تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قضية الفتاة المغتصبة في تونس تشكك في القطع مع المنظومة القمعية

اتخذت قضية فتاة تونسية اغتصبها شرطيان أبعادا إعلامية تجاوزت حدود البلاد. ورأى فيها العديد استقطابا سياسيا جعلها مثالا على معركة النفوذ، ومفجرا لمسائل حاسمة في هذه الفترة الانتقالية على غرار استقلالية القضاء وتطهير الجهاز الأمني.

إعلان

 مثلت الثلاثاء شابة تونسية اغتصبها شرطيان، أمام قاض بمحكمة تونس الابتدائية مع خطيبها للتحقيق معهما بتهمة "التجاهر عمدا بفعل فاحش" التي تصل عقوبتها في القانون التونسي إلى السجن ستة أشهر. وهزت هذه القضية الرأي العام وحظيت بتغطية إعلامية واسعة وبردود فعل الأحزاب والجمعيات فنددت أغلبيتها بما اعتبرته دليلا على استمرار المنظومة البوليسية القمعية. ودعت منظمة العفو الدولية في بيان الخميس الماضي إلى إسقاط التهمة الموجهة إلى الشابة ورفيقها واعتبرتها "محاولة ماكرة لتشويه سمعة الضحية".

واستنكرت هالة يوسفي المحاضرة في جامعة باريس دوفين والمختصة في علوم الاقتصاد والاجتماع في حديث مع فرانس 24 طبيعة التعامل القضائي مع الأحداث فقالت "كيف يقبل القضاء شهادات تنال من الأخلاق الحميدة للفتاة وخطيبها صادرة عن المعتدين عليها؟". وقال فوزي جاب الله المسؤول في وزارة العدل في تصريح إذاعي الأسبوع الماضي إن نتائج اختبارات الطب الشرعي "أكدت مبدئيا تعرض الضحية للاغتصاب".

"خطاب أخلاقي" في مواجهة الكشف عن القضية

وأكدت هالة يوسفي على نقطة أخرى تعتبرها حساسة وهي الطريقة التي تناولت فيها وسائل الإعلام التونسية والأجنبية القضية. فحسب هالة يوسفي "قدمت لنا القضية وكأن هذه الأساليب القمعية كانت من اختراع النهضة"، وتهيمن حركة النهضة الإسلامية على الحكومة الائتلافية في تونس. فترى هالة يوسفي أن هذه الزاوية التي ينظر من خلالها للأحداث ليست الصحيحة فجرائم الاغتصاب لم تظهر مع صعود حزب النهضة إلى الواجهة السياسية في البلاد بل "يجب أن نحكم على النهضة انطلاقا من توظيفها لخطاب بال تعودنا عليه وهو من قبيل "القضية بين أيدي العدالة" وقال كمال العيفي العضو في حركة النهضة لفرانس 24 "ما يؤسفني هو تسييس القضية". وتضيف هالة يوسفي أن الخطاب الأخلاقي من خدش الحياء خطاب استعمله الرئيس المخلوع زين العابدين الذي أطاحت به الثورة في 14 يناير/كانون الثاني 2011، وأن ما يعاب على النهضة ليست جرائم الاغتصاب المتواجدة في كل المجتمعات بل أنها تلقي بالمسؤولية على القضاء "وكأن القضاء مستقل في تونس والجهاز الأمني نظيف! في حين أن ما طالب به الشعب هو تطهير القضاء من الفساد والقطع مع نظام بوليسي قمعي وهي النقاط التي يجب محاسبة النهضة عليها. فكيف تحيلنا على الأمن والقضاء الفاسدين أو على الأقل غير المستقلين فيما كان من الأجدر القطع معهما؟".

وفي بروكسل، قال رئيس الحكومة حمادي الجبالي الذي يزور بلجيكا في تصريح لجريدة "لو سوار" البلجيكية إن "ما فعله الشرطيان لا يغتفر، وليس هناك أي تبرير لهذا الفعل الهمجي الذي يتعارض مع كل قيمنا الأخلاقية".

وجعلت التغطية الإعلامية الواسعة للحدث منه وكأنه أمر جديد على المجتمع التونسي وهو ما ربطه ربما في أذهان البعض بالحكومة الجديدة التي ترأسها النهضة. لكن كمال العيفي قال إن "كل هذه الجرائم كانت تتم في عهد بن علي ولا يكشف عنها ولا يتكلم عنها وليس لأحد الحق في الحديث عنها وكل ما يتكلم عنها فهو مدان" وأضاف "إنها جريمة بكل معنى الكلمة. وماهو إيجابي هو أن الجريمة تكشف ويعاقب عليها ويلاحق مرتكبوها قانونيا وهذا لم يكن واردا في الدولة التونسية ومن وجهة نظر قانونية وحقوقية هي مسألة تسجل سواء للترويكا أو غيرها". وأصر العضو في حركة النهضة على الفصل بين قضيتين الأولى تتهم فيها الفتاة بالخروج عن الأخلاق الحميدة والثانية يتهم فيها شرطيان باغتصابها. وأثارت تصريحات خالد طروش الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية في الفترة الأخيرة جدلا واسعا في البلاد حيث قال إن الشرطيين المشتبه بهما في هذه القضية أحيلا على القضاء وأن القاضي الذي استمع إلى الفتاة هو الذي طلب فتح تحقيق في الإخلال بالأخلاق الحميدة لأن الفتاة عثر عليها في "وضع غير أخلاقي" برفقة خطيبها. واعتبر العديد أن في تصريحات خالد طروش نوع من التبرير لما لا تبرير له. فتساءلت لبنى الجريبي النائب عن حزب التكتل في المجلس التأسيسي –وهو طرف في الائتلاف الحكومي الثلاثي-، في حوار مع فرانس 24 "هل يحق للناطق الرسمي القيام بهذا التصريح والتحقيق جار؟" وتساءلت "عن مدى مصداقية الشهادات الصادرة عن المعتدين على الفتاة". ونفت الشابة وخطيبها هذه التهمة بشدة فيما قالت محاميتهما راضية النصراوي لفرانس 24 أن "الهدف من هذا هو التخفيف على رجال الشرطة وهو أمر خطير فهذه جريمة شنيعة وفظيعة" ولا يمكن أن ترتكز على اتهام أنها كانت مع خطيبها في وضع من شأنه أن يمس الحياء لكي نخفف من هذه الجريمة، ورجلا الأمن أنكرا الجريمة ولا بد أن يحاولا البحث عن تعليلات وأن يحاولا التغطية على هذه الجريمة".

وفي الرابع من سبتمبر/أيلول، اعتقلت السلطات ثلاثة رجال أمن، اتهم اثنان منهم باغتصاب الفتاة داخل سيارتها في ساعة متأخرة من ليل الثالث من أيلول/سبتمبر الفائت. واتهم الشرطي الثالث "بالابتزاز" المالي لخطيبها الذي كان برفقتها. وفي حين أيدت لبنى الجريبي تصريح عضو حركة النهضة حول أن هذه القضايا لم يعد مسكوتا عنها فدعت على غرار هالة يوسفي إلى الخروج بها من الزاوية الضيقة التي تسجنها في منظور تهديد لمكاسب المرأة التونسية فحسب، بعد أن أججت القضية اتهامات لحركة النهضة الإسلامية بعدم الاكتراث بحقوق المرأة التي تحظى في تونس بوضع حقوقي فريد من نوعه في العالم العربي. فتقول لبنى الجريبي "قضية العنف ضد المرأة والرجل والطفل قضية جميع التونسيين ولا يجب أن نتركها محل استقطاب حزبي ويجب أن نتقدم بها إلى مسائل القانون والميدان والهيكلة".

وقال فوزي جاب الله المسؤول في وزارة العدل "يمكن أن يتحول الضحية في قضية ما إلى متهم في قضية أخرى". ويواجه الشرطيان اللذان اغتصباها عقوبة الإعدام التي لم تطبق في تونس منذ أكثر من عشرين عاما، أو السجن المؤبد.

آليات قديمة لبسط نفوذ جديد و"الجسد معقل المعركة"

وتؤكد هالة يوسفي أن العنف الذي يمارس في حق كافة شرائح المجتمع ومن مختلف الأعمار حصيلة "ثقافة أبوية ذكورية مترسخة ذهنيا وأفرزت أبشع الأنظمة القمعية" وأن "شيئا لم يتغير سواء في عهد بورقيبة أو بن علي ثم حكومة السبسي وأخيرا الترويكا، الرمزية الوحيدة للقضية اليوم هي أن الشعب لم يعد صامتا". والمشكل هو طبعا استمرارية الخطاب الأخلاقي الذي كان يستعمله بن علي ولم يتردد في استخدامه ضد معارضيه وتلفيق تهم حق عام لإفقادهم المصداقية وإبعادهم عن النشاط السياسي... وذكرت منظمة العفو الدولية بأن إقدام رجال أمن على اغتصاب أشخاص "كان يستخدم (في عهد بن علي) كأداة للقمع، وهو شكل من أشكال التعذيب".

وقالت هالة يوسفي أن هذه القضية تتجاوز مسألة قضية المرأة إلى تسليط الضوء على طريقة استحواذ الحكومة على النفوذ "فاستراتيجيتها ليست تنظيف القضاء والجهاز الأمني لأن ذلك لن يخدم مصالحها فهي في نوع من التفاوض بين مد وجزر مع الجهازين لأنها تريد أن تتحكم بهما أي أن تتحكم في السلطة بصفة مطلقة وهي لا تتستر على الجرائم للتستر فقط، لذا فإن القضية لا تقتصر على حقوق المرأة التي طرحها الإعلام كخط فصل بين المعارضة والحكومة" وقالت الضحية إنها تلقت "تهديدات من المؤسسة الأمنية لدفعها إلى التنازل عن القضية".

وتضيف هالة يوسفي أن "بعض الأحزاب المعارضة ومنها "نداء تونس" الذي أسسه رئيس الحكومة السابق الباجي قائد السبسي، وشق من المجتمع المدني، والإعلام "المستشرق" يلعب على هذا الخط ويحصر الجدال في زوايا ضيقة وينتهج سياسة المكيالين في التعامل مع مثل هذه القضايا فلا نسمعها حين يغتصب الأطفال في القصرين وحين تجوع بوزيان وسيدي بوزيد"، وتقول هالة يوسفي إن تحمل المسؤوليات السياسية في تونس يتم بصفة "انتقائية حسب الملفات، إن كانت قضايا المرأة بالنسبة إلى نداء تونس أو السلفيين بالنسبة إلى النهضة" وتضيف هالة يوسفي أنه يجب رفض هذه الانتقائية في تحمل المسؤوليات لأنها تابعة لمنطق يسعى إلى بسط النفوذ.

"الجسد هو آخر ما تبقى لنا في حربنا ضد النظام ومن أجل الحرية" 

وما شد انتباه هالة يوسفي هو أن "معقل المعركة في تونس هو الجسد، فالأجساد تغتصب، والبوعزيزي انتحر حرقا، ووالدي المعتقلين من نقابيين وعاطلين عن العمل في سيدي بوزيد دخلوا في إضراب عن الطعام بأجسادهم المنهكة ذات الـ 80 و90 عاما من العمر، والمهاجرون إلى لمبدوزا يلقون بأجسادهم إلى البحر، فالجسد هو آخر ما تبقى لنا في حربنا ضد النظام ومن أجل الحرية، الجسد كل ما تبقى لنا من كرامة... وهم يواصلون تبرير العنف الممارس ضد أجسادنا".

وتواصل هالة يوسفي قولها "خط المعركة الحقيقي هو بين ثقافة أبوية تتميز بها نخبة سياسية حاكمة ونظام ثوري يحب القطع مع النظام فقضية الاغتصاب قضية شعب كامل مغتصب ويتعرض للعنف كل يوم. وفي حين عبرت الحكومة الفرنسية على لسان نجاة فالو-بلقاسم المتحدثة باسم الحكومة عن تضامنها مع الفتاة التونسية المغتصبة، أكدت هالة يوسفي "نحن رهائن مناخ "إسلاموفوبي" وهو ما يسجننا في خلط للمفاهيم والقيم "ومن التحديات التي تواجه المرأة التونسية هي كيف تنجح في تحقيق التوازن بين كفاحها من أجل التحرر والكفاح من أجل تحرير المجتمع، ويجب على النساء أن لا يقعن في شرك التلاعب بهن سياسيا من جهة وأن لا تتركن حقوقهن يسرقن بمحض خطاب على النمط الغربي لأن الأصعب في هذه الموازنة هو أن لا حرية للمرأة في مجتمع غير متحرر فكيف النضال من أجل الحرييتين معا؟"

وتجمع أمام المحكمة الثلاثاء مئات المتضامنين مع الضحية مرددين شعارات معادية لوزارة الداخلية التونسية مثل "وزارة الداخلية وزارة إرهابية" و"وزارة الاغتصاب" و"الشعب يريد قضاء مستقلا".

ورفع المتظاهرون لافتات كتب عليها خصوصا "اغتصبني وبكى، سبقني واشتكى" و"ثورة مسروقة، امرأة محجبة، وفتاة مغتصبة" و"محجبة أو مغتصبة يجب الاختيار". وعلى الشعارات الأخيرة التي توازي بين الحجاب والاغتصاب تعلق هالة يوسفي "إنها مثال على الخلط بين المفاهيم واستيراد رؤى غربية غير مناسبة للسياق فوضع حرية شخصية –الحجاب- على نفس الكفة مع جريمة الاغتصاب أمر يخلق الصدمة، بل وأن الحرية من مطالب الثورة وحرية اللباس حرية شخصية فكيف تقارن بالجريمة؟ إن كل هذا يعمق الالتباسات واللغط خاصة وأن العديد من المحجبات كن مطاردات في عهد بن علي وتعرضن للاغتصاب والتعذيب..."

وتنتظر تونس حابسة أنفاسها قرار القاضي بغلق الملف أو إحالته على محكمة مختصة، تنتظر قرارا تبدو مسائل مصيرية عالقة بأذياله: استقلالية القضاء وحدود النفوذ الأمني. فهل تتقدم تونس في طريق الحرية أم يعيد تاريخها نفسه بصفة معاكسة؟
 

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.