سوريا-إيطاليا

الصحافي الإيطالي دومنيكو كيريكو يروي قصة اختطافه في سوريا "لقد تعرفت على بلد الشر"

9 دقائق

روى الصحافي الإيطالي دومنيكو كيريكو الذي يعمل في صحيفة "لا ستامبا" الإيطالية ظروف اعتقاله في سوريا رفقة صحافي بلجيكي آخر يدعى بيار باشيني وكيف تم الإفراج عنهما بعد خمسة أشهر من السجن. وقد نشرت صحيفة "لوموند" الفرنسية قصة الاختطاف.

إعلان

نقلا عن "لوموند" الفرنسية: دخلت إلى سوريا في نيسان/أبريل 2013 بموافقة وحماية الجيش السوري الحر. حاولت الذهاب إلى دمشق لمعاينة الوضع هناك لكنه طلب مني الانتظار لبعض الوقت. في النهاية توجهت إلى بلدة القصير قرب الحدود اللبنانية والتي كانت آنذاك تحت حصار عناصر من حزب الله الموالي لنظام بشار الأسد.

وصلت القصير رفقة موكب إغاثي تابع للجيش السوري الحر، لكن موكبنا تعرض لقصف جوي، الأمر الذي أرغمنا على العودة والبحث عن وسيلة للتوجه إلى دمشق.

وقائع عملية الاختطاف

رافقتا مجموعة من المسلحين التابعين للجيش السوري الحر على متن سيارة رباعية الدفع. بعد وقت قصير من مغادرة المكان أوقفنا من قبل مسلحين مجهولين اقتادونا إلى منزل وانهالوا علينا بالضرب. في البداية قالوا إنهم رجال شرطة النظام، لكن سرعان ما عرفنا بأنهم من المعارضة وكانوا يقيمون الصلاة ويستمعون إلى فتاوى تدعو إلى الجهاد ضد الأسد.

من هو الأمير أبو عمر؟

مسؤول المجموعة التي اختطفتنا يدعى أبو عمر. مجموعته العسكرية مكونة من أبناء المنطقة. وهو يمارس التجارة بشكل غير شرعي ويتعامل مع جماعة جهادية تدعى كتيبة "الفاروق" وهي معروفة في أوساط المعارضة السورية.

it
مقتل الصحافية اليابانية ميكا ياماموتو في حلب 21/08/2012

مكان الاعتقال

اعتقلنا في البداية داخل منزل في منطقة ريفية قرب مدينة القصير لمدة 20 يوما. لكن حزب الله هاجم المنطقة والمنزل الذي كنا نتواجد فيه، واضطررنا إلى مغادرة المكان المستهدف.

الهجمات استمرت لأسبوع كامل، بعد ذلك سلمنا إلى جبهة النصرة التي عاملتنا بشكل إنساني. يعيش عناصر هذه الجبهة حياة عادية وهم مقاتلون متطرفون هدفهم الوحيد إسقاط النظام السوري وتحويل سوريا إلى دولة إسلامية.

وبالرغم من أن جبهة النصرة وضعت على قائمة الجماعات الإرهابية، إلا أنها الوحيدة التي عاملتا بلياقة واحترام.

الفرار من مدينة القصير

في الوقت الذي أشرفت فيه مدينة القصير على السقوط في أيدي مقاتلي حزب الله، قررت كل الكتائب التي تقاتل النظام السوري، بما فيها كتيبة أبو عمر التي اعتقلتني من جديد، مغادرة البلدة رفقة أهاليها.

الطرقات كانت تعج بالعجائز والنساء والأطفال، بين 5000 و6000 شخص مشوا أكثر من 12 ساعة عبر المناطق الريفية هربا من هجمات حزب الله. كان الفرار صعبا والمسافة طويلة دون أكل وماء، إضافة إلى الخوف الشديد لتواجد جنود الأسد بالقرب من المكان.

الطريق إلى حمص

بدأنا ليلا المسير باتجاه حمص. المدينة التي انطلقت منها الثورة السورية. نصفها مدمر ونصفها الآخر يرزح تحت وطأة الخوف والهجمات المتكررة. تعرضنا إلى إطلاق نار كثيف وحاولنا الفرار بسرعة. مشينا فوق الجثث المتروكة في الطريق ثم تمكنا من الوصول إلى بلدة صغيرة واختبأنا فيها.

باعونا لكتيبة الفاروق التي قررت هذه المرة أن نتوجه إلى الشمال صوب الحدود التركية مع وعد بإطلاق سراحنا هناك.

سافرنا لمدة يومين على متن سيارتين عبر الجبال حتى وصلنا إلى منطقة إدلب حيث وضعنا قيد الاعتقال هناك ثلاثة أو أربعة أسابيع داخل قاعدة عسكرية.

نداء استغاثة من أديت بوفييه الصحافية الفرنسية المصابة في حي بابا عمرو في حمص 2012/02/23

المكالمة

خلال فرارنا من القصير، دعاني أبو عمر إلى الجلوس بقربه فطلبت منه هاتفه الجوال لكي أتصل بعائلتي، لكنه رفض بحجة أن هاتفه خارج الخدمة، لكن أعتقد بأنه كان يكذب.

لكن جنديا من الجيش السوري الحر أعطاني هاتفه النقال فاتصلت بعائلتي لمدة 20 ثانية. وهذه هي المساعدة الوحيدة التي قدمت لنا خلال 152 يوما من الاعتقال. لم يشفق علينا أحد وحتى الأطفال الصغار والعجائز تعاملوا معنا بقساوة. أدركت وقتها بأنني تعرفت على بلد الشر.

لقد عوملنا كالحيوانات. وضعونا في غرف ضيقة شبابيكها مقفلة وكانت درجة الحرارة مرتفعة جدا، إضافة إلى عدم توفر الغذاء والمياه. لقد شعرت بالإهانة للمرة الأولى في حياتي.

محاولات الفرار

حاولنا الفرار عدة مرات. المرة الأولى خرجنا من المنزل الذي كنا فيه واتجهنا نحو مكان تشع منه الأضواء. لكنه تم توقيفنا بعد أن قطعنا 200 متر على الأكثر.

المرة الثانية، نجحنا في مخططنا وتمكنا من الوصول إلى بلدة باب الهواء قرب الحدود التركية وبحوزتنا رشاشين من نوع "كلاشنيكوف". لقد اختبأنا داخل منزل مدمر بالريف وحاولنا أن نعبر الحدود السورية التركية لكن الأرض كانت ملغمة.

اضطررنا إلى العودة إلى بلدة باب الهواء. استوقفنا سائق سيارة وطلبنا منه إيصالنا إلى قرية ليست بعيدة، لكنه تم توقيفنا في نقطة تفتيش وتسليمنا إلى المسلحين الذين كنا سجناء عندهم.

فرمونا داخل غرفة مظلمة، بقينا بداخلها ثلاثة أيام وأيدينا مكبلة. لقد شعرنا بأننا سلعة يمكن شراءها وبيعها في السوق. لقد انهالوا علينا بالضرب، لكنهم لم يرغبوا في قتلنا لأن قيمة الرهينة بقاؤها على قيد الحياة.

صورة للصحافي الإيطالي دومنيكو كيريكو أثناء وصوله إلى مطار روما
الصحافي الإيطالي دومنيكو كيريكو أثناء وصوله إلى مطار روما فرانس24

أشياء عادية

لقد بقيت دون حذاء لمدة خمسة أشهر. حياتي تحولت إلى جحيم. لقد اكتشفت أهمية الأشياء البسيطة، مثل تناول كوب من الماء أو مشاهدة الشمس... ولحسن حظي كان زميلي البلجيكي معي ولولا ذلك لكنت  فقدت عقلي.

السجن

الجماعة الخاطفة تدعي بأنها إسلامية لكنهم في الحقيقة مجموعة من الشبان المختلين عقليا. يعملون لمن يقدم لهم السلاح والمال لشراء هواتف جوالة وأجهزة كمبيوتر وملابس عالية الجودة...

هؤلاء الشبان يعيشون في حلقة مغلقة. يقضون أيامهم عاطلين عن العمل يتناولون شراب "المتة".

شبان يدخنون سجائر أمريكية من صنع تركي. يشاهدون التلفزيون لكن الأخبار لا تهمهم كثيرا، يحبون مشاهدة الأفلام المصرية القديمة التي تتناول الحب والغرام، إضافة إلى بعض البرامج الرياضية.

مرتان جعلوني اعتقد بأنهم سيقتلونني، كنا قرب مدينة القصير. أحدهم أخرج مسدسه وصوبه إلى رأسي. كنت ارتجف من شدة الخوف وتحولت الثواني إلى ساعات.

صورة لمدينة حمص السورية التي تحولت إلى مدينة أشباح بسبب العنف
مدينة حمص تحت الأنقاض فرانس 24

المفاوضات

المسلحون كانوا يقولون لنا "في غضون يومين أو ثلاثة أيام، سنطلق سراحكما وستعودان إلى إيطاليا إن شاء الله". كانوا يقولون لنا دائما "غدا سنطلق سراحكما" لكن مع مرور الأيام فهمنا لعبتهم وأصبحنا نحن أيضا نجيبهم: إن شاء الله سنكون أحرارا". لكن الأحد الماضي، شعرت حقا بأننا سنعود إلى ديارنا.

لقد مشينا حتى بلدة دير الزور ثم توقفنا في مدينة لا أعرف اسمها ثم عدنا من حيث جئنا. في الطريق، أمرونا بالنزول من السيارات والمشي دون الالتفات إلى الوراء. كنا نخشى أن يطلقوا النار علينا. كنت أقول لنفسي إذا سمعت صوت تلقيم السلاح، سأنبطح أرضا، علما بأن هذا لن ينفع بشيء، لكن لحسن حظنا، لم تلقم أسلحة... ثم واصلنا المشي حتى سمعت أصواتا تتحدث الإيطالية. فقلت في نفسي إن شاء الله هذه نهاية الكابوس

فرانس 24

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم