تخطي إلى المحتوى الرئيسي

"العدالة هي الفشل الأبرز للثورة التونسية"

أ ف ب

قررت تونس بعد ثلاث سنوات على اندلاع الثورة اعتماد "عدالة انتقالية" يتوقع أن تتناول الجرائم التي اقترفت في عهدي بورقيبة وبن علي. والتأخر في هذا القرار يدل حسب المحامي مجيد بودن على ضعف الإرادة السياسية.

إعلان

بعد ثلاث سنوات على اندلاع شرارة الثورة التونسية إثر إضرام محمد البوعزيزي النار بنفسه في ولاية سيدي بوزيد، أقر المجلس الـتأسيسي التونسي ليل السبت الأحد قانونا حول "العدالة الانتقالية". ويهدف هذا القانون إلى النظر في الجرائم التي ارتكبها نظام زين العابدين بن علي (1987-2011) ونظام صانع الاستقلال الحبيب بورقيبة (1957-1987).
ووضع القانون على السكة بعد سنتين من المفاوضات والتعطيل، ويشمل إنشاء "هيئة الحقيقة والكرامة" وهي هيئة مستقلة ستكلف بإحصاء وتعويض ضحايا الانتهاكات التي ارتكبت في العهدين، إضافة إلى التعرف على المسؤولين عنها وإحالتهم على القضاء.
وسيكون حقل نفوذ اللجنة كبيرا بحكم مهامها التي تقتضي النظر في الاعتداءات التي تمس في حقوق الإنسان والتي ترتكبها مؤسسات الدولة أو مجموعات أو أفراد يعملون تحت سقفها. وتتمثل أخطر الجرائم في القتل العمد والاغتصاب والتصفية غير القانونية والتعذيب.
وعلى غرار اللجان والهيئات التي أنشأت في جنوب أفريقيا بعد سقوط نظام التمييز العنصري وفي بعض بلدان أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية، يهدف هذا الجهاز إلى دعم المصالحة الوطنية والتوصل إلى إصلاح القوانين والمؤسسات التي مكنت النظامين السابقين من التورط في العديد من الانتهاكات لحقوق الإنسان.
ويرى مجيد بودن وهو رئيس جمعية محامي القانون الدولي،أن اعتماد المجلس التأسيسي لهذا النص جاء متأخرا جدا وبات بذلك مفعوله الحقيقي محصورا، إلا في حال ساهمت في دفعه دينامكية شعبية.

فرانس 24: كيف تفسر انقضاء ثلاث سنوات قبل اعتماد "عدالة انتقالية" في تونس؟

مجيد بودن: بعد الثورة، فكر المسؤولون السياسيون "عدنا لوطننا وأعيد تأهيلنا، فلا حاجة لنا بهذا القانون". لكن العدالة في تونس لم تتغير خلال الـ25 سنة الماضية. فارتكبت انتهاكات موصوفة لحقوق الإنسان. وتوقع التونسيون بعد الثورة بأن الحقيقة ستكشف وأن أضرار الديكتاتورية ستصلح. ومرحلة العدالة الانتقالية أساسية بالنسبة لبلاد تدخل مسار الديمقراطية". لكن خلال الثلاث سنوات الماضية استمرت العدالة بالسير مثل ما كانت عليه زمن بن علي.
وحتى الآن لم توقع سوى مراسيم عفو عن قادة سياسيين أو مسؤولين نقابيين. وكانت تلك رؤية ضيقة لإصلاح العدالة، أعدها رجال سياسة للسياسيين. لكن هناك أيضا منازل لمواطنين صودرت، وأبناء قتلوا لم تحصل عائلاتهم على حقوقهم. خدمت الطبقة السياسية مصالحها ولم تخدم الشعب. وكان ذلك أكبر فشل في هذه الثورة: حصر العدالة في الحقل السياسي.

فرانس 24: ألم يصدر القانون الجديد لتدارك ذلك؟

مجيد بودن: هذه "العدالة الانتقالية" جاءت متأخرة جدا ولم تتناول سوى القليل من الأشياء. فبعد الثورة حوكم العديد وبرئ البعض. ولا ننسى أن أدلة كثيرة اختفت اليوم وبمرور الزمن تسقط التهم. في حين أن مبدأ "عدالة انتقالية" حقيقية هو أن لا تسقط التهم مع الزمن.
ويبدو أن الخطأ هو إرادة تنظيف الأرضية قبل الإصلاح، في حين كان يجدر تعليق القرارات القضائية التي اتخذت في عهد بن علي وتعليق النصوص المتماهية مع الدكتاتورية على غرار قانون الصحافة وقوانين الملكية وغيرها، وإصلاح جهاز القضاء الذي يضم نفس القضاة الذين عملوا في عهد بن علي.

فرانس 24: هل يعني ذلك أن "هيئة الحقيقة والكرامة" لن تضف أي شيء؟

مجيد بودن: هناك طرف لا يأخذه قانون "العدالة الانتقالية" بعين الاعتبار، وهو الدولة. لا جلاد ولا طاغية كان بإمكانه أن يستبد دون الدولة. من غير المعقول إرساء "عدالة انتقالية" تقصي المسؤول الأساسي عما حدث: الدولة. يجب إجبار الدولة على إصلاح الأضرار، ويمكن وقتها للدولة ككيان معنوي أن تقدم شكاوى بمن أضر بها.
فاللجنة الجديدة إذن ليست سوى جهازا أدنى. ويجب على الشعب أن يجعل منها نظاما أكبر. يجب أن نأمل في ديناميكية شعبية تضغط عبر تحركات اجتماعية من أجل رفع عامل مرور الزمن. فيجب مساءلة القضاة السابقين، وتعليق النصوص القانونية غير المتوافقة مع المعايير الدولية، وإعادة النظر في بعض القضايا.
ولإرساء نقاش سليم، يجب على التونسيين بما فيهم الموالين للسلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية، أن يكونوا قابلين للمثول أمام المحاكم من دون حصانة. ويجب إنشاء محاكم جديدة مع إمكانية إصدار أحكام نافذة. كما يجب تمكين الضحايا من الاطلاع على ملفاتهم وعلى أرشيف الدولة، وتوفير الإرشاد والدعم والحماية لهم وإنشاء صندوق لتعويضهم، وهذا غائب عن القانون الجديد.

فرانس 24: هل تملك تونس الإمكانيات المالية لتنفيذ مثل هذه المشاريع؟

مجيد بودن: هناك مخاوف من أن تتذرع الدولة بمحدودية إمكانياتها. لكن الأموال التي بحوزة الأشخاص الذين استفادوا في محيط بن علي تقدر بنحو 380 مليار دولار. فلماذا لم تجبرهم الدولة على إعادتها؟ كانوا في منتهى الفخر لاسترجاعهم 28 مليون دولار من أملاك أقارب لبن علي. لكن هذا المبلغ لا يعني شيئا مقابل الضرر الذي لحق بالناس. وحتى اليوم لم يسترجع الناس أملاكهم المصادرة. فالعالم تغير ولا يمكن للضحايا أن يرضوا بتعويضات رمزية على غرار ما حصل في كمبوديا أو جنوب أفريقيا.

غيوم غوغان ومها بن عبد العظيم 

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.