تونس

أيمن الرزقي "كانت الصحافة مهنة تشبه تهريب الأسلحة"

مها بن عبد العظيم

الصحافي أيمن رزقي من مواليد 1982. التحق للعمل في قناة الحوار التونسي عام 2006. وكان نظام بن علي يعتبرها من القنوات المعارضة ويضيق الخناق على صحافييها بشتى الوسائل. وعرف أيمن رزقي كذلك بمدونته "مانديلا التونسي" وهو اليوم رئيس تحرير قناة الحوار التونسي وكاتب عام مساعد مكلف بالحريات في النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين.

إعلان

بدأت القناة في بث حوار مرة في الأسبوع عبر قناة إيطالية مختصة في البيئة. ثم تطور البث وصارت القناة تهتم بشكل خاص بالمشاكل الاجتماعية في البلاد، والتحقت بها عام 2006. خياراتي كانت واضحة منذ بداية دراستي في معهد الصحافة بتونس حيث التحقت بالـ "اتحاد العام لطلبة تونس" في السنة الأولى، وكان الأمر ليس بالهين في حد ذاته لأن النظام كان يحاول أن يبعد النشاطات النقابية عن معهد الصحافة ليصنع صحافيين موالين لحزب "التجمع" الحاكم. كنا مجموعة صغيرة وأردنا تفعيل خلية نقابية في المعهد لنأتي بالجديد ولننتقد الإعلام في تونس ونفضح ما يحدث في الكواليس. ومنذ ذلك الوقت بدأت في التعود على أن يتم التنصت على هاتفي المحمول وتوقيفي في الشارع وتخويف أصدقائي. الصحافة الحرة التزام واختيار ووعي بأنه إذا كانت لديك إرادة في تغيير الأوضاع فأنت قادر على ذلك وعلى أن تثبت للناس أن ذلك ممكن وإن كان الثمن غاليا.

أيمن الرزقي

كنت تحت المراقبة على مدار الساعة. الصحافة الحرة في عهد بن علي هو أن تخرج من بيتك صباحا لتعيش مغامرة دون أن تعرف كيف سينتهي يومك وإن كنت ستعود لمنزلك مساء أو ستتعرض للخطف والضرب. عشت كل ذلك وخطفت مرارا وتعرضت للضرب وألقي بي في الحدائق العامة، وحققوا معي في مراكز الشرطة واحتجزوا أدوات عملي بانتظام. وكانت تلك حياتنا اليومية. فيضغطون على أفراد عائلتك في عملهم ويهددون أصدقاءك فيبعدونهم عنك ليعزلوك عن العالم ويهمشونك.
وفي كل مرة ننجح فيها في إيصال الصور إلى الناس رغم الحصار نشعر بأن النظام السياسي فاشل وتزداد رغبتنا في المواصلة. ووجدنا سندا كبيرا لدى المحامين والنقابيين وبعض الأحزاب، فكلما اقتضى الأمر من أجل أن نغطي أحداثا تقلق النظام، على غرار مؤتمرات للمعارضة أو إضراب عن الطعام وغيرها، كنا نسلم الحقائب التي فيها آلات التصوير لشخصيات بارزة وندخل ونخرج نحن فارغي الأيدي ثم تعود لنا آلاتنا عن طريق أشخاص آخرين. فإذا سلمنا حقيبة لأحمد إبراهيم –رئيس حزب "التجديد" سابقا- أو لمحامي بارز على غرار مختار الطريفي –الرئيس السابق للرابطة التونسية لحقوق الإنسان- فلن يتجرأ أحد على أخذها منهم. وفي كل مرة نغير باب الدخول والخروج وننوع طرق ووسائل نقل أدوات العمل وفي كل مرة تصل الصور وتبث فتزداد الشرطة هوسا واحتقانا.
فلتغطية أحداث الحوض المنجمي في 2008 كان فاهم بوكدوس مراسلنا في قفصة ينسق مع أبناء الرديف وأم العرايس الذين يرسلون له الأشرطة في سيارات النقل الريفي وفي سلال الطعام وفي كل ما يمكن أن يتصوره العقل من حلول "ميدانية"، فكانت الصحافة إذن وقتها شبيهة بتهريب الأسلحة وتجارة المخدرات. وكنا نتلقى المادة الأولية في تونس حيث نقوم بالمونتاج ونتصل بالناس عبر الهواتف. وخصصنا في تلك الفترة نشرات أخبار خاصة بالحوض المنجمي وتواصلنا مع الأهالي طيلة الوقت.
بالنسبة لي الثورة بدأت حتى قبل 2008 حين انتفضت بعض المناطق، لكن النظام كان يملك القوة الكافية لحصر الأحداث في أماكن معينة وخنقها ومنعها من الانتشار. وكان النظام يوظف من أجل ذلك الإعلام والبوليس والقضاء. الإعلام للتعتيم والتقليل مما يحدث وتلميع صورته، والشرطة للقمع، والمرحلة الأخيرة كانت اللجوء إلى القضاء. فكلما فشلت الوسائل الأخرى يحال الجميع على قضاء فاسد موال له ليلفق لهم التهم المعروفة من إرهاب وتهديد الأمن العام، ليلقى بهم في السجون. وهو ما حدث في الحوض المنجمي حين اجتمع مسؤولون بممثلين عن الحركة ولم يتوصلوا إلى حلول، فاستمرت الاحتجاجات وكانت النتيجة اعتقال الممثلين و"القيادات" ثم أطلقوا الرصاص على الناس ثم سجنوا كل أهالي المنطقة.
في ديسمبر/كانون الأول 2010 بدأنا في التحرك وبشكل خاص بعد أن سقط أول شهيد برصاص الأمن، فالبوعزيزي أضرم النار في نفسه لكن أوائل الذين سقطوا بالرصاص كانوا في مكناسي ومنزل بوزيان فكونا مجموعة من الشباب باحثين عن وسائل لنشر صور المواجهات، وحملنا الفيديوهات على الـ "يوتيوب" ونشرناها على الـ "فيس بوك" لتنبيه الرأي العام وتجنيد الناس. وكان من الضروري أن تساند العاصمة المناطق الأخرى لتخفف عنها الضغط. وفي 25 ديسمبر/كانون الأول تجمع الناس، وكان لصور الشهداء وقع كبير عليهم في ساحة محمد علي حيث مقر "الاتحاد العام التونسي للشغل" دون أن يكون الاتحاد على علم باستثناء بعض القواعد النقابية وفوجئت الشرطة التي لم تكن تتوقع حضورا بهذا الحجم، فنجحنا في فك الحصار وخرجنا من الساحة. وكان في كسر حاجز الشرطة رمزية كبيرة، فزال الخوف وأعدنا الكرة في 27 ديسمبر/كانون الأول فكان الاتحاد من المنظمين الرسميين وكانت التعزيزات الأمنية مشددة فوقعت مواجهات، لكن لم ننجح في مغادرة الساحة. وصرنا نستغل نادي السينما في مقر جريدة "الطريق الجديد" كغطاء لتنقلاتنا فنبث أخبارا زائفة عن عرض أفلام حتى نتمكن من التجمع دون أن تشك الشرطة في وجهتنا. وبعد 27 ديسمبر/كانون الأول فكرنا في التظاهر بداية يناير/كانون الثاني في "باب الجزيرة" حيث توجد سوق كبيرة يعمل فيها العديد من أبناء سيدي بوزيد لكن ليلتها خطفوا العديد منا واعتدوا عليهم بالضرب وعلمت أنهم كانوا قاصدين منزلي فهربت ولم أعد إلى بيتي إلا بعد 14 يناير/كانون الثاني. وبالطبع صورنا كل التحركات التي وقعت في العاصمة لنشرها وفهم الناس عبرها شيئا فشيئا أن بإمكاننا إسقاط النظام، وأن قدمي العملاق من طين.
مطالب الثورة كانت الحرية والتشغيل والكرامة. لم نكتسب منها سوى حرية التعبير التي يجب أن نحصل عبرها على المطلبين الباقيين اللذين لم يتحققا. لا أحد يمكنه أن ينفي أن لدينا اليوم حرية التعبير.
والخطوط الحمراء اليوم لا تأتي من الحكومة، فلا حزب حاكم يفرض مواضيع ولا توجد "تابوهات"، بل من لوبي اقتصادي يتحكم بالإعلام عبر أموال الإعلانات، وهي بين أيدي بعض رجال الأعمال، وفي إمكان هؤلاء الرجال حتى إذا كانوا موالين للحكومة أو خائفين منها أن يطالبوا بمنع تناول مواضيع معينة وهو نوع من الابتزاز. ولنفس الأسباب تخاف بعض وسائل الإعلام التحقيق في ملفات بعض الشركات الكبرى على مثال بعض شركات الاتصال الهاتفي التي يمكن أن تسحب منها عقود إشهار بالملايين...
ومن جهة أخرى لا يوجد توزيع عادل للإشهار العمومي على وسائل الإعلام فيوزع على من لديهم أقارب في الوزارات

أيمن الرزقي

وتحصل صحف تابعة لبعض الأحزاب على نصيب أوفر من غيرها في الإشهار العمومي. وكل هذه الفوضى العارمة يمكن أن تتحول إلى مدخل للرقابة. وهناك نقطة أخرى مثيرة للقلق وتتمثل في الخوف الذي صار ينتاب بعض الصحافيين عند تناول بعض القضايا على غرار تهريب السلاح في تونس، فتلقوا تهديدات بالقتل من العصابات، ورفعت شكاوى قضائية لم تؤد إلى نتيجة.
لكن توجد مؤشرات تتنبأ بأن بعض الظروف والمضايقات التي عشناها في عهد بن علي تعيد نفسها، والمتمثلة في خطابات من قبل السلطة تتهمنا فيها بتهديد مصالح البلاد وبالعمالة للخارج. وتنشر هذه القيادات السياسية هذه العقلية لدى قواعدها فيتهجمون علينا عند تغطيتنا للأحداث، فيتهمنا أنصار النهضة مثلا بالكذب على الناس وبإرادة تدمير البلاد وكل ما سمعناه سابقا في عهد بن علي. بل وأبشع فما عشناه في الحوار التونسي خلال الأشهر الأخيرة يتجاوز ما عرفناه مع النظام السابق. فاقتحم مقرنا وسرقت العدسات وأتلفت أشياء، ويتعرض صحافيونا إلى الاعتداء بانتظام. الجهاز الأمني جهاز لقيط لا يزال فاسدا ولم يتغير وتنقصه الكفاءة وأخلاقيات المهنة فيذل المواطنين.
صدر في 2011 المرسومان 115 لقانون الصحافة و116 للمجلس الأعلى للسمعي البصري، لكن تعمل بهما بعض المحاكم دون الأخرى، الحكومة لا تطبق القوانين والفوضى تعم قطاعنا. في زمن بن علي كنا أقلية تدافع عن حرية التعبير وكان عملنا نضالا أكثر منه كمهنة. واليوم أغلب الصحافيين متشبثون بهذه الحرية، وإن كانوا لم يتمكنوا من ممارسة عملهم في زمن بن علي كما يجب وخاصة ميدانيا فإنهم اليوم يخطئون أحيانا لكنهم يتعلمون في نفس الوقت.
مازلت رغم كل شيء متفائلا بشأن مستقبل الصحافة في البلاد ففي أكتوبر/تشرين الأول 2012 أنجزنا أول إضراب في قطاع الإعلام وكان الأول في تاريخ تونس فكان ناجحا وأثبتنا للحكومة أنه لا يمكن لأحد أن يبعدنا عن طريق التحرر. ومررنا رسالة للعالم كله مفادها أن حرية الصحافة لن تنتزع منا ولن تصادر في بلادنا رغم انحطاط مستوى قادتنا السياسيين الذي يلمس في محادثاتنا معهم وفي خطاباتهم التي يحرضون فيها الرأي العام ضد الإعلام وينعتونه بـ "إعلام العار".
وأبقى أيضا متفائلا بشأن مستقبل تونس. ففي الانتخابات الماضية أدلى التونسيون بأصواتهم حسب العاطفة ولانحياز الجهوي وحسب من قيل لهم أنهم يخافون الله أكثر من غيرهم. لكن بعد أكثر من عام على هذه الانتخابات تمكن الناس من تقييم الأوضاع من غلاء المعيشة والتعذيب في السجون وانقطاع الماء والكهرباء في بعض المناطق وتهريب الأسلحة والانفلات الأمني ومخيمات تدريب الإرهابيين.
الناس في طور بناء وعيها السياسي وقد بدؤوا في التمييز بين الجدي والمحترف والهاوي من بين السياسيين. وحتى في عهد بن علي كنت متفائلا وإلا لما واصلت العمل النقابي وحتى الصحافي، وهو ما مكننا من إسقاطه.

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم