تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرض بوتفليقة... الجيش والسياسة وأسئلة ربيع عربي في الجزائر

لا يخفي الحديث عن مرض الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة ونقله للعلاج في باريس المخاوف من مخاطر فراغ سياسي يهدد البلاد ويبعث من جديد الصراع القديم بين السياسي والعسكري. الرئاسة الجزائرية استبقت لجوءا محتملا للفصل 88 من الدستور الذي يتحدث عن حالة عجز الرئيس بعد أن بوغتت بالإعلان المفاجئ عن مرضه.

إعلان

الرئيس بوتفليقة ينقل إلى مستشفى بباريس لإجراء فحوصات بعد "الجلطة العابرة"

تتوالى البيانات من قصر المرادية ووكالة الأنباء الرسمية مؤكدة تحسن صحة الرئيس بوتفليقة الذي يخضع لعلاج في مستشفى فال دو غراس الباريسي بعد إصابته السبت الماضي بجلطة دماغية "عابرة". ومع توالي البلاغات الرسمية يستمر تناسل التساؤلات حول المستقبل السياسي لبوتفليقة بعد الإعلان عن مرضه عام قبل الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في أبريل/نيسان 2014.

إعلان مفاجئ

جاء الإعلان الرسمي عن مرض الرئيس بوتفليقة وإصابته بجلطة دماغية استدعت نقله إلى باريس لاستكمال العلاج مفاجئا، حيث جرت عادة النظام الجزائري على تدبير قضايا مرض الرئيس باعتبارها قضايا أمنية وسياسية شائكة يسري التكتم على تفاصيلها ولا يسمح بخروجها إلى العلن.

والإعلان الرسمي عن مرض الرئيس قد يجد تفسيره في ثلاثة اعتبارات هي:

أولا: أن الإعلان عن إصابة بوتفليقة بالجلطة الدماغية "العابرة" جاء قبل أيام من نهائي كأس الجزائر لكرة القدم الذي اعتاد رئيس الجمهورية حضوره ولم يتم التخلف عنه سوى في حالتين: الأولى كانت مع الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد الذي لم يحضر نهائي 1989 لأسباب سياسية وأمنية ارتبطت بالظروف التي عاشتها البلاد آنذاك. أما الغياب الثاني المؤكد فهو للرئيس بوتفليقة الذي من المتوقع أن ينوب عنه رئيس الوزراء عبد المالك سلال.

ووفق هذا الاعتبار جاء الإعلان لتفادي ما قد يثيره غياب بوتفليقة عن مباراة الأربعاء، خصوصا بعد أن بدا متعبا في آخر ظهور رسمي له في 17 من الشهر الجاري خلال تشييع الرئيس السابق علي كافي.

ثانيا: أن الإعلان الرسمي استبق تسريبا قد يكون مصدره من فرنسا، نظرا لانتقال الرئيس إلى العلاج في باريس. وقد يجد هذا التخوف الرسمي تفسيره في قانون الشك الذي ما زال يتحكم في العلاقات الفرنسية الجزائرية عقودا بعد الحقبة الاستعمارية.

ar/ptw/2013/04/28/WB_AR_NW_GRAB_VAL_DE_GRACE_NW282466-A-01-20130428.mp4

لا ولاية رابعة

أما الاعتبار الثالث فهو أن الإعلان جاء من أجل وقف سيناريو ترشح الرئيس بوتفليقة لولاية رئاسية رابعة، حيث أن النتيجة المباشرة للإعلان عن مرض الرئيس رسميا تكون تعزيز أصوات الداعين إلى عدم ترشح بوتفليقة لولاية أخرى.

في هذا السياق يفسر الباحث السياسي الجزائري رشيد غريم في تصريح لصحيفة الوطن الجزائرية، إعلان الحكم عن مرض الرئيس بأنه نهاية لأي آمال في ولاية رابعة، خصوصا وأن قضية المرض مرشحة للتكرار خلال السنة الجارية التي تميزها أجندة سياسية مكثفة بعناوين التعديل الدستوري والتحضير لانتخابات 2014.

ويرى الصحافي في جريدة الخبر الجزائرية عثمان لحياني في حديث لفرانس 24 أنه لا توجد كثافة في الإخبار بما يتصل بالرئيس وأن كل ما هنالك هو عبارة عن بيانات مقتضبة وأن السلطة ظلت وفية لمنطق الانغلاق الإعلامي.

عثمان اعتبر أن الوضع حرج أكثر مما تم الإعلان عنه وأن السلطة في الجزائر تتدرج في إخبار الرأي العام، وأن الأمر المؤكد هو أن بوتفليقة لن يكون مرشحا لانتخابات 2014، لأن البيان الرسمي تحدث عن فحوصات عميقة وفترة نقاهة.. والمعارضين والمناصرين لبوتفليقة سيرفضون معا أن يقود البلاد رئيس مريض.

الجيش والسياسة

إن ربط إعلان مرض الرئيس برغبة في "إجهاض سيناريو الولاية الرابعة" يفترض أن الأمر كان مرتبا وأن هناك رغبة ما في إنهاء المشوار السياسي لبوتفليقة الذي حكم البلاد لأكثر من عقد من الزمن.

يقول عثمان لحياني، الصحافي في جريدة الخبر الجزائرية، إن الرئيس بوتفليقة كان في الفترة الأخيرة موضوعا لحملة سياسية وإعلامية مكثفة وممنهجة ركزت عليه وعلى محيطه السياسي والعائلي.

وحول دور محتمل للمؤسسة العسكرية في هذه الحملة يقول عثمان إنه "لا يوجد هناك عاقل لا يتحدث عن وجود صراع بين الرئاسة والجيش.. وصراع مثل هذا أمر طبيعي في بلد ذا ثروة نفطية وعائدات.. والجيش على الرغم من أنه أعلن أنه خارج اللعبة السياسية فالمؤسسة الأمنية ما زالت تمثل رقما فاعلا في السياسة الداخلية في الجزائر".

من جانبه يقول المنار اسليمي رئيس المركز المغاربي للدراسات الأمنية وتحليل السياسات إنه على الرغم من الفترة التي قضاها الرئيس بوتفليقة على رأس السلطة في الجزائر فإنه لم يستطع الحد من قوة ونفوذ الجيش، وأن الإعلان عن مرض الرئيس والتساؤلات التي ارتبطت به هو مؤشر عن وجود هذا الصراع.

يقول اسليمي إن محيط الرئيس بوتفليقة حاول استباق المادة 88 من الدستور التي تشير إلى التدابير التي يتم اتخاذها في حالة عجز الرئيس، حيث سارعت الرئاسة إلى إعلان استقرار حالة الرئيس وتحسنها لتمنع اللجوء إلى هذه المادة.

إن التساؤلات التي بعثها الإعلان عن مرض الرئيس، يؤكد اسليمي، تثير فراغا سياسيا في البلاد يمكن أن يدفع الجيش إلى تنفيذ انقلاب لكن بغطاء دستوري يتخذ من الفصل 88 قاعدة له، أي أنه سيكون انقلابا عسكريا بمقتضيات دستورية. ويشير اسليمي في هذا السياق إلى الخروج الإعلامي الأخير لرئيس مجلس الأمة الأسبوع الماضي مع العلم أن رئيس مجلس الأمة هو من يتولى مهام رئيس الدولة في حالة عجزه وفق المادة 88.

إن مخاطر الفراغ في الجزائر تقابلها عوامل أخرى يضيف اسليمي، هي الحراك الاجتماعي الذي يشهده الجنوب والسياسي مع تنامي المطالب الأمازيغية وتداعيات قضايا الفساد في محيط الرئيس بوتفليقة هذا بالإضافة إلى التحدي الأمني والمخاطر الإرهابية التي قد تأتي من البلد الجار مالي.

مقدمات ربيع جزائري؟

يقول اسليمي إن الجزائر وفق هذه العوامل مهيأة لربيع عربي، لأن المال الذي يذره النفط لم يستطع شراء السلم الاجتماعي
وعن دور محتمل قد يلعبه الجيش في انتقال سلمي إلى الديمقراطية قال اسليمي إن الجيش الجزائري كان طرفا في الصراع خلال العشرية السوداء، وليس مثل الجيش التونسي الذي كان محايدا وهو بالتالي لا يمكن أن يلعب دور الضامن للانتقال السياسي إلى الديمقراطية.

بالنسبة للصحافي في جريدة الخبر إن سيناريو ربيع عربي جزائري إن حصل يمكن أن يتم بتوافق القوى السياسية والمدنية بعيدا عن أي تكلفة بشرية .. "سيتم ضمان انتقال سلمي في البلاد بعيدا عن شبح العشرية السوداء".

وسواء هب الربيع في الجزائر أو تأجل يخلص رئيس المركز المغاربي للدراسات الأمنية وتحليل السياسات إلى أن الجزائر اليوم لم تعد قادرة على الاستمرار بالمفارقة القديمة: رئيس مريض في السلطة ويحرص على إخفاء مرضه للاستمرار.. إن الأمر مفتوح اليوم، يقول اسليمي، أكثر من أي وقت مضى على احتمالين: اعتزال بوتفليقة المريض أو انقلاب ينفذه الجيش وفق مقتضيات دستورية تقوم على الفصل 88.

سفيان فجري

النشرة الإعلاميةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.