تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدلالات السياسية لإلغاء "الاتحاد العام التونسي للشغل" للإضراب العام

أ ف ب

ألغى الاتحاد العام التونسي للشغل الدعوة إلى إضراب عام كان مقررا اليوم الخميس للاحتجاج على الاعتداء الذي استهدف أكبر نقابة عمال في تونس على يد مجموعات محسوبة على حركة النهضة. فماهي الأبعاد الاجتماعية والسياسية لهذا القرار؟

إعلان

ألغى الاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر نقابة في البلاد، الأربعاء دعوته إلى إضراب عام كان مقررا اليوم الخميس للاحتجاج على اعتداء تعرض له مناضلوه في الرابع من ديسمبر/كانون الأول على يد مجموعات تسمى بـ "لجان حماية الثورة". وكان نقابيون وشخصيات سياسية ومواطنون يحيون في العاصمة أمام مقر المركزية الذكرى الستين لاغتيال زعيم الحركة النقابية فرحات حشاد زمن الاستعمار، وسط أجواء مشحونة وتوتر أدى إلى تعرضهم لاعتداء على يد المجموعات المحسوية على حركة النهضة المهيمنة على الائتلاف الثلاثي الحاكم. ونأت وزارة الداخلية التي يرأسها نهضاوي بنفسها عن هذا الوضع مؤكدة تورط لجان حماية الثورة في أعمال العنف وتزامن ذلك مع دعوة الرئيس المؤقت منصف المرزوقي إلى تشكيل حكومة تكنوقراط مصغرة، وهي دعوة قد تدل على انقسام الترويكا الحاكمة في ظل تفاقم الأزمة السياسية والأمنية والاقتصادية في تونس. وقال مسؤول حكومي إن إضرابا عاما قد يكلف تونس خسائر مالية تتجاوز 600 مليون دينار أي حوالي 350 مليون يورو

وقال المؤرخ والأستاذ الجامعي عبد الحميد لرقش لفرانس 24 "قرار الإضراب كان ردة فعل طبيعية ومشروعة على اعتداء خطير لأنه أول اعتداء منظم وممنهج على الاتحاد منذ الثورة" بغض النظر عن عديد الاستفزازات التي استهدفته في السابق. وأضاف "لكن هذا القرار كان في رأي الشخصي متسرعا ومبالغا فيه". وسبق لحكومتي محمد الغنوشي والباجي قائد السبسي الانتقاليتين اللتين تلتا سقوط الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي في 14 يناير 2011 أن تلمحا بمسؤولية الاتحاد في إشعال الاحتجاجات الاجتماعية و"تعطيل" حركة الاقتصاد وبث الفوضى في البلاد.

ويلعب الاتحاد العام التونسي للشغل الذي تأسس في 1946 دورا هاما في التعبئة العامة. وكان الاتحاد النقابي الوحيد في الساحة في عهد الرئيس الأول للجمهورية التونسية الحبيب بورقيبة ثم في عهد بن علي، أداة لتأطير المجتمع في كنف سلطة متزايدة النفوذ. لكن الاتحاد كان مجبرا بحكم ضغوط القاعدة العمالية على تقديم تنازلات خاصة في السبعينات حين كان النضال من أجل الحقوق الاجتماعية في أوجه، ففي 1978 دعا الاتحاد إلى تعبئة حاشدة وقاد إضرابا عاما انتهى بقمع شديد لقيادي النقابة وحملة اعتقالات واسعة في صفوفهم. وفي 1985 كان في مقدمة "ثورة الخبز" المنددة بارتفاع أسعار هذه المادة الغذائية. وفي 2008 شارك الاتحاد في احتجاجات الحوض المنجمي بمحافظة قفصة. ولم يسبق للاتحاد العام التونسي للشغل أن أعلن الإضراب الوطني العام إلا مرتين الأولى في 1978 أما المرة الثانية فكانت دعوة للإضراب العام لساعتين فقط يوم 12 كانون الثاني/يناير 2011 قبل يومين من سقوط نظام زين العابدين بن علي. وفي نهاية 2011 انتخب حسين عباسي أمينا عاما جديدا للاتحاد ليخلف عبد السلام جراد الذي شغل المنصب منذ العام 2000 والذي أثار احتمال تقربه من نظام بن علي جدالا واسعا بعد الثورة التي كان شعارها الأساسي "شغل، حرية، كرامة وطنية".

وبعد مفاوضات أولية مع الحكومة واجتماع مطول لهيئته الإدارية أعلن الاتحاد على لسان حسين العباسي مساء الأربعاء أنه "نظرا للوضع الصعب الذي تمر به البلاد والاحتقان القائم والانفلات الأمني والمخاطر المسجلة على حدودنا، لهذه الأسباب تقريبا ارتأينا إلغاء هذا الإضراب". ورحب عبد الحميد لرقش بهذا الإلغاء الذي اعتبره "حكيما لأن فيه تعبيرا على احترام الاتحاد لمسؤولياته الوطنية في ظرف أمني حساس أصبحت فيه الأخطار الإرهابية على الحدود واضحة". وأكد المؤرخ أن النقطة الثانية التي تظهر تحلي الاتحاد بـ"مسؤولية وطنية" هو حسب قوله نجاحه في طرح قضية وطنية تتمثل في وضع حد للعنف واحترام الوفاق ضد كل ما يهدد الأمن الوطني في أفق بناء مجتمع ديمقراطي ومؤسسات الدولة ويضيف "نجح الاتحاد في تحسيس ليس فقط الرأي العام والطبقة السياسية بل كذلك السلطة التنفيذية. فالاتفاق الذي توصل إليه مع الحكومة هو بمثابة تأسيس عقد اجتماعي جديد وعلاقة عمل تضع الحكومة أمام مسؤولياتها ومنها احترام تنظيمات المجتمع المدني. وأثبت الاتحاد أنه قادر على العودة إلى الإضراب إذا لم تتوفر شروط الاتفاق".

اتهام الاتحاد بالتدخل في السياسة "عدم استيعاب للفرق بين الدور الوطني والدور السياسي"

وقال محمد بن سالم وزير الفلاحة وعضو حركة النهضة في تصريح إذاعي "توصلنا إلى اتفاق يرضي الجميع (..) اتفقنا على كل النقاط ونتيجة الاتفاق هي إلغاء الاضراب" العام رافضا الإدلاء بمزيد من التفاصيل. وحسب عدة مصادر فإن الاتفاق يتضمن ضرورة حل "الرابطة الوطنية لحماية الثورة". ويطالب الاتحاد بشكل أساسي بحل الرابطة التي قال في بيان إن "الأحداث التي عاشتها بلادنا في الأشهر الأخيرة، أثبتت أنها ميليشيات تتحرك بأمر من الحزب الحاكم للاعتداء على كل من يخالفه الرأي". وتعمل لجان رابطة حماية الثورة في إطار قانوني بعد حصولها كجمعية على ترخيص في يونيو/حزيران 2012. وأكد لنا عبد الحميد لرقش أن بعد انتخاب مجلس تأسيسي في البلاد في أكتوبر/تشرين الأول 2012 "والبدء في بناء المؤسسات لم يعد للجان معنى كجمعية مدنية فلا أحد يمكنه احتكار "حماية الثورة" لأن الثورة قاسم مشترك لكل التونسيين".

ورفض راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة حل رابطة حماية الثورة وقال في مؤتمر صحافي الأربعاء الماضي "أدافع عن رابطة الثورة لأنها منتج من منتجات الثورة وهم مستقلون وليسوا تابعين لأي جهة". وزادت تصريحات الغنوشي الطين بلة واستفزت النقابيين بعد أن دعا إلى تفتيش مقرات المجتمع المدني لإخلائها من السلاح متهما الاتحاد بتسييس الأحداث.

وقال عبد الحميد لرقش لفرانس 24 أن اتهام الاتحاد بالتدخل في الشأن السياسي هو "عدم استيعاب للتاريخ وعدم استيعاب الفرق بين الدور الوطني والدور السياسي. فتاريخ الاتحاد تاريخ معادلة قديمة بينه وبين الحزب الاشتراكي الدستوري سابقا وبعد أن انهار الحزب، بقيت المنظمة ودورها الاجتماعي التعديلي هو جزء مكون للعقد الاجتماعي". ويرى بعض المحللين أن المركزية النقابية تلعب دور سلطة مضادة في البلاد في ظل ضعف المعارضة وأكد عبد الحميد لرقش أن الاتحاد كان في عهود القمع "ملجأ للمعارضات السياسية والنهضة تعرف ذلك لأنه سبق لها أن لجأت إليه. والإقرار بدور وطني للاتحاد لا يعوض المعارضة في المعركة الديمقراطية".

ورجح مراقبون أن يكون الهجوم الأخير على مقر الاتحاد جاء ردا على تبنيه إضرابات وتحركات احتجاجية شهدتها ولاية سليانة في الفترة ما بين 30 تشرين الثاني/نوفمبر و 2 كانون الأول/ديسمبر. وأكد لنا المؤرخ أن "الاتحاد يلعب دور الوسيط بين الدولة والمجتمع" الذي ظلت قدراته الاقتصادية ضعيفة. وأضاف أنه "لا مجال لتصور انتقال ديمقراطي دون دوره الاجتماعي وحرصه على الحفاظ على القواسم المشتركة لكل الفئات. والاتحاد يساهم بذلك في بناء وفاق ديناميكي يمنع أي طرف من احتكار الثورة وفرض آرائه بالعنف". وحسب تحليل عبد الحميد لرقش فإن إرادة حصر الالتزام السياسي في طبقة معينة وفصله عن القاعدة الاجتماعية فيه تقليص للقضية الديمقراطية وخنقها في اللوبيات التي تنشط داخل وخارج السلطة، وأضاف أن الاستفراد بالشأن السياسي من قبل الحكام "إعادة بناء منظومة الاحتكار والاستبداد بالرأي". ويعتبر الاتحاد في نظره بمثابة السد الذي يمنع هذا الاحتكار، ويؤكد أن الاتفاق الجديد مع الحكومة مشروط بمجموعة المبادئ المصادق عليها والاستراتيجية المعتمدة ومدى التزام الحكومة بها في المقابل وتفعيلها للحوار بشكل جدي.

وقال عبد الحميد لرقش أن "الأزمة لا تنحصر في صراع بين الاتحاد والنهضة بل هي أزمة عامة والعنف هو من أخطر وجوه العراقيل التي تعطل المسار الانتقالي، فالمواطنون اليوم خائفون فإذا حملت رأيا مخالفا فإنك عرضة للتصفية الجسدية". وأضاف أن الظرف سياسي بالأساس وأن للمطالب الاجتماعية نفسها قراءة سياسية "الاتحاد في مراوحة بين الدفاع عن المطالب الاجتماعية ودوره الوطني في الحياة العامة". وربما أن هذا المزج بين ما هو سياسي واجتماعي يفرز التناقضات والتجاذبات الداخلية التي تخترق الاتحاد وتخلق حراكا فريدا بين قواعده ومديريه لكن "الأفق الإيديولوجي للاتحاد يبقى أساسا اشتراكيا ديمقراطيا ذو فكر إصلاحي".

فهل ينجح الاتحاد الذي يبدو في موقع قوة لإعادة رسم خرائط العقود الاجتماعية وقلب الموازين في المشهد السياسي في الفترة الانتقالية، والحد من احتقان جزء من قواعده المستنكرة لإلغاء الإضراب وإعادة رص الصفوف والصمود في وجه اتجاه مهيمن للتيار الليبرالي اقتصاديا والوقوف ضد خصخصة بعض القطاعات الهامة على غرار الكهرباء والاهتمام أكثر بمطالب عمال القطاع الخاص... ولعب دور تاريخي كما عهد إليه في تحقيق ما بدت الحكومة والمعارضة ضعيفتين في تحقيقه؟

 

مها بن عبد العظيم

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.