تونس

الصحفيون التونسيون بين تهديدات المتشددين وضغوط السلطات

عماد بنسعيد

تتعرض الصحافة التونسية منذ اغتيال شكري بلعيد لضغوطات خانقة من قبل السلطات بينما تم إدراج عدد من الصحافيين ضمن قوائم سوداء تطالب بتصفيتهم.

إعلان

موفد فرانس24 إلى تونس

تونس تحت صدمة اغتيال المعارض والحقوقي شكري بلعيد

يبدو أن حادثة اغتيال شكري بلعيد أدخلت تونس في دوامة سياسية واجتماعية لم يستقر لها قرار بعد. الصدمة هزت الرأي العام، والإعلام  التونسي تناول الاغتيال غير المسبوق في تونس بإسهاب نظرا لخطورته ولعدم توقعه، وكذلك كون شكري بلعيد كان من أبرز ضيوف البرامج الإعلامية والتلفزيونية وأكثرهم جذبا للاهتمام ما رفع من شعبية المعارض اليساري الشهير إلى مستويات قياسية قل أن حظي بها ساسة تونسيون . وهو ما قد يفسر إلى حد ما ضخامة الوداع الذي خُص به بلعيد حيث خرج قرابة المليون و400 ألف شخص في جنازة مهيبة وتاريخية لوداعه الوداع الأخير.

بعض رموز الصحافة والإعلام التونسي ومنذ السادس من فبراير/شباط الجاري يتعرضون إلى عدد من الضغوطات التي تبدو منظمة ، فيما قد يعد محاولة جديدة ومستمرة لتدجين الإعلام الذي لم يخضع كما ينبغي إلى مشيئة السلطات والترويكا ومن ورائها حزب النهضة الحاكم أو من قبل المتشددين الذين طالما وصفوه “بإعلام العار”

صحافيون على رأس قوائم سوداء تطالب باغتيالهم

صفحات على فيس بوك ومواقع "إنترنت" محسوبة على تيارات سلفية متشددة كانت قد دعت إلى تصفية عدد من الشخصيات التونسية التي وصفت بالعلمانية الكافرة والمعادية للإسلام وأفردت ذلك في قوائم سوداء، وكانت قائمة "إسلامي المروج" مثلا قد نشرت قائمة غلب عليها الإعلاميين على غرار الصحافي والمعارض الشرس لبن علي وللنهضة توفيق بن بريك، الصحافي معز بن غربية، الكاتبة ألفة يوسف، الصحافي نوفل الورتناني ... المدونة ألفة الرياحي وكان على رأسها أيضا المعارض والحقوقي المغتال شكري بلعيد.
هذه القوائم السوداء لا يمكن التثبت من صحتها أو دقتها أو الجهة التي تقف ورائها، إلا أن الإجماع يبدو حاصلا على جديتها، وطابعها التحريضي يأخذ على محمل الجد.

  هيثم المكي "تلقيت رسائل تقول إنه سيتم اغتيالي يوم 12 فبراير" ولكن الضغوط والتهديدات لن تغير مواقفي 

هيثم المكي صحافي في راديو موزاييك ومنشط فقرة يومية تشهد إقبالا كبيرا من قبل التونسيين على راديو موزاييك أف أم ، تلقى هو و زميله الصحافي نوفل الورتاني من تلفزيون التونسية مؤخرا تهديدات بالتصفية الجسدية وصلت إلى مقر عمله في الراديو ، حيث أكدت رسالة أنه وزميله الورتناني ستتم تصفيتهما يوم الثلاثاء 12 فبراير الجاري.

هيثم قال لفرانس 24 إن التهديدات التي يتلقاها بشكل شبه يومي لم تتوقف في الواقع إلا أنه بعد اغتيال بلعيد أضحت أكثر جدية . فقرة "الكرونيك" التي يقدمها هيثم تتضمن نقدا لاذعا وساخرا للنظام والشخصيات السياسية بأسلوب سلس وطريف ومقاربة جديدة ..مواقف المكي من الأحداث في تونس والأوضاع السياسية يعدها البعض مناوئة للنهضة، ما جلب عليه وبال أنصارها ، وما قد يكون تسبب في طرده ،على حد تعبيره ،من أحد البرامج الحوارية التي كانت تبث على القناة الوطنية التونسية.

