مناخ

ارتفاع درجة حرارة الأرض أمر حتمي ولا حل إلا التأقلم؟

أ ف ب

بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على اتفاق قمة المناخ في باريس، نشر باحثان أمريكيان دراسة أحصيا فيها احتياجات الإنسان من الطاقة في حدود عام 2100. الأرقام الضخمة التي توصلوا إليها تسائل واقعية وعود مؤتمر باريس، فيشدد الباحثان على أن قدر الإنسان هو التأقلم مع التغيرات المناخية أراد أم أبى...

إعلان

كم كانت جميلة تلك الصورة ! دول العالم بأسره تتوصل لاتفاق تاريخي بشأن المناخ... بعينين دامعتين ووسط تصفيقات حارة، أعلن عن ذلك لوران فابيوس، وزير الخارجية الفرنسي حينها، الذي أشرف على المفاوضات خلال قمة المناخ نهاية العام الماضي. اتفاق باريس غير الملزم ينص على سلسلة تدابير لحصر ارتفاع معدل درجة حرارة الأرض في أقل من درجتيْن مئويتين مقارنة بحقبة ما قبل الثورة الصناعية، ويفترض أن يسمح هذا المعدل بتفادي كوارث طبيعية كبرى تحدق بالإنسان. بعد الصور والمصافحات والتهاني، عاد كل وفد إلى بلاده وسريعا ما تلاشى الاهتمام الإعلامي بالموضوع؛ فالصحفيون والسياسيون هاموا من جديد في مشاغل السياسة والاقتصاد ذات البعد قصير المدى.

بيد أن صحيفة "لوموند" الفرنسية نشرت مقالا عن دراسة أمريكية، ستنشر قريبا، تدق ناقوس الخطر. يبحث فيها كل من غلين جونز وكيفن وارنر، من جامعة A&M في تكساس، في إطار هذه الدراسة قدرة الإنسان على مواجهة أحد أكبر تحديات هذا القرن. ويفرض هذا التحدّي التعامل مع ثلاثة عوامل تبدو متناقضة وهي النمو الديمغرافي العالمي المطرد واحتياجات السكان من الطاقة وأخيرا مسألة الاحتباس الحراري وضرورة مكافحته عبر التخفيض الجذري للانبعاثات الغازية.

أرقام الواقع الحالي

ويُذكّر الباحثان بأرقام وجب أخذها بعين الاعتبار في مواجهة ظاهرة ارتفاع الحرارة. أولا نسب النمو الديمغرافي، فلم يكن عدد سكان الأرض يتجاوز 1,6 مليار نسمة عام 1900. أما اليوم فيبلغ عددهم 7,2 مليار نسمة، وحسب توقعات الأمم المتحدة سيصل العدد إلى قرابة 11 مليار شخص نهاية القرن الحالي. في كل ساعة من كل يوم، يزيد عدد السكان بمعدل 9300 إنسان كل ساعة.

ثانيا نجد أرقام احتياجات الإنسانية من الطاقة. فكان الاستهلاك العالمي السنوي يقارب 6400 مليار كيلوواط ساعي في بداية القرن العشرين، ويبلغ هذا الرقم اليوم 150 ألف مليار كيلوواط ساعي.

أما إذا أخذنا نسب النمو الديمغرافي بعين الاعتبار، فإن الاستهلاك الشخصي من الطاقة تضاعف أكثر من خمس مرات خلال 115 عاما. لكن هذه الاحتياجات تتفاوت من منطقة لأخرى في العالم، إذ تشير التقديرات إلى أن 20 بالمئة من سكان الأرض غير مزودين حتى الآن بالتيار الكهربائي. يستهلك الأوروبي الواحد معدل 37 ألف كيلوواط ساعي سنويا مقابل 83 ألف كيلوواط ساعي للأمريكي الواحد. في كل ساعة من كل يوم يتم استخراج 3,7 مليون برميل من النفط الخام و932 ألف طن من الفحم و395 مليون متر مكعب من الغاز.

وأمام هذه الأرقام، هل يثبت الهدف الذي وضعه اتفاق باريس بحصر ارتفاع درجة حرارة الأرض في درجتيْن مئويتيْن ؟ لو أردنا الحفاظ على 50 بالمئة فقط من حظوظنا لبلوغ هذا الهدف، فقد كان يجب على الإنسانية ألا تلفظ في الجو أكثر من 2900 جيغا طن (جيغا طن واحد يساوي مليار طن) من ثاني أكسيد الكربون ابتداء من عام 1870. للتذكير، ما بين عامي 1870 و2010، بلغ حجم الانبعاثات الكربونية 1900 جيغا طن تقريبا. إذا تمكن الإنسان من الحفاظ على الحجم الحالي دون أي ارتفاع فسنصل لعتبة 2900 جيغا طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون عام 2038. لكن تتصاعد حاليا وتيرة الانبعاثات بشكل كبير. ففي كل ساعة من كل يوم، تلفظ نشاطات الإنسان 4.1 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون في الجو.

 

© أ ف ب
© أ ف ب

مهمة "مستحيلة"

انطلاقا من هذه المعطيات قام الباحثان غلين جونز وكيفن وارنر بإنجاز حسابات ومعادلات أظهرت أن زيادة عدد السكان وارتفاع احتياجاتهم من الطاقة سيستدعي مضاعفة الإنتاج الطاقي السنوي ليقارب 320 ألف مليار كيلوواط ساعي عام 2100. وإذا أرادت الإنسانية إنتاج هذا الحجم من الطاقة وفي الآن نفسه احترام اتفاق المناخ فعليها نصب 14 مليون توربين الرياح) و650 ألف كيلومتر مربع من الألواح الضوئية لجمع الطاقة الشمسية (ما يمثل مساحة فرنسا أو أفغانستان تقريبا) وبناء 2 مليون كيلومتر مربع من مصانع إنتاج الوقود الحيوي التي تستخدم الطحالب.
فإبقاء ارتفاع درجة حرارة الحرارة تحت عتبة الدرجتيْن المئويتيْن يعني رفع مستوى الطاقات المتجددة إلى 50 بالمئة من مجموع الطاقة المنتَجة في حدود عام 2028. نحن بعيدون جدا عن هذا المستوى إذ لا تتجاوز نسبة الطاقات المتجددة اليوم 9 بالمئة فقط حتى مع احتساب الطاقة الكهرومائية.

بعد الاطلاع على كل هذه الأرقام يبدو واضحا أن وعود الوصول إلى أهداف اتفاق المناخ في باريس باتت أقرب من حُكم الأحلام والخيال العلمي، خاصة وأن السياسيين الذين اجتمعوا في العاصمة الفرنسية يُبدون كل يوم مواقف متغيرة وغير ثابتة فيما يخص المناخ. ويُرجح الباحثان الأمريكيان أن ترتفع درجة حرارة الأرض إلى 2,5 أو حتى 3 درجات مئوية مع نهاية القرن. لكنهما لا يساندان بالضرورة فكرة بعض من يدعو إلى التأقلم مع التغيرات المناخية عوض محاولة تفاديها. فهما يشددان على أن الدراسة لا تعدو أن تكون "ناقوس خطر" جديد. وبطريقة براغماتية، يشرح غلين جونز وكيفن وارنر أن مجتمعاتنا ستُجبر على التأقلم. وإن لم يأت ذلك نتيجة وعينا بالخطر البيئي، فسيحصل لا محالة تحت الضغط الاقتصادي الذي سيُخلفه شحّ الموارد الطاقية الأحفورية. فمن المستحيل استخراج ما يعادل 320 ألف مليار كيلوواط ساعي من الطاقة من جوف الأرض عام 2100. في النهاية، تكون الكلمة الأخيرة للطبيعة دائما.

ربيع أوسبراهيم

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم