تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بشار الأسد... من الوعد بالانفتاح إلى الاستبداد

يؤكد الرئيس بشار الأسد أن سوريا لن تعيد سيناريو مصر وتونس وليبيا التي غادر زعماؤها طوعا وكرها من على كراسيهم، فسوريا بالنسبة لبشار تواجه مؤامرة خارجية تلعب فيها المعارضة دور المنفذ. كيف أصبح طبيب العيون بشار، الذي جاء إلى كرسي الرئاسة وريثا لوالده حافظ الأسد، رئيسا لنظام سياسي تتزايد المطالب يوما بعد يوم بمحاكمته على قتل عشرات الآلاف من السوريين؟

إعلان

 منذ الأشهر الأولى التي تلت اندلاع مظاهرات درعا، توالت الدعوات العربية والدولية إلى الرئيس الأسد بالتنحي لفسح المجال أمام انتقال سياسي سلمي للسلطة في سوريا، قبل أن تتحول البلاد إلى مجال كبير خارج عن السيطرة تسوده حالة العنف والفوضى.

وكل مرة، يجيب بشار بالرفض، لأن الحل في سوريا حسب الأسد لن يعيد بتاتا سيناريو ما حدث في تونس أو مصر أو ليبيا، والثورة الشعبية التي اندلعت في بلاده، في نظر الأسد، لا تعدو أن تكون مؤامرة كبرى تخطط لإسقاط رأس الحكم في دمشق لتليها ترتيبات أخرى تطال دول المنطقة والمجال العربي والإسلامي القريب.

في بداياته الأولى على رأس السلطة في سوريا اقترن اسم الأسد بربيع دمشق قبل أن يصبح اليوم موضوعا لمطالب بالإحالة على المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي لمسؤوليته عن مئات الآلاف من القتلى الذين سقطوا في سوريا. فكيف لطبيب العيون الذي درس الطب في لندن وظل معروفا بعلاقته الطيبة بمرضاه أن يصبح طاغية في سوريا؟ ما هي الأسرار التي تحكمت إلى اليوم في استمرار النهج الدموي الذي سار عليه الأسد؟

 

الأوجه المتعددة لبشار

في كتابه "دكتور بشار.. مستر أسد" سعى المحقق الصحافي الفرنسي "جان-ماري كيمينير" إلى الإجابة على هذا السؤال الكبير. "كيمينير" يقول إن لبشار الأسد أوجها متعددة: بشار الطالب الخجول والكتوم، وبشار وريث كرسي السلطة خلفا لوالده حافظ الأسد، وبشار المتحالف مع رجال الأعمال وبشار الديكتاتور.

ويعود المحقق الصحافي الفرنسي إلى المساحات الغامضة في حياة بشار الأسد حين كان طالبا في الجامعة، حيث ظل يعرف بهدوئه الشديد مقارنة بشقيقيه باسل وماهر الأسد اللذين عرف عنهما شغبهما الشديد.

ويورد "كيمينير" قصة تعود إلى أيام الأسد في جامعة دمشق، حيث كان الوحيد وسط قاعة تغص بالطلبة كلهم يصفقون عند ذكر اسم قائد البعث، وبشار بينهم لا يحرك ساكنا مما استرعى انتباه بعضهم، فلامه من لا يعرف، قبل أن يكتشفوا أنه ابن الرئيس.

هدوء بشار لازمه بعد أن أصبح رئيسا، في لقاءاته وسطاء الأزمة السورية أو خلال جولاته القليلة في دمشق والقصف متواصل على حمص وحلب، أو في أحاديثه للصحفيين. وقد دفع هذا الهدوء اللافت مجلة "لونوفيل أوبسيرفاتور" الفرنسية إلى التساؤل عمّا إذا كان الرئيس بشار أحمقا، تعليقا على حديثه لصحيفة "أ ب سي نيوز" الذي نفى فيه أن يكون وراء أوامر قيادة الحرب، "لأنه، كما يقول، لا يمكن لحكومة ما أن تفعل ذلك في شعبها إلا إذا كان يقودها شخص أحمق".

يقول "جان-ماري كيمينير" في حديث لإذاعة فرنسا الدولية إن بشار الأسد لا يعاني من ازدواجية في الشخصية، إنه ذا شخصية مركبة، نشأ في ظل أخيه باسل الذي كان بارعا في كل شيء، في شؤون الجيش والسلاح والرياضة كما في العلاقة مع النساء.. وبشار كان في الظل دائما حيث اختار أن يكون طبيب عيون.