ويقول هيثم “هذه الحملة والتهديدات لن تجعلني أحيد عن مواقفي، فالخوف لم يعد إليه سبيلا إلى قلوبنا. هناك من الصحافيين من غيّر مواقفه بعد أن وصلتهم تهديدات بالتصفية الجسدية خوفا أو إغراء من السلطة والنظام القائم واستقالوا من مسؤولياتهم واضطلعوا بأخرى ، لكني شخصيا لن أفعل ذلك ولو تحول التهديد بالقول إلى الفعل",
ويضيف مكي “ هذه الحكومة فاشلة بشهادة رئيس حكومتها حمادي الجبالي نفسه، والإعلام يعرض فقط الوقائع ولا يتحمل مسؤولية فشلها، ولا نفهم لماذا زج بالصحافيين في هذا الصراع السياسي اليوم".

محاولات تكبيل هذا الإعلام الذي استرجع مكانته لدى المواطنين بعد الثورة، لن تتحقق والتهديدات قد تكون السلاح الأخير لبعض الأطراف لإرهاب الصحافيين وإجبارهم على تغيير مواقفهم وتناولهم الإعلامي للأحداث. هيثم يؤكد أن التهديدات التي وصله بعضها يوم اغتيال بلعيد وآخرها تلقاها منذ يومين، تبين أن الصحافيين اليوم مستهدفين في سلامتهم الجسدية ما يضفي مصداقية على المعلومات التي تلقاها هو وعدد من زملائه من قبل جهات أمنية حذرتهم من أمكانية تصفيتهم من قبل أطراف متشددة بسبب طبيعة عملهم ومواقفهم المعلنة

زياد الهاني يقول "ظروف غير تقليدية دفعتني لانتهاج طريقة غير تقليدية للمطالبة بالتحقيق في تورط عناصر أمنية في اغتيال بلعيد".

استجوب القضاء التونسي الاثنين الصحافي زياد الهاني عضو المكتب التنفيذي لنقابة الصحافيين التونسيين (مستقلة)، على خلفية ادلائه بتصريحات حول الاشتباه بتورط مسؤول كبير في وزارة الداخلية في اغتيال المعارض العلماني شكري بلعيد.

ونقلت وكالة الانباء الرسمية عن فوزي بن مراد محامي زياد الهاني ان قاضي التحقيق بمحكمة تونس الابتدائية استجوب موكله بصفته "شاهدا" في القضية وليس متهما.

وافاد المحامي ان موكله ادلى أمام القاضي "بمعلومات على درجة كبيرة من الخطورة وذكر أسماء اناس يحتلون مواقع مختلفة في أحزاب (سياسية) وفي الدولة، وطلب من قاضي التحقيق سماعهم" رافضا كشف اسمائهم بسبب "سرية التحقيق".

ولم يوضح المحامي ما اذا كان الهاني طلب من القاضي سماع الاشخاص المذكورين كشهود أو متهمين.

واضافت الوكالة ان الصحافي طلب ان يتولى القضاء العسكري القضية عوضا عن القضاء المدني لان المشتبه به يعمل في وزارة الداخلية.

أ ف ب

الصحافي وعضو نقابة الصحافيين التونسيين زياد الهاني ظهر على شاشة تلفزيون نسمة الخاصة يوم الجمعة الماضي وقدم معلومات على الهواء مباشرة تتهم مسؤولا بارزا في وزارة الداخلية التونسية بالتورط في اغتيال المعارض اليساري البارز شكري بلعيد.

تصريحات كانت بمثابة القنبلة في هذه الظروف المتوترة والمشحونة أصلا، ما استدعى تدخلا فوريا من قبل المتحدث باسم وزارة الداخلية خالد طروش الذي استنكر هذه التصريحات وأكد أن وزارته ستلجأ إلى القضاء بخصوص هذه الادعاءات.
ما أن أنهى زياد الهاني مشاركته في هذا البرنامج الحواري حتى وجد في انتظاره خارج "الأستديو" سيارة شرطة سلمته استدعاء للمثول أمام قاضي التحقيق في اليوم التالي الذي يصادف بداية العطلة الأسبوعية ما يدفع إلى التساؤل عن الجهة التي أسرعت باستصدار الاستدعاء وتنظيم جلسة للاستماع إلى نقيب الصحافيين وتحديد موعد بهذه السرعة القياسية، في حين أن إجراءات مماثلة في قضايا أخرى غالبا ما تستوجب الانتظار أسابيع أو أشهر كاملة.. فهل السرعة في الإجراءات هي ترهيبا من قبل السلطة لخنق الصحافيين والإعلاميين ومواصلة لسياسة العصا لمن عصا التي كان ينتهجها الرئيس السابق زين العابدين بن علي؟
زياد الهاني قال لفرانس24 إن الظروف الحالية وكل ما يتعرض إليه الصحافيون من تهديدات وترهيب عبر القوائم السوداء التي تطالب برؤوسهم أو المضايقات الأمنية ، تبقى حالات مفتوحة أمام كل الاحتمالات وقال إنه اختار كشف المعلومات التي كانت بحوزته بدل انتظار تحقيقات قد يتم طمسها أو تهميشها  ويضيف "هناك معلومات متقاطعة عن اختراق وزارة الداخلية والهياكل الأمنية من قبل عناصر نهضوية، وكانت تصريحات لعدد من المسؤوليين السياسيين تصب في هذا الإطار وقد تحدثت عن عزم قيادات أمنية في الداخلية القيام بعمليات إرهابية وكذلك تحدث إعلاميون عن وجود أجهزة امنية موازية للأجهزة القانونية وحتى أن أحمد نجيب الشابي صرح بأن مسؤول من النهضة متواجد في قاعة العمليات في وزارة الداخلية، فكيف لي الآن أن أثق في الطرق التقليدي لطلب فتح تحقيق في ذلك؟ شخصيا في ظل هذه الظروف غير التقليدية التي تمر بها تونس اخترت طريقة غير تقليدية لدفع وكيل الجمهورية للتحقيق في صحة المعلومات التي أمتلكها عن تورط شخصية عليا في وزارة الداخلية في اغتيال شكري بلعيد".

“الشكوى كان لا بد من توجيهها إلى وكيل الجمهورية بحضور الرأي العام"

وعن سرعة الإجراءات القانونية لمثوله أمام قاضي تحقيق بعد دقائق من نهاية مشاركته في البرنامج التلفزيوني يقول زياد "في كل الحالات كنت مستعدا للتحقيق في أي لحظة، فأنا من طالب بالتحقيق في هذا الحدث غير المسبوق في تونس لكن تعامل السلطة بمثل هذه السرعة قد يعنى أيضا أن الإعلام اليوم يخوض معركة حقيقية حيث تحاول جهات حكومية أو متشددة إسكاته لكن الإعلاميين اليوم قرروا مصارحة الرأي العام بكل ما يتوصلون إليه، كل الحقائق الموثقة سيتم كشفها مهما ارتفعت التكاليف . كما قد يبين أيضا أن السلطات تعمد من خلال ذلك إلى ترهيب الصحافيين، ليكونوا عبرة لغيرهم خاصة إذا ما تعلقت الأمور بملفات شائكة وحساسة من هذا القبيل".  ويضيف الهاني "الإعلام التونسي اليوم إعلام حر لن يدخل في جلباب الوصاية كما كان عليه الحال قبل الثورة ولن يكون بوق دعاية ولا أداة لتزييف الحقائق مهما كانت التضحيات حتى ولو وصلت إلى التصفية الجسدية فالحرية غالية، وثمنها قد يكون باهظا.."

الإعلام اليوم في تونس اكتسب نقاطا جيدة ويؤكد المراقبون بأن حرية الإعلام والتعبير تبقى إلى حد الآن المكسب الأكثر وضوحا من الثورة التي أطاحت بزين العابدين بن علي ولو أن هامش حرية الصحافة قد تراجع بأربع درجات بحسب تقرير منظمة مراسلون بلا حدود، إلا أن عزم الصحافيين التونسيين يبدو كبيرا على الرقي بمهنتهم إلى مرتبة السلطة الرابعة كما هو الشأن عليه في الديمقراطيات العالمية مهما كانت الضغوط والتهديدات بالقتل والتصفية..

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم