تخطي إلى المحتوى الرئيسي
ثقافة

الفن التشكيلي التونسي بين الشارع والنخبة

مها بن عبد العظيم

خرجت الساحة الفنية التشكيلية التونسية إلى النور بعد الثورة وصار العالم شغوفا بكل ما تنتجه بلاد الياسمين، ويواجه الفنانون مسائل على علاقة بالسلطة والتاريخ. ويعرض معهد العالم العربي بباريس بداية من الأسبوع القادم أعمال البعض منهم.

إعلان

كانت الساحة الفنية التشكيلية في تونس أيام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي شكلية وباهتة ولا يتجاوز صداها حدود البلاد إلا من خلال "عمليات دبلوماسية" في بعض المناسبات والعروض التي كانت وزارة الثقافة تنظمها. وكان الفنان مغيبا عن الحقلين السياسي والاجتماعي ومعزولا حتى عن جمهوره. وعرفت السنوات خاصة الأشهر الأخيرة صعود فنانين شبان منهم نيسان قسنطيني وريم قروي وهالة لامين ومنى كراي ووسيم الغزلاني صاحب مشروع دار تونسية للتصوير الفوتوغرافي وغيرهم.

ولعل أحسن تعبير على ما هو عليه وضع الفن التشكيلي في تونس هو ببساطة غياب متحف للفن الحديث والمعاصر ما جعل الفنان حليم قارة بيبان يتساءل إذا كان من الممكن الحديث عن "فن" بكل معنى الكلمة في بلاد لا تملك متحفا للفن المعاصر، فالدولة تشتري أعمالا فنية وتخزنها في أماكن شبه سرية فتحرم منها الجمهور والطلبة. ويؤكد حليم قارة بيبان أن الفنانين التونسيين لم ينتظروا الثورة لممارسة فن حر للتعبير عن واقع قمعي فالفنان "ثائر بطبعه" ورغم أن أغلب الأعمال التي تعرض الآن عبر العالم أنتجت قبل الثورة فإننا نلمس فيها الضغوط التي يمارسها النظام أو المجتمع على الفنان ونجد فيها توقا إلى الحرية وإرادة تتجاوز قيود الفن الكلاسيكي. 

وأمام الفراغ الثقافي ومنع التواصل بين الفنان وجمهوره لغياب متحف، كون حليم قارة بيبان التي لا تخلو نظرته الهزلية للواقع من العمق النقدي، متحفا افتراضيا على موقع "فيس بوك"، ينظم عروضا افتراضية ويستضيف فنانين أجانب. واختار حليم قارة بيبان "طنجرة" ضغط (cocotte minute)  كرمز للمتحف التونسي للفن المعاصر على غرار الأشكال المعمارية المعقدة لمتاحف "غوغينايم" وكانت نظرة قارة بيبان لهذا الوضع مستقبلية وتعبر عن غليان ورفض للوضع السائد زمن الديكتاتورية ورد اعتبار للفنان وللمواطن رغم ما يطفح منها من مرارة أمام صمم السلطات التي لم تترك للشعب سوى الفضاء الافتراضي للتعبير، وعلينا أن لا ننسى في هذا السياق أن مواقع التواصل الاجتماعي تحولت إلى أهم أسلحة الثورة.

 

حليم قارة بيبان - لجنة شعبية لحماية المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر بتونس - الجنود الـ99 الأوائل - 2011- صورة فوتوغرافية على الالومينيوم 170x98

وصار "قدر" قارة بيبان مشهورا بعد الثورة كرمز للوعي الذي كان يميز الحس الفني واستباقه للأحداث وحدسه بتقلبات التاريخ فما انفك قارة بيبان في تنويع أشكال ووسائط العمل حول ذلك القدر من تجهيزات وصور فوتوغرافية، وواصل مغامرته بتكوين لجنة شعبية "جنود حماية متحف الفن الحديث والمعاصر"  إذ صور99 –في لفتة ساخرة من نسب انتخاب بن علي- من فنانين وشخصيات ومواطنين يلبسون " القدور" كخوذات ويشهرون أغطيتها كدروع على غرار الواقيات اليدوية التي استعملها لاحقا الشعب المصري في ساحة التحرير.

 وأكد حليم قارة بيبان على مسؤولية الفنان الذي يجب أن يفرض نفسه اليوم كسلطة فنية في الوقت الذي كان فيه في عهد بن علي ينتظر أن يأتي الاعتراف به من السلطة وقال إن "على الفنانين فرض حضورهم بالعمل والتفكير في سياسة ثقافية تخص الفنون التشكيلية" ورص الصفوف وذكر أن الفنانين التشكيليين التونسيين نظموا أنفسهم في السنوات الأخيرة وكونوا نقابة لم يكن معترفا بها لكنها فرضت نفسها بعد 14 يناير/كانون الثاني 2011. وتؤكد الرسامة آمال بن عطية على ضرورة أن يتحد الفنانون والمثقفون رغم خيبة أملها وانسحابها من النقابة لأن أساليب الفساد تطغى عليها حسب قولها وأكدت أن حضور الفنانين سياسيا ضئيل وأن أغلب مواقفهم السياسية تظل "بورجوازية".

