تخطي إلى المحتوى الرئيسي
تونس

هل احتجاجات سليانة دليل على فشل الحكومة أم تحركات طبيعية في صلب ثورة شعبية؟

الأحداث العنيفة التي شهدتها سليانة الأسبوع الماضي دفعت بالبعض إلى تشبيهها باحتجاجات سيدي بوزيد شرارة الثورة التونسية التي أطاحب بنظام زين العابدين بن علي. فهل أن هذه التحركات التي قمعت بعنف دليل على فشل الحكومة المؤقتة في معالجة أزمة اجتماعية خانقة أم دليل على عجز الحكومة التي تطالب المعارضة بحلها لعدم كفاءتها؟

إعلان

الأحداث الأخيرة في مدينة سليانة التونسية يمكن اعتبارها الاحتجاجات الأعنف التي شهدتها تونس منذ الثورة التي أطاحت بنظام زين العابدين بن علي. هذه الحركة الاحتجاجية الأخيرة في سليانة قد يكون لها استتباعات خطيرة كما يقول مراقبون للشأن التونسي. لأنها ألقت الضوء على جملة من النقائص تعتري أداء حكومة حمادي الجبالي المؤقتة فضلا عن بوادر أزمة سياسية بدأت تلوح في الأفق بظهور بعض الانشقاق بين أطراف الترويكا الحاكمة في تونس منذ انتخابات أكتوبر 2011.

فهل تمر حكومة حمادي الجبالي بأزمة ثقة؟ وهل تعاملها مع أحداث سليانة يؤكد عجزها عن استيعاب مطالب الثورة التونسية وبالتالي الإقرار بقصورها وبضرورة إدخال تغيير فعلي على هيكلتها كما ألمح الرئيس المؤقت منصف المرزوقي؟ وما الذي يمنع احتجاجات سليانة من الانتقال إلى مدن وجهات تونسية أخرى؟

قمع أمني للاحتجاجات الشعبية

الاحتجاجات الشعبية التي استمرت قرابة خمسة أيام في مدينة سليانة التونسية الداخلية رفع خلالها سكان المدينة مطالب بالتنمية الاقتصادية وبالإفراج عن المعتقلين من أبناء المدينة المعتقلين منذ سنة تقريبا دون محاكمة وبعزل الوالي المحسوب على حزب النهضة والمتهم بارتكاب تجاوزات خطيرة في هذه الولاية الداخلية ذات الموارد المحدودة.

هذه المطالب التي رفعها المحتجون تعاملت معها الحكومة التونسية تعاملا ذكّر بتعامل نظام بن علي مع احتجاجات سيدي بوزيد ثم احتجاجات المدن المجاورة والتي أفضت إلى سقوط نظامه.

it
ar/ptw/2012/12/01/WB_AR_NW_FAUX_DUPLEX_TUNISIE_NW075118-A-01-20121201.mp4

فقد استخدمت قوات الأمن التونسية أسلحة محرمة دوليا – رصاص الصيد- وأصابت أكثر من 320 شخصا بجروح متفاوتة الخطورة تسببت بفقدان عدد غير محدد من المحتجين لنظرهم بعدما أصيبت أعينهم، إضافة إلى اعتقالات في صفوف المتظاهرين، أساليب دفعت بمنظمة هيومن رايتس ووتش إلى مطالبة الحكومة التونسية بإصلاح قوات الأمن في تونس وتدريب الشرطة التونسية على استخدام العنف فقط عند الضرورة وبشكل متناسب، وضرورة محاسبة رجال الشرطة كلما قاموا بتجاوزات.

أزمة سياسية

الأزمة السياسية بدأت تظهر للعيان بعد أن اختلفت ردود الفعل الحكومية إزاء التعامل مع هذه الاحتجاجات الشعبية حيث أن رئيس الحكومة المؤقتة حمادي الجبالي رفض الرضوخ للمطالب الشعبية المطالبة بعزل المحافظ المحسوب على حزب النهضة الإسلامي. حمادي الجبالي صرح بأن شعار " ديغاج أو ارحل" الذي رفعه التونسيون ذات يوم في وجه بن علي، شعار انتهى أمره وعلى التونسيين نسيانه" وربط الجبالي رحيل المحافظ عن منصبه برحيله هو شخصيا عن رئاسة الحكومة.

إلا أن زخم الاحتجاجات والبعد غير المنتظر الذي أخذته محليا ودوليا وارتفاع حصيلة جرحى القمع للمتظاهرين، كل ذلك دفع الحكومة السبت إلى اتخاذ قرار بتبديل المحافظ بمساعد يقوم يتسيير الأعمال والتحقيق في تجاوزات مفترضة للمحافظ، في محاولة لإخماد هذه الانتفاضة وبالتالي الإقرار بضعف مصداقية خطاب الجبالي.

وعلى صعيد آخر جاء خطاب الرئيس التونسي المؤقت المنصف المرزوقي الذي تحدث عن ضرورة إجراء تعديلات في هذه الحكومة وإنشاء حكومة تعتمد الكفاءات بدلا عن المحاصصة الحزبية للخروج من هذه الأزمة، ومحاسبة الفاسدين والابتعاد عن الإقصاء الذي من المتوقع أن يطال التجمعيين السابقين، لتشي بوجود صراعات وتجاذبات خطيرة في صلب الترويكا، حتى أن وزير الصحة النهضاوي عبد اللطيف المكي أشار إلى إمكانية إقالة المنصف المرزوقي من منصبه إذا ما أقر اجتماع الهيئة التنسيقية للترويكا ذلك.

الثورة المضادة تستغل هفوات الحكومة وحكومة الجبالي مدعوة للتواصل أكثر مع الشعب

يقول المحلل السياسي التونسي محمد هنيد إن الشعب التونسي وجد نفسه عالقا بين حكومة ساهمت بعجزها عن معالجة الملفات العالقة من محاسبة الفاسدين وتطهير الإعلام ودفع برامج تنموية في البلاد. وبين نخب انتهازية تحاول الانقضاض على إخفاقات هذه الحكومة وتشكل الثورة المضادة التي تحاول العودة إلى الساحة السياسية في تونس تحت عدة مسميات.

اعلنت منظمة "هيومن رايتس ووتش" في بيان السبت ان مشروع "قانون العزل السياسي" المعروض على المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان) في تونس يمثل "خرقا للمعايير الدولية" لانه سوف "يحرم" آلاف الاشخاص "من احد حقوقهم الاساسية".

وسيقصي القانون، في حال المصادقة عليه، المسؤولين الحكوميين والمسؤولين في حزب "التجمع الدستوري الديمقراطي" الحاكم في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي (1987-2011) من الانضمام إلى أحزاب أخرى ومن المشاركة في الحياة السياسية طيلة 5 سنوات.

أ ف ب

الأزمة التي انفجرت في سليانة قد تأخذ بحسب المحلل السياسي أبعادا خطيرة إذا لم تخرج الحكومة عن المحاصصة الحزبية والولاءات وما لم تتوقف عن اتهام اليسار الراديكالي وأزلام النظام والمال الفاسد بالوقوف وراء هذه الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالتنمية. هذه الحكومة يجب أن تتواصل مع الرأي العام بدل أن تدخل معه في مواجهة وأن تدرس مطالبه التي تبدو شرعية وقامت على أساسها الثورة التي أطاحت ببن علي. كما يجب على هذه الحكومة قطع الطريق أمام الثورة المضادة التي يشكلها أزلام النظام البائد.

ويضيف محدثنا: "المشهد السياسي في تونس اليوم مفتوح أمام كل الاحتمالات، والمواقف السياسية المتخبطة تؤكد ذلك وتؤكد وجود أزمة سياسية فعلية، فموقف المرزوقي مؤخرا والذي يطالب خلاله بحكومة تكنوقراط يعتبره البعض موقفا متعقلا في حين يعتبره البعض الآخر موقفا انتهازيا، ولو صحت التسريبات الأخيرة بخصوص إمكانية أن تقيله النهضة فإن ذلك قد يدخل البلاد في مأزق سياسي غير مسبوق حيث أن مثل هذا الإجراء لن يرسل مؤشرات طمأنة للشعب بل سيكون انتصارا للثورة المضادة".

هذه الحكومة يجب أن ترسل رسائل طمأنة إلى الداخل بوضع خارطة طريق واضحة المعالم، التعجيل بتنظيم الانتخابات، الانتهاء من كتابة الدستور وتفعيل المحاسبة وتسهيل العدالة الانتقالية، وإذا عجزت هذه الحكومة عن الإيفاء بكل هذه الخطوات فمن غير المستبعد أن تدخل تونس في متاهة دوامة سياسية يصعب الخروج منها وتكون عواقبها وخيمة.

الحكومة الحالية تشكو من عجز فاضح وتطيل عمل المجلس التأسيسي عمدا

المحلل السياسي عادل اللطيفي والأستاذ في تاريخ العالم العربي المعاصر يقول إن أسباب هذه الأزمة التي عرفتها سليانة تعود إلى 4 عوامل أساسية:

أولا: فشل الحكومة عبر مشاريع في تغيير الواقع الاجتماعي للسكان في سليانة وغلاء الأسعار وارتفاع نسب البطالة.

ثانيا: المستوى السياسي العام في تونس، فلا وجود اليوم لأفق سياسي واضح المعالم، والانتخابات البرلمانية والرئاسية لم يحدد تاريخها بعد، وكل طرف سياسي يتحدث عن أجندة خاصة لم يحصل حولها اتفاق رسمي عام، وهو ما يخلق لدى المواطن التونسي يأس سياسي تام.

ثالثا: التباطؤ الكبير في أعمال المجلس التأسيسي والمواطن التونسي بدأ يشعر بأن هذا المجلس صوري وبأن الحكومة انفردت فعلا بمقاليد الحكم.

رابعا: تغوّل النهضة في مفاصل الدولة، فتعيين الولاة والمسؤولين في الإدارات يتم على أساس المولاة لهذا الحزب.

"كل هذه العوامل تجسد أوضاعا موجودة أصلا في كل المحافظات التونسية التي تشكو من نفس الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية"، إلا أن المحلل لا يعتقد أن هذه الرجة قابلة للتكرار في مناطق أخرى من تونس. حيث أن الأوضاع هدأت اليوم في سليانة بعد إعفاء المحافظ من منصبه، والارتداد الاجتماعي سيكون محدودا جدا، إلا أن الاستتباعات السياسية للأزمة قد تكون جدية وفي هذا السياق يندرج خطاب المرزوقي الذي طالب صراحة بحل الحكومة وإنشاء حكومة تكنوقراط مبنية على الكفاءات وهي في آخر الأمر مطالب المعارضة.

ويختم اللطيفي قائلا بـأن وضعية الحكومة التي يسيطر عليها الإسلاميون من النهضة حرجة لتدهور شعبية هذا الحزب اليوم وضعف رصيده الانتخابي بسبب الإخفاق في تسيير الوزارات السيادية كالداخلية والخارجية والعدل والتعليم العالي...  مما يجعل الحكومة في انتظار معجزة ما لاسترجاع شعبيتها المفقودة قبل تنظيم انتخابات حاسمة، لذلك يعتقد اللطيفي أن إطالة عمر المجلس التأسيسي والتباطؤ في الانتهاء من الدستور قد يكون مقصودا.

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.