تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قصة الرسوم المصورة في الاتحاد السوفياتي

قامت الرسوم المصورة الروسية بثورتها الإيديولوجية أو ما يعبر عنه بـ"البريسترويكا" في مهرجان أنغولام الفرنسي والذي استضاف في دورته السابعة والثلاثين ثمانية من المؤلفين الشبان قاموا بمراجعة تاريخ الاتحاد السوفياتي عبر كتب رسوم مصورة في عرض دعي "ولدت في الاتحاد السوفياتي"، ولو كان ستالين حيا لما سمح بهذا العرض.

إعلان

هناك قصة طريفة حول تاريخ الرسوم المصورة في الاتحاد السوفياتي رواها مؤسس مهرجان أنغولام فرانسيس غرو خلال العرض الذي أقيم عام 1977 تحت عنوان "مولودون في الاتحاد السوفياتي". أراد غرو وقتها استدعاء مؤلف الرسوم المصورة يوري لوباتشاف الذي أصدرت له مجلة "غافروش" قصص "الاميرة تانيت". وقام بطلب رسمي لدى السلطات الروسية حول هذا الموضوع. وتلقى بعدها ردا رسميا يقول "إن الرسوم المصورة ليس لها وجود في الاتحاد السوفياتي وأن السيد لوباتشاف ليس باستطاعة الذهاب إلى مهرجانكم".

الماضي المدفون

تعتبر الرسوم المصورة فنا برجوازيا غربيا مضادا للثورة في الاتحاد السوفياتي إلى درجة أن السلطات الرسمية نفت وجود هذا الفن وحاولت إسكات مؤلفيه بكل الطرق. ونجد مثلا بوريس انطونوفسكي الذي يعتبر من رواد الرسوم المصورة في الاتحاد السوفياتي وقد ألف قصة "مغامرات "يفلمبي نادكين" في العشرينات من القرن الماضي وتمت تصفيته جسديا لأن النظام السوفياتي لا يسمح بالحديث عن الواقع اليومي في الاتحاد السوفياتي بصورة ساخرة. و وصل الأمر بالنظام إلى حظر مجلة الرسوم المصورة "فايان" التي ينشرها الحزب الشيوعي الفرنسي الشقيق ولم يرفع هذا الحظرإلا في العام 1966. والطريف أيضا أنه لا توجد كلمة في اللغة الروسية تعني الرسوم المصورة أو الفن التاسع بل نجد فقط كلمة مشتقة من الانكليزية تعني "كوميك".

" ج كجنس، هذا لا يوجد" هذا ما تشرحه بولينا بتروشينا المؤلفة والمسؤولة عن المعرض الروسي في مهرجان أنغولام السابع والثلاثين تحت عنوان "ولدت في الاتحاد السوفياتي". هذا موضوع مثالي للمؤلفين "لجيل البريسترويكا" كما تسميهم بولينا بتروشينا أي الجيل الذي ولد في الثمانينات من القرن الماحين بدأ النظام السوفياتي في التفكك والانحلال. وتلاحظ بولينا بتروشينا ان " روسيا تحاول في الوقت الحاضر نسيان الفترة السوفياتية وكأن شيئا لم يحدث". وتقترح على المؤلفين الحديث عن ما تحاول روسيا الحالية رفضه ودفنه أي ماضيها السوفياتي.

الرجل السوفياتي، جريدة "البرافدا" وأعمال التخريب

ولدت بولينا بتروشينا في موسكو عام 1985 وعاشت تجربة الطوابير الطويلة أمام المحلات التجارية الخالية من السلع التي يحتاجها المستهلك وهذا ما عبرت عنه في قصتها " أنا وأبي" والتي تروي فيها قصة طبيب أسنان رهيب يمثل "الرجل السوفياتي" المثالي ومن خلالها نعيش قصة طفولتها السوفياتية في جو عبثي ورمادي.

أما المؤلفة فارفارا بوميدور فهي تروي من جهتها قصة منزل ريفي اكتشفت في حديقته صحف ومجلات يرجع عهدها إلى طفولتها واستعملت كل ما وجدته في الحديقة لتروي الأحداث الرسمية في الاتحاد السوفياتي في السبعينات من القرن الماضي من خلال جريدة "البرافدا" الناطقة باسم الحزب الشيوعي.

أما المؤلفان لوماسكو ونيكوليفياف فهما يرويان قصة المراهق يوسولف الذي قرر تخريب كل شيء من حوله إلى حد تفجير أهم " نصب تذكاري في المدينة" وذلك كمحاولة من المؤلفين للحديث عن المحاكمات السياسية التي وقعت في موسكو بين العام 1936 والعام 1938. وقد اتهم وقتها أتباع الزعيم السياسي تروتسكي المعارض لستالين بالتخريب. ويستعمل المؤلفان أسلوبا هزليا وساخرا للتنديد بهذه المحاكمات.

بين المطرقة والمنجل

المؤلفون الثمانية الذين عرضت أعمالهم في متحف الورق في أنغولام عاشوا فترة يمكن أن نسميها مرحلة ما "بين المطرقة والمنجل". فهؤلاء الكتاب ولدوا في فترة كانت فيها الرسوم المصورة ممنوعة ومحرمة. و مازالوا لحد الآن يعانون من السخرية والاحتقار رغم الانفتاح الذي تشهده البلاد. وتقول بولينا بتروشينا في هذا الصدد إن اكتشافهم للرسوم المصورة جاء من قبيل الصدفة. فمثلا أحد المؤلفين وجد كتابا لرسوم مصورة إباحية أتى به جندي إلى قريته والثاني اكتشف الرسوم المصورة عندما عثر على علب من "العلكة" المصنعة في الغرب وجد في داخلها قصصا مرسومة ومصورة.

ريح الحرية التي أتت مع "البريسترويكا" والتي سقط معها جدار النظام السوفياتي في التسعينات من القرن الماضي، أعطت روحا ونفسا جديدين لهذا الفن المتأثر بروايات المانغا اليابانية والرسوم المصورة الغربية وهو يبحث لحد الآن عن هويته. والغريب انه لا يوجد في روسيا حاليا دار نشر للرسوم المصورة ولا مكتبات تبيعها و لا معاهد يدرس فيها هذا الفن. ويلجأ المؤلفون إلى استعمال المدونات على الانترنت ويقومون بنشر أعمالهم في صحف أو مجلات حرة (Fanzine) مثل " "تشوبكا".
ولكن البعض منهم استطاع الحصول على شهرة خارج روسيا مثل نيكولاي ماسلوف الذي ألف قصة تحت عنوان " شباب روسي" نشرت عام 2004 عن دار النشر الفرنسية " دونوال غرافيك". كذلك فان مهرجان " بومفاست" السنوي الذي يقام كل فصل خريف في مدينة سان بتراسبورغ الروسية أصبح واجهة عرض للرسوم المصورة للمؤلفين والكتاب الجدد في روسيا.

عندما ننظر إلى الرسوم المصورة الروسية من فرنسا يظهر لنا وكأنها غير موجودة. ولكن بالنسبة لهم فان الأشياء مختلفة. هناك استمرارية بين ما يقومون به الآن في ميدان الرسوم المصورة و بين الإيقونات الروسية أو حتى تلك الصور الشعبية الساخرة التي كانت تباع بسعر زهيد والتي تسمى " لوبوك" والتي لم تكن تحمل سمعة طيبة مثل الرسوم المصورة.

ترجمة - خالد الطيب

 

 

 

 

 

النشرة الإعلاميةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.