مصر

برمجة فيلم إسرائيلي في القاهرة يزكي رفض التطبيع الثقافي

ما زالت الأوساط الثقافية المصرية، رغم اتفاق السلام المبرم بين إسرائيل ومصر عام 1978، ترفض التطبيع، خصوصا الثقافي منه، وتعترض على عرض أي عمل إسرائيلي في مصر. وأثارت برمجة فرنسا فيلما إسرائيليا في إطار مهرجان في القاهرة احتجاجات المصريين.

إعلان

احتفلت مصر وإسرائيل في العام 2009 بمرور 31 عاما على اتفاق السلام الذي ساهم في تطبيع العلاقات السياسية بين البلدين، وصار الرئيس المصري حسني مبارك الوسيط الرئيسي في المحادثات الإسرائيلية - الفلسطينية لكن تبقى العلاقات في المجال الثقافي متوترة بعيدة جدا عن التطبيع.

رفض التطبيع في الميدان الثقافي مظهر من مظاهر الصراع العربي - الإسرائيلي ودليل على صعوبة قيام علاقات طبيعية بين النخب المثقفة في الجانبين. وتحول رفض التطبيع إلى واجهة وميدان عراك يعكس حدة الأزمة بين شعوب المنطقة. فترجمة الأدب الإسرائيلي في العالم العربي نادرة جدا، ويكفي أحيانا أن تشارك إسرائيل في أحد المهرجانات أو المسابقات الدولية لينظم ضيوف من جنسيات عديدة وأغلبهم من العرب حملات مقاطعة.

رفض قاطع لأي تطبيع مع إسرائيل
ومن حملات المقاطعة التي تتمثل في سحب الأعمال الفنية أو تنظيم احتجاجات ونشر عرائض أو الانسحاب من لجان التحكيم، معرض الكتاب للعام 2008 في العاصمة الفرنسية باريس الذي اختار إسرائيل ضيف شرف فقاطعتها بلدان عديدة منها تونس ولبنان وإيران، ونظمت حملات مكثفة مناهضة لدولة إسرائيل. ومن حملات المقاطعة مهرجان تورونتو الدولي للفيلم للعام 2009 الذي برمج لعرض 10 أفلام عن تل أبيب بمناسبة الاحتفال بمئوية المدينة فاحتج العديد من المخرجين أغلبهم عرب ولكن من بينهم مشاهير في السينما العالمية على غرار المخرج البريطاني كين لوتش والممثلة والمخرجة الأمريكية جين فوندا، الذين اعتبروا الأمر "ترويجا لصالح نظام الفصل العنصري" الإسرائيلي.

وعرف موقف المثقفين خصوصا المصريين بتشدده ورفضه القاطع لأي "تطبيع" مع إسرائيل، ومن الأحداث التي حصلت في الفترة الأخيرة دليل إضافي على هذا الوضع إذ سحبت السفارة الفرنسية والمركز الفرنسي للثقافة والتعاون فيلما قصيرا عنوانه "شبه كامل" للمخرجة الإسرائيلية كيرين بن رافايل من برمجة مهرجان "لقاء الصورة" في القاهرة بعد انسحاب ثلاثة أعضاء مصريين من لجنة التحكيم معتبرين أن المشاركة في هذا المهرجان تندرج في إطار "التطبيع الثقافي" مع إسرائيل.

"ما حدث في القاهرة مؤسف وعبثي" (المخرجة الإسرائيلية كيرين بن رافايل)
وأعدت كيرين بن رافايل فيلم "شبه كامل" في إطار دراستها في المدرسة الوطنية العليا لمهن الصورة والصوت الفرنسية وصرحت لموقع فرانس 24 الالكتروني أن ما حصل "مؤسف وعبثي" وأن "وقائع كل أفلامي تحدث في إسرائيل وبذلك هناك دائما خلفية سياسية لكنني أتطرق إليها بصفة شخصية من خلال ما يضحكني أو يصدمني في هذا البلد" وأضافت "إن ما حدث في القاهرة يشبه أفلامي ويمكن أن يصبح سيناريو أحدها".

لكن سرعان ما تراجعت فرنسا عن قرارها وأبقت في النهاية على الفيلم في البرمجة النهائية للمهرجان الذي تدور فعالياته بين 8 و15 أبريل /نيسان. وعبرت الخارجية الفرنسية عن "أسفها" لانسحاب الأعضاء من لجنة التحكيم فتابع المعهد العالي للسينما في مصر والمركز القومي للسينما المصرية سحب الأفلام التي قدماها للمهرجان ومن المتوقع أن تسحب أفلام أخرى. وأكدت فرنسا أن المهرجان "يسعى إلى إنشاء فضاء من الحوار والتفاهم".

"المصريون قاطعوا المخرجة بصفتها إسرائيلية وليس يهودية" (الصحفي اللبناني بيار أبي صعب)
وأكد بيار أبي صعب رئيس القسم الثقافي في صحيفة "الأخبار" اللبنانية لموقع فرانس 24 الالكتروني أن "إلغاء فرنسا برمجة فيلم "شبه كامل" في وقت أول عبر عن احترام للمثقفين الذين وحدهم يمثلون حقيقة شعوبهم لكن التراجع عن هذا الموقف يمثل عدم فهم فرنسا للعالم العربي حتى لا نقول تضامنا مع قوة امبريالية" وأضاف "إنه من الساذج أو من باب جهل حقيقة مواقف المثقفين العرب أن يبرمج في القاهرة ولو كان فيلم قصير لمخرجة شابة إسرائيلية بذريعة دعم الحوار والتفاهم علما وأن برمجة فرنسا أعمال فنية إسرائيلية صارت مكثفة وقاهرة".

وأكد بيار أبي صعب أن "مقاطعة المثقفين العرب للتظاهرات التي يحضرها فنانون إسرائيليون هي صمود رمزي في وجه بلد إمبريالي في إطار نزاع يجب أن لا يغيب فيه التمييز بين الضحية والجلاد وأن الأوساط المثقفة وحدها يمكنها الصمود في بلد مثل مصر حيث السياسية بعيدة كل البعد عن الديمقراطية والنظام لا يمثل صوت الشعب ولم يفلح في الحوار الزائف مع حكومة إسرائيل منذ عشرات السنين".

واستعمل بيار أبي صعب في حديثه مع موقع فرانس 24 الالكتروني كلمة "عبثية" لوصف ما جاء في صحيفة ليبيراسيون الفرنسية الصادرة في 30 أبريل/نيسان والتي تحدثت عن "معاداة سينيماتوغرافية للسامية"، موضحا أن "المصريين قاطعوا المخرجة بصفتها إسرائيلية وليس يهودية"، وهو ما حرص على توضيحه الأعضاء المنسحبون من لجنة التحكيم. ورأى بيار أبي صعب "أن العرب يدفعون إلى التنازل أكثر فأكثر كما لو أن تنازلات أوسلو (في 1991) وكامب ديفيد (في 1978) لا تكفي، لذا فمن الرمزي أن يرفض فيلم إسرائيلي وأي شكل من التطبيع ولو كان الفخ هو أن يظن الرأي العام أن العرب غير متحضرين برفضهم فيلما صغيرا لكن الأولوية هي مقاومة بلد إمبريالي حتى وإذا لم يعجب الأمر ليبيراسيون".


الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم