تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لماذا تعارض واشنطن عملا عسكريا في مالي؟

جددت واشنطن معارضتها لأي تدخل عسكري في شمال مالي لإنهاء حكم الإسلاميين وإعادة سلطة الدولة على المنطقة. وأمام انسداد أفق الحل السياسي والصعوبات التي تعترض القيام بعمل عسكري تظل للجماعات الإسلامية المسلحة في شمال البلاد متسعا من الوقت لتقوية نفسها وبناء قاعدة بشرية وعسكرية سيكون لها لا محالة تأثيرها الأمني والسياسي في المنطقة.

إعلان

لماذا تتعامل الجزائر مع أزمة شمال مالي بحذر وصمت؟

ما زال الوضع في شمال مالي يراوح مكانه أمام خلاف دولي معلن حول كيفية التعامل مع الإسلاميين الذين يحكمون سيطرتهم على المنطقة منذ نهاية مارس/آذار الماضي. وتمضي الحركات الثلاث المسيطرة على الجزء الشمالي من البلاد، وهي جماعة "أنصار الدين" و"حركة التوحيد والجهاد" المتحالفتان مع تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، في تقوية ذاتها في ظل غياب أي حل سياسي أو عسكري يعيد سيطرة الدولة المالية على كل أجزاء البلاد.

آخر حلقات تطور الوضع ما أعلنه الجنرال "كارتر هام" القائد الأعلى للقوات الأمريكية في أفريقيا "أفريكوم" الأحد الماضي من الجزائر، من أن حل الأزمة المالية لا يمكن أن يكون إلا حلا سياسيا.

ويمضي الموقف الأمريكي في مسار معاكس لما كانت تنتظره الحكومة المالية في الجنوب ولما عولت عليه باريس من حشد الدعم الدولي الكافي لإنهاء حكم الإسلاميين في شمال مالي.

تأجيل الحل العسكري؟

قال الجنرال كارتر هام في المؤتمر الصحافي الذي عقده بالجزائر إن "الوضع في شمال مالي لا يمكن معالجته إلا في شكل دبلوماسي وسياسي، وهناك مكون سيكون جزءا من كل وسيؤدي دورا محددا في حل النزاع".

واعتبر حسيني عبيدي، مدير مركز الدراسات والأبحاث حول العالمين العربي والمتوسطي في جنيف في تصريح لـ"فرانس 24"، أن الموقف الأمريكي من الوضع في شمال مالي هو موقف متوقع ومعلن من قبل، فما صرح به الجنرال الأمريكي "كارتر هام" سبق وأكدته وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون حين أعلنت تحفظ واشنطن على أي تدخل عسكري في مالي.

ويفسر عبيدي الموقف الأمريكي من التدخل العسكري في مالي بالاختلاف الظاهر بين التصورين الأمريكي والفرنسي في طرق التعامل مع الوضع في مالي. فالموقف الأمريكي، يقول عبيدي، قريب من موقف دول الجوار كالجزائر وموريتانيا، حيث يحبذ العمل السياسي عن التدخل العسكري.

ويؤكد عبيدي أن الموقف الأمريكي يمكن اعتباره انتكاسة لفرنسا، أولا لأنه يسير في اتجاه معاكس لما أبدته باريس من حماس في مطالبتها بالتدخل العسكري في المنطقة، مع شروعها في تعبئة دول المنطقة لذلك، وثانيا لأن الموقف الأمريكي المعلن يجعل من فرص حصول الأطراف الراغبة في الحل العسكري في مالي على قرار مجلس الأمن فرصا صعبة.

ويشير الباحث إلى أن تدخل عسكري في المنطقة دون دعم الولايات المتحدة سيكون تدخلا ناقصا، بالنظر لقوة واشنطن وتواجدها في المنطقة من خلال قواعدها العسكرية المتحركة.

صعوبة التدخل العسكري في مالي تزيد صعوبتها عوامل أخرى، أولها الضعف الجلي للجيش والدولة في مالي، مقابل القدرات الميدانية التي تتمتع بها المجموعات "الجهادية" المتحالفة في الشمال ومختلف أشكال الدعم المالي والمادي الذي تتلقاه. ويجد ضعف الجيش النظامي المالي أسبابه في طبيعة هذا الجيش، التي تتوزعه فئات غير متجانسة، ذات ولاءات مشتتة بين الانقلابيين والزعماء السياسيين في "دولة الجنوب".

كما يزيد من صعوبة التدخل العسكري ما يمكن أن يعتبر تخوفا لدى دول الجوار، من أن يسفر التدخل العسكري على ردود فعل واسعة النطاق للإسلاميين المنتشرين في منطقة الساحل، والتي يمكن أن تهدد أمن الجزائر وموريتانيا ودول المنطقة.

