تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جهاد مبروك جهاد مبروك "هل مصلحة البلاد فوق دم الشهداء؟"

مها بن عبد العظيم

اسم على مسمى وتاريخ ولادة محمل بالدلالات. جهاد مبروك من مواليد 14 يناير/كانون الثاني 1987 من مدينة الشابة بولاية المهدية. أصيب برصاصة في 26 فبراير/شباط 2011 في شارع الحبيب بورقيبة.

إعلان

كنت أعمل كفني في مجمع نفطي بولاية صفاقس ثم انقطعت عن العمل. وواجهت عائلتي مشاكل مع النظام السابق. كبرت في وسط ملتزم. اسمي جهاد وأخي اسمه نضال وكان والدي صاحب "قاعة فلسطين للحلاقة" التي مر بها الشيخ إمام يوما ومازال والدي يحتفظ بصورة برفقته، وكان العديد من الناشطين يتوافدون على دكانه. كانت بلدية الشابة البلدية الوحيدة المعارضة في كامل الجمهورية عام 1990. وكانت بعض اجتماعات المعارضة تعقد في دكان والدي وتخرج منه القرارات. وعانت عائلتي في زمن "التجمع الدستوري الديمقراطي"في عهد بن علي. فحرمت أختي لسبع سنوات متتالية من العمل في التعليم الثانوي رغم الإجازة التي تحملها، وطرد أخي من عمله في أحد النزل في ظروف غامضة، وبعد أن ذهب إلى سوريا وتركيا لتجارة النسيج تعرض للتعذيب في 2009/2010 في مقرات الداخلية التونسية بتهمة الإرهاب ودون محاكمة طبعا. نقمت عليهم منذ ذلك الوقت وبلغ غضبي أقصاه لما نراه حولنا من فقر وتهميش. توقفت عن العمل في أكتوبر/تشرين الأول 2010 وبدأ الحراك في الشارع التونسي في 17 ديسمبر/كانون الأول بعد أن أحرق البوعزيزي نفسه، فخرجت مع الشباب إلى شوارع الشابة وساهمت في تنظيم المظاهرات وذهبت إلى تالة في 27 ديسمبر/كانون الأول للمشاركة في التجمعات. وما رأيته هناك وخاصة في حي الزهور من غاز مسيل للدموع ورصاص وقتلى وقناصة كان أفظع مما كانت عليه الحال في الشابة. وزدت نقمة على النظام وعلى "الطرابلسية" أصهار بن علي الذين صادروا أراضينا. لكن لا فضل لي على أي تونسي آخر. ثم عدت إلى الشابة حيث أحرقنا مركز الشرطة ومقر "التجمع" في 12 يناير/كانون الثاني 2011 وشاركنا أهالي المنطقة من النساء والشباب في ذلك، حتى طردنا الشرطة وكانت الفرحة عارمة. أذكر أن والدي شاركني وأخي في رمي الحجارة في مقدمة إحدى المواجهات مع الشرطة وكان ذلك خطيرا لأن النظام لم يكن قد سقط بعد. ثم بدأ الاتحاد العام التونسي للشغل في تنظيم مسيرات في مختلف الولايات وعرف بنجاعة حركته النقابية منذ مساهمته في الاستقلال وحتى يومنا هذا. وكانت الفرحة أكبر في 14 يناير/كانون الثاني طبعا يوم رحيل بن علي وصادف ذلك يوم عيد ميلادي وتقاسمنا الحلويات التي أعدتها أمي للمناسبة. لكن الفرحة كانت ناقصة لمعرفتي بأن بن علي رحل لكن النظام ما زال موجودا وكذلك رجال الأعمال المقربين منه على غرار كمال اللطيف. وعشنا رغم ذلك أياما جميلة وشاركت في لجان الأحياء لحماية الممتلكات والسكان و كان الشعب موحدا والبوليس لا يضرنا وحتى إن إحدى شركات الاتصال الهاتفي كانت تشحن أرصدة هواتفنا المحمولة مجانا.

جروح جهاد مبروك
الصورة : مها بن عبد العظيم

كان العديد يدرك أن النظام لا يزال قائما رغم رحيل بن علي، فنظم اعتصام القصبة 1 ثم اعتصام القصبة 2 لإسقاط حكومة محمد الغنوشي وتطهير البلاد من "التجمع" . لكن في 25 فبراير/شباط وخلال مظاهرة للمعتصمين في القصبة الذين توجهوا إلى الداخلية ليصرخوا بهم "ديغاج" ، "إرحل" كما في 14 من يناير/كانون الثاني، اقتحم مندسون مسلحون المظاهرة لإفشالها وهم من الشباب الذين يتم التلاعب بهم لحياكة سيناريو معتاد هدفه الطعن في مصداقية مطالب المتظاهرين السلميين واتهامهم بالعنف. وهذه الميليشيات التي تبث البلبلة تساهم في تشويه صورة الشهداء والجرحى، هي القوى المضادة للثورة. ولم تحصل ثورة في تونس على كل الحالات لأننا إلى الآن ننتظر حصول ثورة حقيقية. ولا يكفي أن تطلق بعض القنوات مصطلح "الربيع العربي" ليعني ذلك أن ثورة حصلت فعلا. الاحتقان والحراك الشعبي بدأ في تونس في 2008 حين انتفض أهالي الرديف ضد البطالة والفقر وواجهوا قمعا وحشيا لكن العدوى لم تنتقل إلى الولايات الأخرى لأن الخوف كان يحكم البلاد بقبضة من حديد. والبوعزيزي لم يكن الأول الذي أحرق نفسه في البلاد لكنه كان القطرة التي أفاضت الكأس، وخرجت أقلية من الشعب تقارب 20 أو 30 في المئة منه لتعبر عن طفح كيلها والبقية من العاملين في أجهزة الدولة غير مبالين دون ذكر الميليشيا ورجال الأعمال الفاسدين والموالين للنظام. وأجيب على كل من أراد تشويه صورة البوعزيزي مدعيا بأنه مدمن للخمر أو حتى المخدرات فأذكرهم بأن تلك الوسائل يستعملها النظام التونسي والنظام العالمي عامة لإلهائنا عن السياسة.
بالنسبة لي ما حدث في تونس هو انقلاب بدأ في التبلور بداية يناير/كانون الثاني 2011 وشارك فيه رشيد عمار رئيس أركان الجيش ووزير الدفاع رضا قريرة وجهات أمنية كذلك. ضغطوا على بن علي وكان هدفهم أن يرحل. ونجح رشيد عمار في جعل الشعب يستعيد بعض الثقة في الجيش. لا بد أن أطرافا خارجية على غرار أمريكا والصهاينة لم تكن تتوقع أن يحصل ما حصل في تونس فلعبوا ورقة مقتل بن لادن لدفنها والمرور إلى ورقة "الربيع العربي" ونقل العدوى إلى دول أخرى لاستغلال الأوضاع لصالحهم.
تلزمنا ثورة جديدة، ثورة حقيقية تعاد فيها صياغة المنظومة الاقتصادية من الصفر كما حصل خلال الثورة الفرنسة مثلا والتي خلفت في البداية دمارا شاملا وسال فيها الدم بغزارة. لم يسل دمنا بما فيه الكفاية لتكتمل الثورة وفي أحداث القصبة 1و2 خرج آلاف الناس للتعبير عن وعيهم بذلك وللمناداة باستكمال المطالب المشروعة من دعوة لإسقاط الحكومة والقصاص للشهداء وتطهير البلاد من التجمع. في 25 من فبراير/شباط 2011 سقط الشاب محمد الحنشي بالرصاص وكان أول شهيد بعد 14 يناير/كانون الثاني. كنت برفقته حين استشهد وكنا نضرب الشرطة والمندسين بالحجارة للدفاع عن أنفسنا ولا زلت أحس بالذنب لأن الرصاصة كان من الممكن أن تصيبني بدلا عنه. وفي اليوم التالي نزلنا من القصبة بغليان وحقد أكبر إلى شارع الحبيب بورقيبة وكان إطلاق النار يدوي فيه وفي الشوارع المحاذية، والمواجهات على أشدها والشرطة تطلق خراطيم المياه ونحن مليئين برغبة الانتقام من نظام كان وما زال قمعيا, والشرفاء فيه أنذال لأنهم يتسترون على القمع. فأنا شخصيا ساهمت في إلقاء القبض على شرطي ضبطناه يومها عند الساعة السادسة مساء قرب الكاتدرائية في شارع الحبيب بورقيبة وهو يطلق النار على الناس، كان يختبأ في قاعة عرض وسلمناه للجيش بعد أن جردناه من سلاحه. فأين هو هذا الرجل اليوم ؟ وأين الجيش من كل هذا؟ أين الرجل الذي سلمناه للجيش؟ ما حصل يومها هو أنني حاولت إغاثة شخص كان مصابا بالرصاص في ساقه وملقى على السكة الحديدية في محيط السفارة الفرنسية تحت أنظار الجيش الذي لم يتحرك لمساعدته. ربما أن الجنود لم يتلقوا أوامر لكن الجنود أبناء الشعب والسكوت عن القتل مشاركة فيه. وما راعني أنه حين رفعت رأسي رأيت على بعد 50 مترا خمسة رجال يبدو أنهم من الوحدات الخاصة كانوا ملثمين، يضعون ركبة على الأرض في صف واحد ويوجهون سلاحهم نحو الرجل ثم قتلوه برصاصة في الرأس. وكانت هذه الجرائم التي ترتكب أمامنا لا تخيفنا بل تزيدنا إصرارا وقوة. لكنني صدمت في تلك اللحظة ولم أنجح حتى في الانبطاح وكأني أصبت بالشلل رغم صياح الناس والغاز المسيل للدموع والجيش الذي يصرخ بي لكي أهرب. ثم شاهدت ملثمين في الطابق الأول من عمارة مقابلة يوجهان سلاحهما نحوي وقناصا على سطح العمارة التي يقول البعض إنها مركزا للمخابرات. فمرت رصاصة من عنقي واخترقت كتفي. زحفت لاختبأ وراء شجرة لا تزال تحمل آثار الرصاص الذي ما انفك يهطل علينا وكان تحتها حوالي سبعة قتلى. والناس تصورني من بعيد وأنا أحاول أن أبقى واعيا حتى لا أذهب في غيبوبة فناديت حتى بح صوتي. ثم زحفت على بطني بحثا عن مكان نظيف أموت فيه ولمست بيدي كتفي فوجدت فيه ثقبا يخترق ظهري وقلت أديت الشهادة. فاستسلمت وكنت متأكدا أنني ألفظ أنفاسي الأخيرة وبكيت قائلا لنفسي "يا شهداء سألتحق بكم دون أن أكمل المشوار". ثم حملني البعض وخالوا أني مت فهتفوا "الشهيد حبيب الله" لكنني عدت إلى الوعي وصحت بهم "إني لم أمت ما زلت حيا !" كان الوضع هستيريا فسدوا الثقب في جسدي بعلم تونس وحملوني إلى نقطة للجيش ونقلت إلى المستشفى العسكري حيث خضعت لعملية دامت ساعات.
لم أمت ففكرت "اسمك جهاد وأنت مولود في 14 يناير/كانون الثاني 1987 عام وصول بن علي للحكم.. بقيت على قيد الحياة

جروح جهاد مبروك
الصورة : مها بن عبد العظيم

لأتمم مهمة. يجب أن أكمل المسيرة. وزغردت أمي أمام المستشفى قبل أن تتأكد إن كنت حيا أم ميتا وشعرت بفرح عائلتي لخبر نجاتي وفخرهم بي. وأنفقت عائلتي كل ما تملك في علاجي. واضطررنا أن نقبل تعويضا قدره 3 آلاف دينار – نحو 1500 يورو- من حكومة الباجي قائد السيبسي بسبب الظروف الصعبة وغياب أي حل آخر. وقدمت لي لجنة حماية الثورة في الشابة بعض الأدوية البسيطة والضمادات لتذكرني بعدها في إحدى الصحف بأسلوب الخطابات الجوفاء كمثال على "عملها الدؤوب" من أجل جرحى الثورة. فسارعت بإصدار رد للتكذيب. ويبدو أنهم تلقوا مساعدات من رجال أعمال أرادوا معالجتي لكني لم أر منها مليما واحدا.
عن أي عدالة انتقالية تتحدث الحكومة اليوم ؟ عن تلك التي ستعوض الملايين للمساجين السياسيين؟ أين هي التنمية في المناطق المهمشة؟ لماذا لا يوزعون الملايين على الفقراء الذين أخرجوهم من السجن؟ ويأتينا إلى الشابة رؤساء أحزاب ويحدثوننا عن الجرحى بخطابات فضفاضة وهم لم يتمكنوا حتى من ضبط حصيلة لعدد الشهداء والجرحى. من سيعالج الجرحى؟ وبعد أن ادعت لجان الثورة أنها ساعدتني، فكر الناس أنني أقبض المال بسبب جروحي فتعرضت عائلتي مجددا للمضايقات وابتعد الناس عن أبي الذي فقد عمله واضطر أخي إلى الهجرة إلى ليبيا وحرمت أختي من المساعدة المالية البسيطة التي تمنح للعاطلين من حاملي الشهادات لأنها لم تتمكن من الحضور إلى مكتب الشغل بانتظام نظرا لأنها تعتني بي. مواقف عبثية. وتتمثل حقوق الجرحى في العلاج المجاني ومعاش ثابت وبطاقة تحمل صفته تسهل له الشؤون الإدارية. لكننا لم نثر من أجل راتب. ولم ترق بلادنا إلى المستوى الذي يسمح لنا المطالبة بأي شيء من هذا. أنا خرجت إلى الشارع للاحتجاج على الظلم والخصخصة والبطالة. ولن أطالب اليوم بمال أولى به أن يذهب به للعاطلين. كل ما أريد هو أن أعالج. لا أريد تعويضا فالمال لن يعيد لي جسدي. تونس هي الأرض التي تعيش فيها ومنحتك اسمها و قمحها لتأكل منه.. عمرك فداها.
أنا لا أدعي النضال فالنضال كلمة كبيرة. كل ما يمكنك فعله هو العمل على توعية الناس، هو أن يقمعوك وأن تواصل النشاط هو أن لا تقدم الولاء والطاعة للناس الذين يغتصبون بلادك وأن تقاومهم مرة أولى وثانية وثالثة. كل ما أريده هو أن أؤدي واجبي تجاه وطني. فلا أريد مالا ولا تعويضات. كل ما أريده هو أن أعالج وأن أجد عملا. إني أخرج في المظاهرات وأصور الناس وأتقاسم المعلومات على شبكات التواصل الاجتماعي ليرى الكل ما يجري في البلاد. فإذا نجحت في توعية شخص واحد فهو سيوعي شخصا آخر وتتسع حلقة الوعي.
من قال أن من أصابني بالرصاص ليس من الجيش؟ من هم القناصة؟ طالما لم يتم القبض على القتلة فلا أستطيع الجزم بشيء. ولماذا لم يدافع عني الجندي الذي كان يصرخ بي لكي أهرب؟ كل هذه الأسئلة التي دون جواب ظلت تعمق جراحنا. السكوت والتستر على قتلة الشهداء تواطؤ في القتل.
إنهم يدعون في كل مرة أن هناك أسرارا لا يمكن إفشاؤها لمصلحة البلاد. فهل مصلحة البلاد فوق دم الشهداء؟ والجيش متواطىء كذلك في المحاكمات العسكرية فمثلت في السابع من نوفمبر/تشرين الثاني 2012 أمام المحكمة العسكرية في صفاقس لأنني لم أؤد الخدمة العسكرية وطالبوني بإحضار ما يثبت أنني جريح ! إنها مهزلة فهم عاجزون حتى عن التنسيق مع وزارة الشؤون الاجتماعية، وفي ذلك إهانة لجرحى الثورة. لكل هذه الأسباب أنا احتقر الجيش ووزارة الداخلية.
لم يتغير شيء ما عدا السرقة التي صارت أكثر تفشيا في البلاد وأنماط القمع التي تغيرت وازدياد أعداد أشباه الرجال الذين نزلوا إلى الشوارع في 14 يناير/كانون الثاني لالتقاط صور تذكارية. ما نعيشه اليوم هو امتداد لنظام بن علي. والحكومة اليوم تعمل على تشويه صورة الشهداء والجرحى ولم تضع قائمة نهائية لهم لتقرر من يستحق المداواة ومن لا يستحقها فيشككون في صفتهم كجرحى الثورة، ويتهمونهم بتعطيل عمل الحكومة. من المفروض أن تداوي الدولة كل من يصاب بالرصاص على أرضها أولا ثم أن تتثبت من صفته إن أرادت فيما بعد. والإسلاميون اليوم كونوا "لجنة الشهداء وجرحى الثورة والعفو التشريعي العام" التي ترأسها إحدى النائبات عن حزب النهضة في المجلس التأسيسي وكل ما في الأمر أنهم يستغلون قضية الشهداء والجرحى لتقديم تعويضات مالية ضخمة للإسلاميين الذين سجنوا في عهد بن علي. الإسلاميون يريدون تحريف التاريخ وإعادة كتابته، تماما كما حاول بن علي من قبل فعله، وكما فعل بورقيبة مع "الفلاقة" على سبيل المثال فمحاهم من الذاكرة ونحن مازلنا نجهل مصيرهم حتى اليوم. الإسلاميون يريدون فصلا جديدا في التاريخ لصالحهم فيدعون البطولة وينشرون مندسين يدعون أنهم جرحى الثورة فيخرجون في صورة انتهازيين لتشويه صورة الجرحى الحقيقيين وتقزيمهم والتقليل من شأنهم.
 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.