ثقافة

أنيسة داود "المجتمع التونسي بعيد عن نموذج النقاء الذي يريده الإسلاميون"

تعرض حاليا في مسرح "لو تارماك" في باريس مسرحية "حب ستوري" التي تتناول قضايا الحب والجنس في العالم العربي والإسلامي. وتحدثنا الممثلة التونسية أنيسة داود عن الصياغة الجديدة للمسرحية وعن مكانة الثقافة والمثقف في تونس قبل وبعد الثورة.

إعلان

تعرضون في باريس مسرحية "حب ستوري" في صياغة جديدة تشمل صورا من الثورات العربية، هل هي قراءة جديدة بعد 14 يناير 2011؟

نحن نعيد النظر في نص المسرحية بانتظام. منذ أن ظهرت مجموعات إسلامية في تونس صار من الصعب علينا أن نعرض عملنا الذي يتناول قضايا الجسد والإسلام. أما بالنسبة إلى النسخة "الفرنسية" من المسرحية فهي تطرح تساؤلات حول ماهية المدينة العربية، هل هي تونس أم القاهرة أم بيروت رغم اختلافهم أم هي متماثلة كما يراها الغرب وبالتحديد الإعلام الغربي؟ أدرجنا في النسخة الجديدة من المسرحية شهادات أطول عبر تسجيلات فيديو لرجل وامرأة فرنسيين من أصل عربي. الشبان الفرنسيون من أصل عربي يعيشون كبتا وألما بحيث أن حياتهم الشخصية باتت سجينة ما تفرضه عليهم تصورات المجتمع الغربي للهوية العربية، وهذه المخيلة المشوهة تعكر علاقاتهم الخاصة.

وصول الإسلاميين إلى سدة الحكم ساهم في تحريك الجدال وعودته إلى الواجهة. ناضلنا في عهد بن على من أجل الحصول على إجازة من الرقابة، وساعدنا في ذلك خفة الشكل التي تميز عملنا. ولكنهم فهموا متأخرين مغزى المسرحية وحاولوا سحب الرخصة منا لكنهم لم ينجحوا في ذلك بفضل النجاح الذي لاقته العروض. كانت وقتها ردود فعل الجمهور مختلفة، فكان هناك طبعا من يشتمنا ويبصق علينا لكننا كنا نتبع العرض بحوار مع الجمهور وكانت النقاشات شيقة تكشف عن تعددية الآراء التي تعكس تنوع المجتمع التونسي البعيد كل البعد عن نموذج النقاء الذي يريده الإسلاميون.

تثير المسرحية بعد 14 يناير نفس الجدالات، لكن لم يتجرأ قبل الثورة النقاد على مهاجمة النزعة "التحريرية" للعمل أما اليوم فنواجه تصرفات أكثر عدوانية وخاصة بعد قضية "برسيبوليس" إذ يشعر العديد منذ صعود الإسلاميين بنوع من الشرعية في ممارسة مثل هذه الضغوط المناهضة للحريات.

الجديد اليوم أن عضوين في فرقتنا عبروا من مخاوفهم من مواصلة العمل، ها نحن مجددا أمام شكل من الرقابة الذاتية أمام نظام أخلاقي لا يختلف كثيرا عن الدكتاتورية. وما يقلقني أكثر هو صمت الصحافيين وشلل المجتمع المدني أمام الرقابة الجديدة على غرار تلك التي فرضت مثلا مؤخرا على بعض الصحف الأجنبية التي لم توزع في تونس.

نبقى رغم ذلك حريصون على عرض المسرحية مستقبلا في تونس، فمن واجبنا أن نملأ بالثقافة الفراغ الذي تتركه العائلة والدولة والهيئات الصحية... يجب أن نحتل هذا الفراغ للحديث عن الجسد والجنس الذين لا ينفصلان عن ثقافتنا الأدبية وحتى الدينية، فالنبي محمد يحث على اللذة الجسدية ! فإذا غبنا سنفسح المجال للإعلام السلفي على نفس النمط الذي يعتمده الإنجيليون في الولايات المتحدة وأمريكيا اللاتينية. وسنعمل كل ما بوسعنا حتى لا تصل بنا الأمور إلى ما هي عليه في بعض البلدان الأفريقية حيث تتفشى الأمراض التناسلية وخاصة السيدا بسبب نهي المتدينيين الشباب عن استعمال الواقي.

أحد شخصيات المسرحية "أم راشد" تحاول التواصل مع زوجها الذي يقاطعها باستمرار مؤكدا أن "الانتفاضة" أهم من حديثها. فهل ميدان الكفاح من أجل الحرية جماعي أم ذاتي؟

شخصية "أم راشد" مستوحاة من قصة حقيقية كالعديد من المقاطع من المسرحية التي نوظف فيها شهادات فيديو وقضايا عدلية إلخ... إن الجسد والجنس من القضايا التي تطل على الشأن السياسي فحياتنا الخاصة تضعنا أمام مسؤولياتنا كمواطنين وتحملنا على التساؤل عن مدى إمكانية اختراع طريق خاص بنا وبمجتمعنا.

عشنا في تونس تحركات جماعية، التي تأتي عادة لإعادة الاعتبار وإعطاء مكانة لكل فرد. فلا ننسى أن الثورة التونسية أطلق شرارتها فرد واحد تحدى المحرم المطلق وهو الانتحار، ولهذا يرفض الإسلاميون محمد البوعزيزي كرمز للثورة.

ما نتأكد منه اليوم أن المجتمع التونسي كان ولايزال محافظا وعلى وجه الخصوص محافظ فكريا يعني أن هناك مقاييس ومعايير فكرية يفرزها ويفرضها. في عهد بن علي عشنا تضخيم الاحتياجات الذاتية والسباق على الاستهلاك، ما يعطي المجتمع صبغة واحدة وهو ما مهد لإسلام شكلي في صبغته المتشبثة بالطقوس وبطول اللحية أو القماش. كل ما نعيشه اليوم هو نتيجة الفراغ الروحي والفكري الذي خلفته دكتاتوريات بورقيبة وبن علي، فالإسلاميون هم ثمرة العولمة والاستهلاك. هم أيضا نتيجة جبننا. فها نحن اليوم مع المرزوقي وهو علماني يساري يوعظنا بعروبتنا وإسلامنا. لدينا مشاكل كبرى في تونس ولا أظن أن الهوية هي من أولوياتنا، فنحن مجتمع فيه العديد من التناقضات إلى حد الانفصام ربما... في حين يقول لنا المرزوقي أن رأس السنة ليس من عاداتنا وتقاليدنا في الوقت الذي يعتصم فيه السلفيون في الجامعة ويعطلون الدروس !

غنى الزوجان في المسرحية على وقع هتافات نسمعها عادة في الملاعب الرياضية، فما هو تفسير هذا المقطع وما علاقته بالثورة والمجتمع؟

استوحيت بعض أغاني الثورة من أغاني ملاعب الكرة. فالملعب كان في عهد بن علي من الأماكن القليلة لتنفيس الكبت، فمنهم من كان يرتاد الملاعب للتلذذ في شتم الشرطة. وقد ساهم رواد الملاعب بالسلاسل البشرية خلال الثورة في حماية المتظاهرين من رجال الأمن. لكن سرعان ما اضمحلت وحدة الصفوف هذه فالكثير منهم صاروا إسلاميين اليوم ويضايقون النساء.

كانت الداخلية في عهد بن علي تضع في تصرفنا معسكرا من رجال الأمن لحمايتنا وضمان سلامة العروض. قيل لنا بعد الثورة إن رخصة الرقابة ستزول والأيام بيننا ! نسعى اليوم إلى مواصلة عرض المسرحية، فطلبنا حماية أمنية من وزارة الثقافة ووزارة الداخلية فلم تجب لا الأولى ولا الثانية. كما نحتاج إلى تمويل والمسرح الوطني لا يساعدنا في ذلك رغم ميزانية لا بأس بها، أما المسرح البلدي فيتصرف في القاعة وكأنها ملك خاص يأجرها لفرق المسرح بسعر أغلى من الإجار الذي يطلبه من الجمعيات !

ما هو سلاحكم أمام الخوف؟

أن لا نصمت والفكاهة. فالتونسيون يتميزون بروح الفكاهة، وهو شكل من المقاومة الفعالة ضد سبات الناس وضد إبعادهم عن السياسة. فالإنسان ليس سياسيا بطبعه، نحن نتعلم. قضية برسيبوليس أصابتني بالخيبة: أناس يتظاهرون فيطالبون أن يكونوا أطفال الدولة، يطالبون بأن تفرض عليهم رقابة... لا يزال المشوار طويلا أمامنا

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم