب عدد من علماء المصريات الذين يقولون إن الأقرب للصواب هو أن تكون ميريت آتون، أخت توت عنخ آمون، هي المدفونة هناك.

ويعول المسؤولون المصريون على نتائج الفحص الجديد، بتقنية رادار GPR دائما، ليُبدّدوا غيوم الشك عن الدراسة ولتحديد المراحل المقبلة لسبر أغوار قبر توت عنخ آمون. إذ يُراد فحص إمكانية إدخال كاميرا بالألياف البصرية تُستعمل للتنظير الداخلي لما وراء الجدران. وشدد وزير الآثار الجديد على ضرورة التأكد مئة بالمئة من وجود غُرف وأشياء وراء الجدران قبل أن يتم مسها.

 

 

 

 

اكتشافات أثرية لإنعاش السياحة؟

ويبقى السؤال عن سبب تسرع المسؤولين المصريين وتضخيمهم لنتائج علمية لم تتأكد بعد. وربما يكمن الجواب في الحالة المتردية لقطاع السياحة في مصر. الإعلان عن اكتشافات فريدة كاكتشاف قبر نفرتيتي التي سحرت بجمالها وقصصها العالم ينعش الأنشطة السياحية. وكان عالم المصريات البريطاني نيكولاس ريفز قد أكد لصحيفة نيويورك تايمز متوجها للسياح الغربيين: "بالنسبة للمهتمين بتاريخ مصر، إنه الوقت الأفضل لحجز سفركم. فبالإمكان تجنب الزحام مع باقي السياح عكس ما كان عليه الحال قبل الثورة. ومصر الآن وجهة في المتناول لأن الأسعار هوت بشكل كبير" . فهل ستنجح إستراتيجية الإعلانات الأثرية الكبرى في جذب السياح الذين عزفوا عن زيارة مصر في الوقت الراهن؟ أم أن الوضع السياسي والأمني يغطي على محاسن نفرتيتي وكليوباترا وكنوز مصر القديمة؟

ربيع أوسبراهيم
 

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.