تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النزاع السوري يعيد شبح الخطف إلى لبنان ويحرك كابوس حرب أهلية جديدة

تهدد عدوى النزاع السوري الدموي بالانتقال إلى لبنان وربما إلى دول مجاورة أخرى. وتعود آلة الخطف الطائفي التي كانت من أبشع كوابيس الحرب الأهلية اللبنانية، إلى الواجهة بعد خطف سوريين ردا على اختطاف لبنانيين من المذهب الشيعي في سوريا.

إعلان

 تعرض عشرات المواطنين السوريين في لبنان للخطف الأربعاء كما تم الاعتداء على بعض ممتلكاتهم ومصالحهم في مناطق متفرقة من بيروت ومحيطها وأغلق طريق المطار من قبل أهالي اللبنانيين الشيعة الذين خطفتهم في سوريا مجموعة مسلحة مناهضة لنظام الرئيس بشار الأسد.

وتحدث بديع فرحاني مراسل فرانس 24 في بيروت عن "حالة من الغضب الشديد لدى أهالي المخطوفين في الضاحية الجنوبية لبيروت ذات الأغلبية الشيعية والتي يسيطر عليها عمليا حزب الله". وتبنت عشيرة آل المقداد اللبنانية، وهي عشيرة شيعية كبيرة خطف أحد أبنائها في دمشق من قبل مجموعة قالت إنها جزء من الجيش السوري الحر، خطف السوريين وهددت بمزيد من العمليات إذا لم يطلق سراح ابنها وأعلنت تشكيل جناح عسكري. ويقول النائب السابق سمير فرنجية لفرانس 24 "تجسد هذه القضية انهيار الدولة اللبنانية بمعنى أننا أمام وزير داخلية يتفاوض مع خاطفين وحكومة غير قادرة على إعادة فتح طريق المطار. إنه وضع مزري وسينهار الاقتصاد...".

وانطلقت آلة الخطف المضاد بعد اختطاف مجموعة من اللبنانيين الشيعة في سوريا نهاية مايو/أيار بعد أن تم اعتراضهم في منطقة أعزاز في ريف حلب القريبة من الحدود التركية وإنزالهم من الحافلات، وجاءت عملية الخطف في خضم توترات أمنية في لبنان على خلفية الأزمة السورية تحولت إلى اشتباكات وحوادث إطلاق نار حصدت قتلى وجرحى وأثارت موجة من الذعر في البلاد.

وكانت الوكالة الوطنية للإعلام في لبنان أعلنت عن خطف 11 على الأقل من اللبنانيين الشيعة في حلب بينما كانوا في طريق عودتهم من زيارة لأماكن شيعية مقدسة في إيران، ونسبت الوكالة وأقرباء لهم عملية الخطف إلى الجيش السوري. ومع بدء النزاع في سوريا، انقسم اللبنانيون بين مؤيد للنظام السوري، الأكثرية إجمالا، ومؤيد للحركة الاحتجاجية ومعظمهم من أنصار المعارضة. ودعت كل القيادات مع تصعيد التوتر في لبنان الى تفويت الفرصة على من يريد أن يحدث "فتنة" في البلاد. ولم تهدأ الأمور فعليا إلا بعد أن دعا الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في مداخلة مع تلفزيون "المنار" التابع لحزبه تعليقا على الحادثة إلى ضبط النفس.

حسن نصر الله زعيم "حزب الله"

وأسقط حزب الله في يناير/ كانون الثاني حكومة وحدة وطنية برئاسة سعد الحريري عندما استقال منها وزراؤه وحلفاؤه. وشكلت في يونيو/حزيران حكومة برئاسة نجيب ميقاتي تضم أكثرية من حزب الله وحلفائه إلى جانب وسطيين. ويبدو الشيعة مستهدفين بصفة خاصة لأنهم حلفاء تقليديون لنظام الرئيس السوري بشار الأسد على غرار حزب الله وإيران، وتم اختطاف بداية الشهر الجاري 48 من الزوار الإيرانيين الشيعة كانوا في حافلة في طريقهم إلى مطار دمشق.

من جهة أخرى وجهت جهات عشائرية شيعية تهديدات باستهداف الدول الداعمة للجيش السوري للحر، وخصوصا للدول الخليجية لاسيما السعودية. في الوقت الذي تنفي فيه القيادات العليا للجيش السوري الحر ضلوعها في عمليات الخطف التي تعتبرها غريبة عن أساليبها. كما لايستبعد أن يكون اللبنانيون الشيعة المخطوفون في سوريا ورقة يستخدمها بعض المسلحين المعارضين للضغط على حزب الله ليتخلى عن دعمه للنظام السوري. واتهم المسلحون المعارضون السوريون رهينتهم حسان المقداد بأنه "قناص حزب الله". واعترف الرجل الذي ظهرت آثار الضرب على وجهه في هذا الشريط بأنه أرسل إلى سوريا لدعم "الجيش الشيعي السوري" في إشارة إلى النظام السوري الذي تحكمه عائلة بشار الأسد العلوية والعلويون من الشيعة...

ونفت العشيرة تورط ابنها في النزاع مؤكدة أنه يعيش في سوريا منذ سنة ونصف وأن لا علاقة له بحزب الله. ومن بين السوريين الذين اختطفتهم العشيرة ضابط منشق عن الجيش النظامي حسب شريط ظهر فيه رهينتين اثنين أكد أحدهما أنه ضابط مكلف بتزويد المعارضين السوريين بالسلاح. وقد دان أحد أفراد عشيرة آل المقداد التي تبنت خطف مجموعة من السوريين ردا على خطف ابنها حسان المقداد في دمشق في تصريح إعلامي "التعدي على أرواح وممتلكات السوريين في لبنان"، لكنه اعتبر أن "أولئك الذين يدعمون الجيش السوري الحر الإرهابي هم أهداف لنا".

وقال أحد أفراد عشيرة آل المقداد أنه ينصح السعوديين بمغادرة الأراضي اللبنانية "قبل فوات الأوان"، ناصحا إياهم بعدم سلوك طريق المطار "حفاظا على سلامتهم". وفي حين أكد المقداد خطف مواطن تركي، قال إنه "لا يملك معلومات عن اختطاف مواطن سعودي" كما أشارت بعض التقارير الإعلامية. وفي ظل التهديدات الموجهة لـ "داعمي الجييش السوري الحر" وموجة الاختطاف، طلبت السعودية والإمارات وقطر من مواطنيها مغادرة لبنان فورا. وهبطت طائرة تابعة لشركة "إير فرانس" الفرنسية في قبرص بعد أن كان من المقرر أن تحط في بيروت قادمة إليها من باريس، وذلك بسبب عدم توفر الظروف الأمنية الملائمة إثر اندلاع الاضطرابات في محيط مطار بيروت الدولي. وقطع متظاهرون شيعة طريق المطار بالإطارات المطاطية المحترقة.

وكتب عبد الباري عطوان في صحيفة القدس العربي "ثقافة الخطف ازدهرت أثناء الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت عام 1975 واستمرت ما يقرب من الخمسة عشر عاما، وطالت العشرات بل ربما المئات من اللبنانيين وتورط فيها أكثر من طرف من أطراف الصراع، وعودتها الى سورية ولبنان معا تمثل كابوسا كارثيا بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى". والكارثة الكبرى هي الصبغة الطائفية التي أخذتها عمليات الخطف والخطف المضاد للمقايضة والضغط، موسعا أبعاد النزاع وموقظا جراح اللبنانيين ومعمقا مأساة السوريين. فالسوريون يدفعون غاليا ثمن المطالبة بالحرية فيعانون شتى الانتهاكات والاعتداءات داخل بلادهم، وتشرد الآلاف فهربوا إلى بلدان الجوار لحماية أرواحهم وبحثا عن أماكن آمنة لذويهم فإذا بهم يقاسون ظروف عيش متدهورة على غرار ما هي عليه في مخيمات الأردن ما دفع البعض منهم إلى تفضيل العودة إلى سوريا على البقاء فيها.

وهاهم اليوم يذهبون وقودا لآلية الخطف المتشعبة والتي قد تأخذ أبعادا محلية ثم إقليمية. وقد يشكل الإعلان عن تشكيل جناح عسكري لآل مقداد بداية تنذر بتوسع النزاع وازدياد عنفه . ويقول بديع فرحاني مراسل فرانس 24 في بيروت " أضيفت مفردة جديدة للقاموس اللبناني وهي "الجناح العسكري لآل مقداد" وهي تسمية جديدة ربما تكون بداية تكوين أجنحة عسكرية لأسر وعائلات أخرى". وقال سمير فرنجية لفرانس 24 "على غرار آل المقداد، تحول عدد من العائلات والعشائر اللبنانية إلى مافيات وأقل ما يمكن أن نقوله عن مداخيليهم المالية أنها غير شرعية وغياب الدولة أتاح لهم شراء الوسائل التي تمكنهم من تحدي السلطة".

وبدأت هواجس الحرب اللبنانية التي لا تزال مرسومة في المخيلة الجماعية تتحرك مجددا ملوحة بأشباح الماضي الكافكائية. فمثل هذه الوسائل على غرار الخطف تنمو على أرض مفخخة يغذيها الفساد والإشاعات وتصفيات الحسابات والتمييز على أساس الهوية والدين. وقال بديع فرحاني إن إشاعة تسببت في اندلاع أعمال العنف في بيروت الأربعاء والخميس "أشيع خبر مقتل اللبنانينين الـ 11 المخطوفين في سوريا، أو مقتل جزء منهم، إثر قصف الجيش النظامي لأعزاز في حلب فأثار ذلك غضب أهاليهم".

وكتب حسن خضر في صحيفة "الأيام" وفي سياق ما يجري بين سوريا ولبنان عن البعد "الروائي" للحروب الطائفية ومتاهاتها وذكر على سبيل المثال، "صخرة طانيوس" لأمين معلوف التي تبحث الصراع الدرزي ـ المسيحي في الجبل. وعن "الصراع نفسه، الذي يُعاد إنتاجه في "دروز بلغراد" لربيع جابر كنوع من الكوميديا السوداء". لكن خضر يدهش لأحداث اليوم، و"لسنا في القرن التاسع عشر"، التي تبدو في تجاوز للخيال لما يعبق منها من رائحة المؤامرة الماكيافيلية. وتوقف خضر على تفاصيل صغيرة تضيع مع الزمن حسب رأيه ولا يعود عليها المؤرخون والتي كانت قد تكون كفيلة في نظره بـ "إشعال فتيل نار حرب أهلية في لبنان" فلا يتردد في الحديث عن "اعتراف الوزير اللبناني السابق ميشال سماحة بعد اعتقاله بخمس دقائق، وشكره للمحققين، الذين حالوا (باعتقاله) دون وقوع سلسلة من التفجيرات والاغتيالات في لبنان تنفيذا لأوامر أحد أركان النظام في دمشق". ووجه القضاء اللبناني قبل بضعة أيام تهمة القيام بـ"أعمال إرهابية" بواسطة عبوات ناسفة والتخطيط لقتل شخصيات ديينة وسياسية إلى رئيس مكتب الأمن الوطني السوري اللواء علي مملوك والوزير اللبناني السابق ميشال سماحة.
 

وتصور خضر سيناريو استباقيا بين الهزلي والكاريثي تتواتر فيه التفجيرات الصغيرة والعبوات الناسفة واغتيال ساسة وديكورات على نمط "أبو عدس" ومحللون وعقلاء ومخابرات... وتارة تحسب العمليات على "إسلاميين متطرفين" وطورا على "مسيحيين من أنصار الأسد" ويوجه فيها الإعلاميون ا أصابع الاتهام إلى إسرائيل لو وجب الأمر في حين تتهم المعارضة اللبنانية النظام السوري بالوقوف وراءها... واللعبة كلها مفبركة وتحاك خيوطها في كواليس التاريخ الذي يعيد نفسه ويزرع الدمار والموت. 

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.