 

جينات الديكتاتور

ولأن الدكتاتور إما أن يكون بالنشأة أو يدفع إلى ذلك من بطانته وخصومه، فإن بشار الأسد يجمع الحالتين معا. فهو الطالب في طب العيون الذي لم يكن معنيا بشؤون الحكم، وظل طيلة سنوات الدراسة منصرفا إلى شؤون الطب وآلام المرضى، وهي الفترة التي التقى فيها الحسناء الإنكليزية أسماء الأخرس التي تنحدر عائلتها السنية من مدينة حمص. تزوجها الأسد فيما بعد وأنجبت له حافظ الأسد تيمنا بجده وزين وكريم.

منتقدو بشار يقولون إنه، ولو انصرف إلى الطب، فهو كان يحمل داخله جينات ديكتاتور نائمة. وعندما كبر وبإلحاح منه وافق والده على إرساله لبريطانيا ليتابع دراسة طب العيون.

ويكاد يجمع المؤرخون على أن لحظة تحول طبيب العيون إلى السياسة كانت حين تلقى هاتفا من دمشق يخبره بمقتل أخيه باسل الأسد في حادثة سير مفجعة في دمشق ويطالبه بالعودة، ليبدأ بعد ذلك رحلة التحكم في آليات السلطة في سوريا بدءا بحزب البعث والطائفة العلوية ووحدات الجيش.

لقد اكتشف بشار أن عليه إدارة سوريا بدل طب العيون، وبعد رحيل أخيه باسل بات هو وريث العرش الأسدي، ولم يمنعه صغر سنه حين توفي والده حافظ من التربع على كرسي الرئاسة بعد تعديل دستوري سريع خفض سن "الرشد الرئاسي" إلى 34 عاما وهو سن بشار آنذاك، بدل 40 التي كانت تشترطها الصيغة الأولى للدستور.

 

بنى الاستبداد

خلال السنوات الأولى لتوليه حرص الأسد على بعث رسائل إيجابية للشعب وللخارج، في هذا السياق طفا شعار "ربيع دمشق" ليصف جو الانفتاح والإصلاحات التي أعلنها الرئيس الشاب بشار الأسد.

غير أن "ربيع دمشق" لم يحل في كل مساحات سوريا، وظلت بنى النظام القديم تتحكم في جوهر الحياة السياسية في البلاد.

فالانتماء إلى الطائفة، الذي تحول مع الرئيس حافظ إلى انتماء سياسي يتحكم في مفاصل الحزب والدولة والجيش، استمر مع بشار. والتحالف مع رجال الأعمال للسيطرة على بنى الاقتصاد تواصل ليمنع صعود أي فئة اجتماعية قد ترفع مطالبها السياسية غدا.

وداخل الجيش مضى الرئيس بشار في الحفاظ على التركيبة السحرية التي تضمن ولاء الضباط وتمنع أي محاولة للتمرد أو الانقلاب، كل ذلك تحت مراقبة أجهزة أمنية تتم التعيينات داخلها وفق منطق الانتماء إلى الطائفة العلوية أوالولاء للأسرة الحاكمة.

ولا ندري هل كان للرئيس الشاب بشار، وسط هذه البنى الثقيلة، الاختيار بين الديمقراطية والاستبداد كما سار عليه والده، غير أنه اختار في لحظة اندلاع المطالبة بالإصلاحات أن يسلك مسار الحفاظ على الوضع القائم.

يفسر المحقق الفرنسي ذلك بأن الدكتاتور من طبعه لا يتنازل.. ومن الصعب عليه أن يفعل ذلك، خصوصا في حالة بشار الذي لا يمكن مقارنته بمبارك وبن علي، حيث يوجد في وضعية سياسية وعسكرية داخلية مريحة نسبيا تسمح له أن يردد إلى اليوم أنه سيقاتل حتى النهاية.

وإذا كان "زملاؤه" في السلطة، في مصر وتونس، قد اختاروا خطابهم الثالث للانصراف عن السلطة والتنحي، قال بشار الأسد في خطابه الثالث المؤرخ في11 يناير/ كانون الثاني 2013 "أعلم أنني غبت فترة طويلة عن الإعلام لكنني اشتقت لمثل هذه اللقاءات للتواصل المباشر مع المواطنين لكني كنت دائما أقوم بمتابعة الأمور اليومية وتجميع المعطيات كي يكون كلامي مبنيا على ما يقوله الشارع".

ar/ptw/2013/01/06/WB_AR_NW_SOT_ASSAD_DISCOURS_1_NW125767-A-01-20130106.mp4

الشارع السوري اليوم يكاد كله ينطق لغة السلاح أو العمليات الانتحارية.. بعد أن منعت المظاهرات السلمية منه.. وما تتهيب منه الشوارع السورية كلها، سواء تلك التي تحدث عنها بشار أو غيرها هو مستقبل غامض، يحرق البلاد وما جاورها..

 

 سفيان فجري

 

النشرة الإعلاميةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.