تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أوج وانحطاط الملاكمة التونسية

يعود هشام بن عمار في آخر فيلم وثائقي له للعهد الذهبي للملاكمة التونسية وتعايش الملاكمين المسلمين واليهود والمسيحيين في تونس قبل الاستقلال. لكن هذه الرياضة عرفت تراجعا بعد رحيل الأجانب ومعظم اليهود.

إعلان

تحت أضواء النيون، يلقن جاك شيش لملاكمين شباب سلسة من الضربات وتقنيات الملاكمة بناديه الباريسي الذي علقت على جدرانه صور عمالقة هذه الرياضة النبيلة من عيار محمد علي ومايك تايسون، والفرنسي مارسيل سيردان.

 

جاك شيش رجل نشيط ذو نظرة ثاقبة وهو من أصل تونسي يهودي. غادر التراب التونسي في خمسينات القرن الماضي ليتابع مشواره كملاكم في فرنسا.

 

اليوم، يحظى شيش بزيارة فيليكس برامي صديقه وبطل فرنسا الأسبق برفقة السينمائي التونسي هشام بن عمار. تصفح الجميع ألبومات الصور وتبادلوا أطراف الحديث حول العهد الذهبي الذي شهدته الملاكمة التونسية.

 

عاد هشام بن عمار إلى باريس بعد سنة من إنهائه لفيلم وثائقي " شفت النجوم في القايلة" الذي تطرق لتاريخ الملاكمة التونسية من أوجها إلى تقهقرها. فقبل استقلال تونس، كان المستعمرون الفرنسيون والمهاجرون المالطيون والإيطاليون والمسلمون واليهود - الذين كانوا يمثلون شريحة عريضة في المجتمع التونسي قبل الخمسينات-  ينظمون مباريات في الملاكمة.

 


وقد اقتحم جاك شيش عالم الملاكمة عن عمر 14 بعد مشاهدته لفيلم يروي قصة الملاكم الفرنسي من أصل مغربي مارسيل سيردان والذي اشتهر بقصته الغرامية مع المغنية الفرنسية الشهيرة إيديت بياف، لكن المشرف على النادي الذي سجل به لم يثق في صدق تحمس جاك شيش لممارسة الملاكمة. ويقول شيش " لكني عدت وشاهدت، وها أنا هنا ستون عاما على مرور ذلك".

 

بالنسبة لهؤلاء الملاكمين، تعد ثلاثينات وأربعينات وخمسينات القرن الماضي فترة الأوج في عمر الملاكمة التونسية، إذ شهدت تألق أكبر الملاكمين التونسيين من قبيل البطل العالمي "يونغ بيريز" الذي توفي في أحد المعسكرات النازية وكذلك صادوق عمران الملقب بـ"الملاكم ذو اليد الحديدية" في تونس.

 

لكل غايته من ممارسة الملاكمة

 

يقول جاك شيش مبتسما "لتنظيم مباراة جيدة في الملاكمة، تجب مشاركة مسلم ومسيحي ويهودي"، ويضيف " كان الجمهور يأتي لدعم طائفته، مما كان يتسبب في نشوب معارك لكنها كانت تنتهي بدون مشاكل. كنا نحتفل، كان ذلك رائعا".

 

ويروي هشام بن عمار أن الملاكمين كانوا يتعارفون، وكان كل ملاكم يمثل جهته وسط شجارات سبقت الاستقلال عام 1956 بخصوص السلطة . "كانت الطوائف أو المجموعات تتواجه لاختلاف مصالحها داخل المجتمع التونسي، فقد كان لكل طرف قاعته وشعاراته". ويواصل "لكنهم كانوا يظهرون أنهم قادرون رغم الشجارات والملاكمة على التعايش".


الفقراء من جهتهم كانوا يمارسون الملاكمة من أجل العيش. ففليكس برامي الذي مارس الملاكمة لأول مرة في تونس وأصبح بطل فرنسا عام 1961، يؤكد ذلك عندما يتذكر خطواته الأولى بهذه الرياضة "كنت شابا، لم يكن لدي مال، اضطررت لممارسة الملاكمة من أجل والدي ومن أجلي".

 

 

انحطاط الملاكمة التونسية بعد الاستقلال

 

 خطت ممارسة الرياضة بتونس المستعمرة خطواتها الأولى عام 1910. في البداية لم يكن التونسيون المسلمون يهتمون بها بحسب هشام بن عمار، لكنهم نقلوا تدريجيا نضالهم ضد الاستعمار إلى حلبات الملاكمة.

 

ويوضح بن عمار " إبان فترة مقاومة الاستعمار، كان للمسلمين التونسيين رهان، كانت لهم قضية يدافعون عنها"، لكن حماسة الملاكمين التونسيين تراجعت بحصول تونس على الاستقلال. واستنادا إلى هشام بن عمار فإن خروج الاستعمار ورحيل الأجانب واليهود عن تونس كانت عوامل من بين أخرى تسببت في انحطاط وتراجع الملاكمة التونسية.

 

"للأسف، فبالنظر لأحداث تلك الفترة، اضطررنا لمغادرة البلاد"، يحكي جاك شيش الذي غادر التراب التونسي عام 1955 ليستقر بباريس، لكنه يعود كل سنة إلى تونس للقاء أصدقائه ويتحسر على فترة وأماكن تنظيم مباريات الملاكمة عندما كان يعيش في تونس " هذا شيء محزن، فلن تعود الأمور كما كانت عليه أبدا".

 

وبعد 1956، اتسعت الهوة بين المسلمين واليهود وبلغت أوجها عند اندلاع حرب الستة أيام عام 1967 والتي دارت بين إسرائيل ودول عربية. فبعدما كانت تونس موطنا لشريحة عريضة من اليهود قبل قيام دولة إسرائيل عام 1948، لم يعد يتواجد بها حاليا سوى 1500 إلى 2000 يهودي مقيم هناك.


 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.