 وتؤكد آمال على ضرورة الدور الريادي الذي يجب أن تضطلع به “الانتليجنسيا” النخبة التي تبدو في الوقت الحاضر مشغولة بأمور نرجسية. وترفض آمال بن عطية أن يوظف الفنان لخدمة "الركوب على الثورة" فتبقى حذرة من الشغف الجديد واستضافة المعارض الأجنبية للفنانين التونسيين بعد أن كان الفنان التونسي شبه غائب عن الساحة العالمية، وتسليط الضوء على الفن التونسي باسم الثورة. فتستشهد آمال بن عطية بالفيلسوف جيل دولوز الذي يقول "الخلق هو المقاومة" وأن العمل الفني هو ثوري بنفسه دون حاجة إلى الإشارة المباشرة للثورة.

 

صورة من فيديو "آوس ليب" لآمال بن عطية عن راقصة شرقية في كنيسة انجيلية على وقع موسيقى دينية

وتتميز أعمال آمال بتعدد المرجعيات الدينية وخاصة منها المسيحية، وتطغى على أعمالها صبغة روحانية ففي أحد أعمالها الفنية من نوع الفيديو والتي تحمل عنوان "آوس ليب" (aus liebe)صورت راقصة شرقية في كنيسة انجيلية بتونس على وقع موسيقى باخ وموسيقى روماورثودوكس بصوت علياء السلامي. وربما نقرأ من خلال هذا العمل التعدد والاختلاف في المجتمع التونسي لا سيما في احتكاكه بالحضارات الأخرى وانفتاحه عليها. وأكدت آمال بن عطية على ضرورة تكوين "جبهة فنية لمواجهة السلطة فالفنان لن يوافق أبدا على أي شيء ولن يرضخ لأحد فهو سلطة مضادة دائمة الاستعداد لقلب موازين القوى". وتقول آمال أنه لا توجد حركة موحدة أو مدارس فنية على الساحة التشكيلية التونسية لكنها ربما في صدد التكوين بفعل كل التغييرات التي طرأت منذ سنة"؟، ما عدا حركة فنون الشارع والكتابة على الحيطان التي تعتبرها آمال "مفخرة وطنية" وظاهرة كاملة ومستقلة.

 

مجموعة أهل الكهف - صورة على أحد جدران العاصمة التونسية تظهر جيل دولوز وادوارد سعيد وانطونيو نيغري ومحمد شكري

وكانت الشوارع والساحات وقصبة تونس شهدت خلال الثورة ولادة فن" الغرافيتي"الذي اكتسح الأماكن العامة واسترجع سيادتها كتذكير بأنها ملك للشعب، وعوضت كتاباتهم وصورهم المستلهمة من مرجعيات ثقافية عربية وغربية متنوعة منها محمود درويش وادوارد سعيد ومحمد شكري وجيل دولوز هيمنة صور بن علي. وتزامنت أعمال هؤلاء الفنانين الذين تخرج معظمهم من معاهد الفنون الجميلة مع الثورة ومع نزول المتظاهرين إلى الشوارع.

 

صورة حائطية نشرها الفنان "زاد" على موقع فيس بوك

وتمدح آمال بن عطية "تلقائية تحركهم وصبغته الزائلة وخاصة خروجهم عن المادة وسوق الفن". ومن أهم هؤلاء مجموعة " أهل الكهف" وكذلك الفنان "زاد" الذي يواكب التطورات السياسية في البلاد فيحث على الانتخاب ويعلق على خطابات الجبالي ووقائع اجتماعية مثل قضية "برسيبوليس" إذ نسخ مثلا على الحيطان صورة شخصية "الإله" في شريط برسيبوليس وكتب تحته "لا تخف هذا ليس ربك"، ما يذكرنا بلوحة الرسام ماغريت "هذا ليس غليونا".

 وينظم معهد العالم العربي في باريس من 17يناير/كانون الثاني إلى 1 أبريل/نيسان 2012 معرضا بعنوان "تونس: عام من الثورة"  dégagementsيستضيف بعض الفنانين التونسيين والأجانب ممن عبروا عن "ثورة الياسمين"ومن الضيوف   التونسيين حليم قارة بيبان ووسام العابد وهالة لامين ...
 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.