تونس

هل يوجد أزمة بين المدونين والمشرفين على صفحات "فيس بوك" التونسية

أثارت حادثة تهجم بعض المشرفين على صفحات "فيس بوك" تونسية على مدونين تونسيين خلال ندوة نظمت في القصر الرئاسي بقرطاج للاحتفال باليوم الوطني لحرية الإنترنت، تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين هاتين الشريحتين من الناشطين على الإنترنت. فهل العلاقة بينها تكاملية كما كانت نوعا ما خلال الثورة التونسية أم بالعكس يحكمها التوتر والصدام؟

إعلان

صادف يوم أمس 14 مارس/آذار 2012 ذكرى وفاة أحد أشهر المدونين التونسيين، وهو زهير اليحياوي الذي توفي بسبب مشاكل في الجهاز التنفسي غداة تعرضه للاعتقال والتعذيب لمدة سنة ونصف في السجون التونسية على خلفية نشاطه المعارض للرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، من خلال مدونته الشهيرة "تونيزين" التي كانت تنقل نشاط المعارضة وتفضح التجاوزات في مجال حقوق الإنسان خلال عهد الرئيس التونسي السابق. وقد أصبح زهير اليحياوي اليوم رمزا لنشاط "المقاوم الافتراضي"

رئاسة الجمهورية التونسية ممثلة في الرئيس التونسي الموقت المنصف المرزوقي قررت إحياء الذكرى السابعة لوفاة زهير اليحياوي عبر استقبال عائلة المدون الشهير في قصر قرطاج الرئاسي في مفارقة واضحة المعالم، كما تقرر إعلان هذه الذكرى يوما وطنيا لحرية الإنترنت. ونظمت ندوة بهذه المناسبة جمعت عددا من المدونين التونسيين الأبرز في العالم الافتراضي التونسي وحضرها أيضا بعض المشرفين على صفحات "فيس بوك" ممن يقدمون أنفسهم كمشرفين على الصفحات التي أسهمت في تأجيج الثورة التونسية التي أطاحت بنظام بن علي.

الندوة التي أرادها منظموها فرصة لنقاش واقع حرية الإنترنت في تونس في ما بعد ثورة 14 يناير تحولت إلى ما يشبه المواجهة بين المشرفين على صفحات "الفيس بوك" هذه والمدونين التاريخيين بدعوى تنازع الاستحقاق بين هاتين الفئتين.

وقد أبرز هذا النزاع للعيان توتر العلاقة بين الفئتين في مجالي نشاطهما وأظهر وجود نوعا من الصدام بينهما

ويقول الناشط على الإنترنت والمدون كريم الماجري إن أسباب هذا التوتر تعود إلى تاريخية العمل التدويني نفسه وتطوره . واستنادا إلى تعريف الباحث البلجيكي رومان لوكونت، فإن "المقاوم الافتراضي حمل على عاتقه مسؤولية فضح الأنظمة القمعية والتشهير باعتداءاتها على حقوق الإنسان وتضييقها على الحريات. وكان زهير اليحياوي وزهير مخلوف وسامي بن غربية من أبرز هؤلاء المدونين الذين ضمّنوا مدوناتهم ما عجزت الألسن عن البوح به وتعذب أصحابها وقاسوا ويلات القمع والنفي وبطش البوليس السياسي. ولذلك أسموهم "المقاوم الافتراضي". وهو المدون الذي ينتقد مباشرة النظام ويتقمص دور المعارضة دون أن ينتمي إلى أي حزب من أحزابها.

ويوجد أيضا صنفا ثانيا من المدونين ظهر بين سنوات 2005و2006، وهم المدونون الذين تمحورت أنشطتهم على الإنترنت حول تقاسم بعض الخواطر والأشعار والأفكار دون أن تتعرض إلى السلطة ودون أن تكون لديهم انتماءات سياسية واضحة ومحددة إلى أن اقتربت من المقاومين الافتراضيين حين بدأت صفحات الإنترنت والمدونات تتعرض إلى الحجب مما جعلهم يكسرون القاعدة التي دأبوا عليها وانخرطوا في البحث عن المعلومة الصحيحة والدقيقة والتحقوا "بالمقاومة الافتراضية" ضد النظام.

الصنف الثالث يمثله المشرفون على صفحات "فيس بوك" والذين برزوا أواخر العام 2010 . ويشرفون على هذه الصفحات وينشرون الصور والفيديوهات التي يتم تناقلها على الحسابات الشخصية لمستخدمي فيس بوك. هؤلاء المشرفون لا يحررون ولا يكتبون كما يفعل المدونون بل تقتصر كتاباتهم على بعض الأسطر أسفل الصور والفيديوهات. وهو ما أفقد مساهماتهم العمق المطلوب بل بالعكس فقد كان خطابهم سطحيا وأحيانا مبتذلا لكن إسهاماتهم أكسبت هذه المواد شعبية وانتشارا ونقلوا خلال أيام الثورة المشتعلة ما حدث في مدن القصرين وتالة والرقاب وغيرها ...وهو ما قد يكون صعّد من الاحتقان الشعبي وعجّل بسقوط نظام بن علي ويستمد هؤلاء الناشطون اليوم مشروعيتهم من عدد المنخرطين في صفحاتهم حيث تصل بعضها إلى 400 ألف معجب.

ويحذر الماجري من الخلط بين هذه الفئات من المدونين والناشطين ويدعو إلى دراسة العلاقات بينها التي أصبحت تتسم بالحدة، ويدعو الإعلام إلى الحذر من الخلط بينها خاصة أنها تتعلق بمجالات عمل مختلفة ولها أهداف وجماهير مختلفة...ويخشى الناشط أن تندثر المدونات بصنفيها تحت زحف صفحات فيس بوك وباقي مواقع التواصل الاجتماعي .. ويخشى أيضا أن تتراجع القيمة الفكرية لما تنشره المدونات لصالح صفحات فيس بوك.

أما المدوّنة جو جولنار التي تعرضت إلى هجوم من قبل المشرفين على صفحات فيس بوك خلال ندوة حرية الإنترنت في قصر قرطاج يوم أمس بداعي أنها نكرة على ساحة الإنترنت وبأنها تهاجم العقيدة الإسلامية وتتهجم على الإسلام، فإنها تدق صافرة الإنذار بخصوص تعرض المدونين إلى التحرش من قبل المشرفين على صفحات الفيس بوك. وتقول جولنار أن البعض منهم وصفها يوم أمس بالجارية في محاولة منها لتقزيمها وتحقيرها، وتعتقد أنهم قادرين على الإساءة على الأقل إعلاميا إلى المدونين التاريخيين التونسيين.

وتقول الأستاذة الجامعية جولنار أن صفحات بعينها على الفيس بوك على غرار كورة تونيزي، والحقائق الخفية والمبيد الحشري هي صفحات تقول أنها تخدم مصالح بعض الأحزاب السياسية ولا تقدم رؤية موضوعية للأحداث ومقارباتها سطحية لما تشهده الساحة الاجتماعية والسياسية التونسية، وكانت تدين بالولاء لنظام بن علي قبل أن تركب اليوم موجة الثورة وتساهم في ممارسة نوعا من الرقابة على المعارضين لهم.

وتقول أن مقاربات هذه الصفحات والأسلوب المستخدم واللغة المستعملة لا ترقى إلى مستوى المدونات التونسية التي يعود لها الفضل في كسر حاجز الخوف خلال عهد بن علي. واستنادا إلى ذلك لا ترى أن مستقبل المدونات في خطر، بل بالعكس، سيدرك رواد الإنترنت حقيقة هذه الصفحات وتضاربها وزيفها وستسترجع المدونات قيمتها السابقة خاصة أن نوعية مضمونها مختلف ومتباعد. وصفحات الفيس بوك ستبقى ظاهرة لن يكتب لها العيش طويلا إذا ما حافظت على نفس أسلوبها الأحادي وغير الموضوعي.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم