تونس

محمد الصغير أولاد أحمد "أنا تونس الأخرى ... رماد مبتكر"

مها بن عبد العظيم

محمد الصغير أولاد أحمد من أبناء ولاية سيدي بوزيد ومن مواليد عام 1955. من أهم الشعراء التونسيين، وعرف بقصائده الملتزمة.

إعلان

سجنت فترة قصيرة فيما يسمى "أحداث الخبز" عام 1985 بعد توقيفي خلال اعتصام نظم للدفاع عن الاتحاد العام التونسي للشغل. ومنع ديواني "نشيد الأيام الستة" في 1984 وبقي محجوزا حتى 1988. وطردت من عملي كمنشط ثقافي مدة 5 سنوات. ثم عدت دون الحصول على تعويض عن الضرر. وتوليت إدارة بيت الشعر من 1993 إلى 1997. وكنت وراء فكرة تأسيسه وكانت سابقة في العالم العربي. بن علي كان جنرالا ولم يكن شاعرا. مورست علي الرقابة طوال سنوات فحذفوا مقاطع من قصائدي قبل نشرها وغيروا حتى الكلمات، فكتبت "هذا أنا لا يقرأ البوليس نصي في الجريدة ناقصا، بل يقرأ المخطوط حذو مديره في الليل قبل توجعي وصدورها، وإذن سأكتب لمن أريد وما أريد". فهم يحاسبونك حتى على ما لم ينشر. ورغم ذلك كان ينظر إليك كشاعر في عهد بن علي وكانت لك مكانتك كسلطة أو بالأحرى سلطة مضادة.
ليس من محض الصدفة أن الثورة التونسية لم يقدها أي حزب سياسي ولكن قادتها أبيات شعرية مستلهمة من قصيدة أبو القاسم الشابي "إذا الشعب يوما أراد الحياة". فأطلقت شعارات الثورة على وزن "الشعب يريد". لا إيديولوجية وراءها ولا شعائر دينية، وهذا ما يجعلني متفائلا في داخلي في أن يكتمل مسار الثورة. كان المثقفون في الأنظمة السابقة جهازا من أجهزة الدولة على غرار أجهزة الأمن والجيش والإدارة، ونحن ننسى أن المثقفين أو جزءا كبيرا منهم كانوا مع السلطة التي استعملتهم لمحاربة مثقفين آخرين. السلطة كانت تحارب المثقفين بمثقفين آخرين. المثقف ليس ملاكا وليس محايدا فكان بينهم المسؤول عن الوشاية والمسؤول عن المدح وغيرهم. المثقف كان متورطا في الديكتاتورية.

"القيادة الشعرية للثورة التونسية" - الصغير أولاد أحمد
الصورة : مها بن عبد العظيم

بالنسبة لي توجد ثلاث صور مهمة تؤرخ للثورة. أولها صورة البوعزيزي وهو يحترق، والثانية صورة بن علي وهو يزوره في المستشفى، والثالثة صورة الشعب في شارع الحبيب بورقيبة في 14 يناير/كانون الثاني. كتبت قصيدة "الفراشة" بعد أن شاهدت في نشرة الأخبار بن علي يزور البوعزيزي في المستشفى. كتبتها في تلك اللحظة لأنني فهمت أنها كانت نهاية بن علي وكان ينظر إلى تونس وهي تحترق. كانت المدن تشتعل. وكانت "الفراشة" بمثابة طلقة نارية ورسالة مفتوحة إلى بن علي. تناقلها فورا رواد "فيس بوك" وترجمها التونسيون في الخارج إلى لغات أجنبية في نفس الليلة.
أنا شخصيا لم أنتظر رحيل بن علي لأنجز ثورتي الشعرية فقد قمت بها منذ أكثر من 20 سنة. لكن منذ 17 ديسمبر/كانون الأول 2010 لزمت بيتي لأن القناصة كانوا منتشرين في حيي في غابة رادس وبدأت في كتابة ديوان سيصدر قريبا، يجمع يوميات ثورية ويحمل عنوان "القيادة الشعرية للثورة التونسية". كنت واعيا بأنها أول ثورة "ما بعد الحداثة" postmoderne في القرن 21 وتستعمل التكنولوجيات الحديثة. لذلك كانت ثورة مختصرة في 29 يوما، وتماهى تأليفي من يوميات وشعريات ونثريات مع أشكال الثورة فجاءت بعض القصائد في شكل رسائل "فيس بوك" قصيرة وحملت بعضها تسميات عسكرية ففي غياب القيادة السياسية تتأسس القيادة الشعرية. وفي الصيف الماضي شاركت موسيقار الجاز ظافر يوسف في عرض شعري/موسيقي وبلغ عدد الحضور 13 ألف شخص في المسرح الأثري في قرطاج.
كانت الثورة ثورة لغوية في شعاراتها وإشاراتها على غرار كتابات "الغرافيتي" وغيرها. وشهدنا استعمالا خلاقا ومكثفا لم يكن معهودا للعامية التونسية. فهي لغة من قاموا بالثورة من المهمشين والشباب، العامة وليس النخبة. فالنخبة كانت تتابع الأحداث من بعيد أو لا تؤمن بالثورة. صعود اللهجة العامية إلى الواجهة تزامن مع صعود العامة إلى ساحة المقاومة، فهي اللغة التي تشبههم لأنها لغتهم. والخطاب الأخير لبن علي مساء 13 يناير/كانون الثاني جاء لأول مرة بالعامية التونسية لكنه جاء متأخرا فإذا غير تسلسل خطاباته الأخيرة وبدأ بالخطاب الأخير لكان ربما نجح في البقاء في الحكم.
تعرضت إلى الاعتداء على يد أحد السلفيين في الصيف الماضي فكتبت "أنا بخير تلقيت نصيبي من "الثقافة" التي قال راشد

كان الصغير أولاد أحمد من المشرفين على ندوة "تونس الشاعرة"  التي استضافت شعراء عرب في 2011
الصورة : مها بن عبد العظيم

الغنوشي إن السلفيين "يبشرون بها". لست أول من تم الاعتداء عليه ولن أكون الأخير.منذ هذه اللحظة لم أعد أعترف بأية شرعية. ولن ينجو أي مدني أو عسكري صامت، عن مثل هذه الممارسات، من قنابل الشعر وصواعق النثر". أنا لا أؤمن منذ 25 سنة أو لنقل منذ 14 قرنا بأن الحكم باسم الدين يمكن أن يفرز ديمقراطية لأن الدين فكر عمودي وشمولي في حين أن الديمقراطية فكر أفقي ونسبي. أنا ضدهم وضد ازدواجية خطابهم، فلا إمكانية لدولة مدنية مع نظام سياسي ديني وتشهد على ذلك السودان وأفغانستان وإيران.
الإسلاميون لم يشاركوا في الثورة ولم يحصلوا على غالبية الأصوات. إنهم فقط سرقوا الثورة بأموال قطر والسعودية ودعم أمريكي حتى لا تصير تونس مثالا لنجاح الثورات وتحقيق الديمقراطية. نحن في فترة مقاومة. والثورة تتواصل رغم محاولات تحويل وجهتها. وهم لا يطيقون الحرية لأن ليس لهم لا مشروع اقتصادي ولا سياسي، إنهم يستمرون في قوانين بن علي ويريدون تغيير نمط عيش التونسيين. لا يؤمنون بعلم البلاد وحدودها ونشيدها الوطني. "الإخوان المسلمون" ليسوا سوى طائفة خطيرة تنشط في بعض البلدان.
أنا متفائل تاريخيا فلقد قضينا على الخوف وربحنا حرية التعبير رغم المضايقات. وفرادة التجربة التونسية أنها تعممت وتحولت إلى "تسونامي" تاريخي. والانتفاض على الظلم والاستبداد لم يخص المجال السياسي بل هو أيضا تمرد على الاستبداد الذي يمارس داخل العائلة وفي المدرسة. نتقدم خطوة خطوة لكن الغرب يريد أن يجعل منا مصبا للإرهابيين ليتخلص منهم وهو يجهل حقيقة مزج الدين بالسياسة، وهو لم يحقق الديمقراطية في بلدانه إلا بعد أن فصل بينهما. هل يريد لنا الغرب الديمقراطية ؟ أنا أشك في ذلك فكل ما يهمه هو رضوخنا مع ثرواتنا الطبيعية له.

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم