تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هل دخل الدروز على خط المواجهة إلى جانب النظام السوري؟

صورة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي

حاول ونجح الدروز في سوريا بالبقاء على الحياد ولم يدخلوا حلبة الصراع، أقله علانية وحتى بضعة أشهر من تاريخ كتابة هذه السطور. لكن بعد انخراط عدد من شبابهم بلجان الدفاع الشعبي في جرمانا الدمشقية وبمحافظة السويداء، بدأنا نشهد بداية تشكيل ما يعرف بـ"جيش الموحدين" ونرى صور المقاتلين الدروز تنتشر تحت رايات الطائفة. من هؤلاء المقاتلون وما هي دوافعهم؟

إعلان

منذ بدايات الحراك الشعبي في سوريا، الذي تحول إلى حرب ضروس، وحتى الساعة كانت المناطق الدرزية في الجنوب السوري وعلى رأسها محافظة السويداء تعتبر من مناطق البلاد الآمنة. فلقد لجأ إلى السويداء عدد كبير من سكان درعا ومحيطها ووصل عدد النازحين إلى المناطق الدرزية إلى أكثر من 15000 نسمة، حتى من الذين كان أبناؤهم يقاتلون في صفوف المعارضة المسلحة. وفي ذلك الوقت توصل وجهاء ومشايخ السويداء الدروز إلى تفاهم مع المعارضة المسلحة وعمادها من أبناء الجوار السنة وبعدها مع تنظيم جبهة النصرة لتحييد المنطقة.

 جرى العمل بهذا التفاهم حتى أشهر قليلة خلت، علما أن عددا قليلا من الشباب الدرزي كان قد التحق بصفوف المعارضة المسلحة في بدايات تشكيل الجيش السوري الحر. فمن المعروف أن الملازم أول خلدون زين الدين، عضو المجلس العسكري الثوري في محافظة السويداء (جبل العرب) وقائد كتيبة سلطان باشا الأطرش، وعدد من شباب السويداء كانوا وراء الهجوم على كتيبة الرادار في جبل الريان. وزين الدين الذي سقط خلال المعركة المذكورة كان يعتبر من أكثر المحرضين على النظام في المنطقة، وأقيم له مجلس تأبيني برعاية وليد جنبلاط في الشوف اللبناني

وبالرغم من نأي الطائفة الدرزية السورية بنفسها عن الحرب المستعرة في سوريا خلال أكثر من سنتين ونصف، لم تتورع القيادات التاريخية لدروز لبنان، وهي معروفة بصلاتها العائلية والسياسية الوطيدة مع دروز سوريا، من اتخاذ مواقف لا لبس فيها تجاه الحرب العاصفة في البلاد. إن كانت هذه المواقف مؤيدة للنظام السوري ولرئيسه بشار الأسد، كما هي حال المير طلال إرسلان كما الوزير السابق ورئيس حزب التوحيد العربي وئام وهاب، أم مناهضة له بل داعية إلى إسقاطه كما هي حال رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط.

 تحول الصراع في سوريا دفع بالدروز نحو الخيار العسكري

 لكن مع اتخاذ الصراع في سوريا وجهه الطائفي تغيرت المعادلة. فدروز السويداء خصوصا وجبل العرب عموما من الأقليات المحسوبة عن حق أو من دون حق على النظام السوري. ووجودهم في هذه الخانة جعلهم حكما عرضة للاستهداف. فبدأت عمليات الخطف والقتل المتبادل واليوم هنالك أكثر من 50 مفقودا درزيا من أبناء السويداء وحدها وجلهم فقد على طرقات محافظة درعا المجاورة. وحتى من انضموا إلى الحراك المسلح من الدروز لم يسلموا من تفاقم الاحتقان الطائفي، فكثيرون منهم سجنوا لدى المعارضة المسلحة أو تم إقصاؤهم بسبب انتمائهم للطائفة الدرزية. والعقيد المنشق أيهم شرف الدين يعد أحد هؤلاء، فبعد انشقاقه وانضمامه للمعارضة المسلحة، بإيعاز من الزعيم اللبناني وليد جنبلاط، تم الحكم عليه بالإعدام بعد اتهامه "بعدد من الجرائم في حق الثوار" في الفترة التي سبقت انشقاقه.

ثم بدأت السلطات السورية بإنشاء اللجان الشعبية في السويداء وقراها، علما أن مشايخ الدروز لم يشجعوا أبناء الطائفة على حمل السلاح أو المشاركة في العمليات العسكرية خارج مناطقهم وهذا الأمر بدا جليا في السويداء كما في جرمانا على تخوم العاصمة دمشق، وبدأ الشباب الدرزي ينخرط في العمل العسكري خارج نطاق الخدمة العسكرية إلزامية كانت أم لا.

أولى المناطق التي شهدت تشكيل اللجان الشعبية كانت تلك المتاخمة لمناطق عمل الفصائل المسلحة المعارضة إن كان جنوبا باتجاه درعا أو غربا باتجاه مناطق المحافظة والقبائل البدوية التي تقطن المنطقة علما أن البدو على تماس تاريخي مع الطائفة الدرزية منذ عقود. ثم مع استمرار وطول أمد الحرب بدأ تشكيل اللجان في مدينة السويداء وأحيائها. وهذا ما يعتبره الكثيرون أمرا لا مبرر له، مما أثار حفيظة العديد من أبناء الطائفة بسبب ممارسات هذه اللجان و"نوعية" الشباب المنتمي إليها. كل الذين انضموا إلى اللجان الشعبية انتهى بهم الأمر بالانضواء تحت راية جيش الدفاع الوطني لدى إنشائه، وهو يختلف عن اللجان الشعبية من حيث تنظيمه الهرمي وامتثاله بالمؤسسة العسكرية السورية، دون أن يأخذ ذلك طابعا درزيا بحتا.

 من ناحية أخرى انتشر في الأيام الأخيرة خبر وفود مقاتلين دروز لبنانيين ينتمون إلى حزب التوحيد العربي، ورئيسه الوزير اللبناني السابق وئام وهاب، للقتال في سوريا. وسقط عدد منهم خلال المعارك التي دارت في منطقة عرنة وتم تأبينهم تأبينا حزبيا رسميا وبحضور رسمي في لبنان. ذلك علما أن الوزير وهاب كان في غاية الوضوح والشفافية في كلامه عن هذا الموضوع إن كان من خلال زياراته المتكررة لمحافظة السويداء السورية أو من خلال إطلالاته الإعلامية العديدة.

جيش الموحدين

 أما اليوم فبتنا نرى على مواقع التواصل الاجتماعي شباب الدروز متأبطين أسلحتهم تحت رايات الطائفة المرفرفة. علما أنه تم الإعلان مؤخرا عن تشكيل "جيش الموحدين"، أي الموحدين الدروز، كفصيل مقاتل مستقل عن الدفاع الوطني. ويتم التداول بصور لمقاتلين تحت هذه التسمية أو تحت تسميات أخرى تعود إلى الثقافة الدرزية كجيش أبو إبراهيم، وهو من خلف أبو حمزة بن علي مؤسس الطائفة الدرزية أيام الخلافة الفاطمية في مصر في القرن 11.

في تطور آخر ملحوظ بدأ يظهر توجه واضح وصريح لدى المئات من دروز إسرائيل ومن خدموا في جيش الدفاع الإسرائيلي، لمساندة إخوتهم في الطائفة السوريين. وقد عبّر العديد منهم عن استعدادهم للقتال في سوريا ضد المعارضة المسلحة التي باتت تسيطر على الجزء الأكبر من الخط الفاصل بين سوريا وإسرائيل. حتى أن عددا من الشبان استطاع العبور إلى سوريا والانخراط في العمل العسكري إلى جانب قوات النظام، كما ورد في عدة تقارير للصحافة الإسرائيلية.

صورة متداولة لمقاتلين من جيش أبو إبراهيم الموحدين الدروز
صورة متداولة لمقاتلين من جيش أبو إبراهيم الموحدين الدروز

لكنه حتى الساعة، لم يتم نشر أي إصدار مصور لأي فرقة مقاتلة درزية ولم نر أية فرقة درزية في وضع قتالي تحت الراية الدرزية خارج نطاق الجيش السوري النظامي أو جيش الدفاع الوطني. وكل ما نرى أو ما يتم التداول به هو عبارة عن حركة دعائية أو ترويجية تقوم بها الصفحات "الدرزية" المؤيدة للنظام. فالمقاتلون الذين نراهم في الصور المتداولة، كما الجنازات الحاشدة التي تقام لمن سقطوا منهم، هي لمقاتلين دروز خدموا أو يخدمون تحت راية الجيش السوري النظامي في مختلف المناطق السورية وليس الدرزية منها حصرا. بيد أن من سقطوا في عرنة وفي حضر كانوا يقاتلون في صفوف جيش الدفاع الوطني.

نهاية، تفسير ذلك يكمن في سياسة الطائفة الدفاعية ويأتي في سياق المنحى الطائفي للصراع الدائر في سوريا. فكل الطوائف السورية، وعلى تنوعها وإن كانت صبغتها موالية أو معارضة، أصبحت اليوم تخوض حرب بقاء ووجود كل بحسب مفهومه ورؤيته لمجريات الأمور. وهذا توجه أكيد ومحتم بحسب عدة مصادر قريبة من الطائفة الدرزية لبنانيا وسوريا، فليس كل من حمل السلاح من أبناء الطائفة هو مؤيد للنظام السوري، وبحسب المصادر نفسها فإن العفو الأخير الذي قام به الرئيس السوري بشار الأسد أعاد الكثيرين ممن كانوا قد انضموا إلى المعارضة المسلحة إلى كنف الدولة السورية. فمن الواضح أن الشباب الدرزي يحاول تفادي الخدمة العسكرية الإلزامية، كما الشباب السني، وليس للدروز غلو في الدفاع عن نظام الرئيس السوري بشار الأسد. إلا أنهم يغالون ومن منظورهم في الدفاع عن بقائهم وعن بقاء هيكلية الدولة السورية من منطلق استمرار الطائفة.

وسيم نصر

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن