تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دعوات "للاحتفال" بالعيد الوطني للمرأة في تونس وسط مخاوف على مبدأ "المساواة"

أجج مشروع قانون ضمن الدستور الجديد في تونس الجدل حول حقوق المرأة، فهو ينص على "تكامل" المرأة مع الرجل. ورأى العديد في هذا "التكامل" ضربا لمبدأ المساواة، فوجهت مختلف المنظمات والأحزاب والجمعيات دعوات للتظاهر مساء الاثنين في العاصمة ومدن أخرى دفاعا عن الحقوق في العيد الوطني للمرأة الموافق للذكرى الـ 56 لتبني مجلة الأحوال الشخصية.

إعلان

أحلام بلحاج رئيسة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات على فرانس 24

صاغت في مطلع الشهر الجاري لجنة الحقوق والحريات – وهي إحدى اللجان الاستشارية داخل المجلس التأسيسي المكلفة إعداد فصول الدستور– مشروع قرار دعمته أصوات نواب حزب النهضة الإسلامي. وأثار هذا النص الالتباس والمخاوف في أذهان عدد من الأطراف بسبب كلمة "التكامل"، إذ يجيء فيه "تضمن الدولة حماية حقوق المرأة ومكتسباتها على أساس مبدأ التكامل مع الرجل داخل الأسرة وبوصفها شريكا للرجل في التنمية والوطن".

وبقطع النظر عن هذا "التكامل" اعتبر البعض على غرار سلمى مبروك النائب في المجلس التأسيسي عن حزب "التكتل من أجل العمل والحريات" اليساري المشارك في الائتلاف الحاكم الذي يطغى عليه حزب النهضة الإسلامي، أن مجرد الحديث عن المرأة في الدستور نوع من التمييز فيجدر الاقتصار على كلمة "مواطنين" تكريسا للمساواة. فأطلقت سلمى مبروك الأسبوع الماضي عريضة تعبر فيها عن صدمتها لما يبدو تراجعا في مكاسب المرأة التونسية فقالت "أنا امرأة تونسية، وقبل أن أكون امرأة أو تونسية أنا إنسان ومواطنة قائمة بذاتها".

وأثارت هذه الصيغة حفيظة عدة منظمات نسائية وحقوقية فصدرت العديد من البيانات والعرائض في هذا الصدد ولعل أبرزها البيان المشترك لكل من "الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات" و"جمعية النساء التونسيات للبحث والتنمية" و"الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان" و"لجنة المرأة العاملة بالاتحاد العام التونسي للشغل" و"منظمة العفو الدولية فرع تونس" و"المجلس الوطني للحريات بتونس"، الصادر في 4 أغسطس/آب الجاري. واعتبرت هذه الجمعيات والمنظمات أن "إقرار هذا الفصل بصيغته هذه يشد الشعب التونسي إلى الوراء"، مطالبة بسحبه.

واعتبرت أيضا الصيغة الأولى من هذا الفصل لدستور تونسي جديد "ضربا للمكاسب وتكريسا لمنظومة أبوية تمنح السلطة المطلقة للرجل وتسلب المرأة حقوقها بوصفها مواطنة كاملة الحقوق وتتمتع بالشخصية القانونية".

كما رأى البيان أن مخاطر هذه الصيغة هي عدم الاعتراف "بكيان المرأة ومواطنتها واستقلاليتها كفرد من أفراد المجتمع يحق لها التمتع بحريتها وحقوقها الإنسانية بالتساوي مع الرجل"، إذ تعرفها بالتبعية له.

 

مخاوف من ضرب المكاسب وتغيير نمط المجتمع

ويتزامن هذا الجدال الواسع مع الاحتفال اليوم 13 أغسطس/آب باليوم الوطني للمرأة في تونس الموافق لمرور 56 سنة على تبني مجلة الأحوال الشخصية وهي مجموعة قوانين تعتبر "حداثية" وتمنح الأسرة التونسية والمرأة بصفة خاصة مكانة مميزة في العالم العربي بل وحتى في العالم. وتجذرت هذه القوانين في المجتمع حتى أصبحت المرأة التونسية حاضرة في كل مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية والاجتماعية في تونس. ويعتبر العديد أن حريات المرأة التونسية من الثوابت التي تجمع بين مكاسب الاستقلال ومكاسب الثورة.

ومن أبرز ما احتوته المجلة عند صدورها منع تعدد الزوجات وإقرار الزواج المدني وإقرار المساواة بين الزوجين في كل ما يتعلق بالطلاق وإجراءاته. ويعمل بهذه المجلة التي صدرت خلال فترة تولي الحبيب بورقيبة للرئاسة منذ ذلك الوقت، واستمدت المجلة روحها من أفكار الإصلاحيين التونسيين على غرار الطاهر الحداد صاحب "امرأتنا في الشريعة والمجتمع".

وفي مركز "البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة" نظم نقاش حول مجلة الأحوال الشخصية أكد خلاله العميد السابق لكلية الحقوق صادق بلعيد "أن مخاطر التراجع لا تشمل فقط حقوق المرأة بل إن الأمر يتعلق بإعادة النظر في نمط مجتمع". ويحذر العديد من تغيير شامل لنمط المجتمع التونسي عبر تغيير موقع المرأة فيه خاصة وأن نصا آخر يؤكد مساواة الجميع "أمام القانون" وهو ما يضمن معاملة قضائية عادلة دون تمييز جنسي حسب الأخصائيين لكن لا يعني المساواة في القانون أي في الحقوق والواجبات.

وأكدت سندس قربوج رئيسة فرع تونس لمنظمة العفو الدولية أن هذا المشروع يمثل "تغيرا مفاجئا في الوعود الانتخابية لمختلف التيارات السياسية التي أكدت تشبثها بمكاسب المرأة وإرادتها تطويرها"، وعبر العديد من الناشطين والنقابيين عن قلقهم من مظاهر "أسلمة" تهدد حقوق النساء.

وقالت زينب فرحات مديرة مسرح "التياترو" وعضوة في جمعية "النساء الديمقراطيات" لفرانس 24 أن الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي استغل مجلة الأحوال الشخصية كورقة لدعم نظامه "استعمل مجلة الأحوال الشخصية كواجهة يغري بها زعماء الغرب. لم ير في هذه القوانين مشروعا تقدميا بل مرآة تعكس نفوذه". وأكدت زينب فرحات أن الحلم بمجتمع عادل تسوده المساواة لم يزدهر زمن بن علي فقالت "كان النساء والرجال محرومين من حرياتهم، إذ كنا محرومين من حق التظاهر والتعبير الحر".

وأكد حزب النهضة الفائز بالأغلبية بعد انتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2011 التي تلت سقوط الرئيس زين العابدين في يناير/كانون الثاني من نفس السنة أنه "سيضمن" حقوق المرأة على ما قاله لفرانس 24 حمادي الجبالي رئيس الحكومة المؤقتة.

 

غليان على شبكات التواصل الاجتماعي

وشهدت شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي في الفترة الأخيرة غليانا واحتقانا حول هذه المسألة. فتقاسم رواد "فيس بوك" بيانات وفيديوهات ودعوات للتظاهر مساء اليوم صدرت عن مجموعة منظمات وجمعيات "بمناسبة الذكرى 56 لصدور مجلة الأحوال الشخصية كمكسب من مكاسب الجمهورية وللتعبير عن رفضنا التام لكل محاولات التراجع عن المكاسب وإصرارنا القضاء على كل أنواع التمييز"، مؤكدين على سلمية التحرك وطابعه الاحتفالي.

وشهد موقع فيس بوك تجنيدا للطاقات الحقوقية والفنية المدافعة عن حريات المرأة فكتبت الممثلة ليلى طوبال على صفحتها "دمعتي طوفان... وابتسامتي مهرجان... وصوتي العورة بركان... وخصلات شعري إلهام... ونظرتي سهام... وغضبي بركان... ومن يراني غير ذلك فهو ليس إنسان... إلى كل امرأة تونسية في كل زمان ومكان". وتقاسم الرواد أغان صيغت كلماتها من أبيات للشاعر الصغير أولاد أحمد يكرم فيها النساء التونسيات "نساء بلادي نساء ونصف".

وعلت صورة المحامية والناشطة بشرى بالحاج حميدة رسالة إلى وزير الداخلية علي العريض "المكملات سيكملن الثورة".

انتقاد موقف النائبة فريدة العبيدي على فيس بوك

ولم يتردد بعض الرواد في خطوة نقدية لاذعة إلى تشبيه النساء المدافعات عن مشروع الفصل الدستوري الجديد، على غرار فريدة العبيدي النائب في المجلس التأسيسي عن حزب النهضة، بالعبيد غير الواعين لوضعهم. واستهدف غضب الشارع أيضا النائب من نفس الحزب محرزية العبيدي فرفع متظاهرون مناهضون للنص شعار "المرأة التونسية ليست محرزية"

 

جدل لغوي حول "التكميل" و"المساواة"

واعتمد الإسلاميون في مواجهة هذا الجدال موقفا يؤكد استغرابهم منه. فالتكامل بالنسبة لمحرزية العبيدي ناتج عن سوء فهم لغوي وهو يعني حسب قولها "تقاسم الأدوار بين المرأة والرجل ولا يعني البتة أن المرأة أقل من الرجل أو أن الرجل أعلى درجة من المرأة كما يتم الترويج له حاليا من قبل بعض الأطراف". وقلل رئيس النهضة راشد الغنوشي من أهمية الجدل مؤكدا أن مبدأ التكامل هو محل اتفاق بين النهضة وحلفائها، في إشارة إلى حزب المؤتمر من أجل الجمهورية وحزب التكتل من أجل العمل والحريات (انبثق منه رئيس المجلس التأسيسي مصطفى بن جعفر).

وتعتبر التحركات النسائية ومظاهرة المجتمع المدني المقررة اليوم بمثابة اختبار للـ "ترويكا" الحاكمة. وقالت مجلة "جون أفريك" إن مصطفى بن جعفر قد يكون على حافة الاستقالة، واحتمال استقالة بن جعفر تهدد بانهيار التوافق الائتلافي الهش الذي يمكن الإسلاميين من الحكم. وترجح "جون أفريك" استقالة بن جعفر في حال تم اعتماد الفصل نهائيا. وتحالف الحزبان اليساريان مع النهضة على أساس خطوط حمراء منها حقوق المرأة التي تعهد الجميع بعدم المساس بها.

 

سروال حبيبة الغريبي يتحول إلى راية عيد المرأة

ويأتي هذا الجدل في الوقت الذي نددت فيه الكثيرات من النساء بضغوط إسلامية متنامية. ووصل الجدل أحيانا مستويات غير معهودة في بلد مثل تونس حيث تجرأت تعليقات متطرفة على الإنترنت على انتقاد العداءة التونسية حبيبة الغريبي خلال السباق الذي فازت فيه بميدالية فضية في الألعاب الأولمبية بلندن 2012، وصارت بذلك أول تونسية تفوز بميدالية أولمبية. وجاء في

 انتقاد لباس العداءة حبيبة الغريبي على فيس بوك

التعليقات المتشددة "لا حاجة لتونس بالميداليات التي تأتي بها سافرات عاريات". وأثارت هذه الانتقادات موجة تضامنية في صفوف العديد من التونسيين ولم تزد صفوف المدافعين عن حريات المرأة سوى شحنا، وأصبحت حبيبة الغريبي إحدى رايات الدعوات إلى التظاهر اليوم. 

ولم يتردد النائب ابراهيم القصاص في حوار إذاعي ساخن مع النائب فريدة العبيدي في إبداء فخره بالعداءة التونسية التي رفعت عاليا راية بلادها قائلا بالحرف "كلسون حبيبة الغريبي رفع رؤوسنا فماذا جلبت لنا كلاسينهم؟" و"الكلسون" بالعامية التونسية هو السروال الداخلي.

النشرة الإعلاميةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.