ويشير المراقبون إلى أن ردود فعل الإسلاميين لن تكون محصورة في منطقة الساحل وشمال مالي، بالنظر للارتباطات الواسعة التي ينسجها إسلاميو "قاعدة بلاد المغرب الإسلامي" مع مختلف تشكيلات "القاعدة" في العالم.

ويزيد حضور الطوارق في المنطقة من الطبيعة المعقدة للنزاع، حيث أن اندلاع مواجهة مسلحة في شمال مالي يمكن أن ينتشر إلى دول أخرى، حيث للطوارق وجود تاريخي هام.

قنص الجهاديين

ولم يغلق الجنرال الأمريكي الباب أمام عمل عسكري محدود في مالي، يتم بواسطة طائرات بدون طيار تستهدف المجموعات المتمركزة في الشمال. فواشنطن أعلنت رفضها لعمل عسكري واسع، يستوجب وجود قوات أمريكية وأفريقية على الأرض، غير أنه لم يعارض أن يعيد تجربة اليمن في اصطياد رؤوس تنظيم "القاعدة" من السماء.

ولعل هذا ما أشار إليه "كارتر هام" حين قال "هناك مكون عسكري سيكون جزءا من كل وسيؤدي دورا محددا في حل النزاع.. يمكن طلب مساعدة عسكرية بسبب وجود مجموعات إرهابية في المنطقة".

ولم يستبعد عبيدي أن تتجه واشنطن إلى اعتماد هذا "النموذج اليمني" في مالي على اعتبار أن مثل هذا السيناريو ممكن، لكن نتائجه ستبقى محدودة على تطور الوضع في المنطقة.

ويقول عبيدي إن الجماعات الجهادية في المنطقة باتت تملك دراية بمثل هذه العمليات العسكرية، وأصبح لها معرفة جيدة بالأرضية في المنطقة، فضلا على أن العدو الذي يمكن أن تستهدفه مثل هذه العمليات هو غير معروف ويصعب تحديد تواجده بدقة مما يجعل العمليات غير ذات جدوى.

ويضيف عبيدي أن المسلحين كذلك يمكنهم أن يختبئوا في أماكن تواجد المدنيين، ما يجعل أي عملية عسكرية ضدهم ذات نتائج سلبية يمكن أن تستعملها الجماعات المسلحة في كسب تعاطف المدنيين واستقطاب المزيد من المتطوعين إلى صفوفها.
ويمكن للعمليات الجوية في المقابل أن تحقق نتائج في حال استعملت لتأمين المناطق الخارجة عن سيطرة الإسلاميين، ووقف تمركزهم في مناطق جديدة نحو الجنوب، خصوصا أمام مأزق الحل السياسي وصعوبات العمل العسكري المباشر.

مأزق الحل السياسي

يرى عبيدي أن مشكلة المنطقة في الساحل وشمال مالي هي تجسيد لفشل فرنسا باعتبارها الدولة الراعية في المنطقة. فالإهمال السياسي والاقتصادي والأمني الذي عانته المنطقة كان جليا وواضحا، سرعان ما تطور إلى الوضع الحالي.

ar/ptw/2012/09/18/WB_AR_NW_PKG_MALI__INTERVENTION_MILITAIRE_NW965173-A-01-20120918.flv

ويبدي الباحث عجبه من الحجم الذي أصبحت عليه حركة الطوارق.. "إن ما حصل في المنطقة لا يقبله عقل، فالطوارق شكلوا جيشا موازيا للجيش المالي، والأخير لم تعد له أية قدرة على الفعل في الميدان". يقول عبيدي.

ويرى عبيدي أن الوقت ما زال متاحا لمضاعفة الجهود السياسية والدبلوماسية وتشجيع المفاوضات لدى الجانبين الحكومي في الجنوب والأطراف التي تتحكم في الشمال، مع الاعتماد على الوسطاء والتواصل مع الطوارق. ويرى عبيدي أن الحل العسكري يجب أن يتم بعد استنفاذ العمل السياسي، وليس العكس.

ويوصى مدير مركز الدراسات والأبحاث حول العالمين العربي والمتوسطي بضرورة الاستفادة من تجارب دول المنطقة كالجزائر والمغرب في تعميق المفاوضات للوصول إلى الحل السياسي في مالي، مشيرا إلى الصعوبات التي تقف أمام تحقق الحل السياسي وعلى رأسها عدم اتفاق دول الجوار على تصور موحد للتعامل مع أزمة مالي.

ويؤكد عبيدي أن أي تأخر في التوصل إلى حل في المنطقة من شأنه أن يقوي الجماعات المتحكمة في الشمال، التي تستفيد من عامل الوقت لتقوية نفسها. لذلك فحتى الخوض في بناء الحل السياسي، يقول عبيدي، يجب أن يرافقه تلويح دائم باللجوء إلى القوة العسكرية يقوم بدور رادع وزاجر.

النشرة الإعلاميةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.