تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فُتحت الحرب على "الدولة الإسلامية في العراق والشام"... من دون مفاجآت

أرشيف

تشكل "جيش المجاهدين" في شمال غرب سوريا وبعد ساعات على تشكيله فُتحت الحرب على "الدولة الإسلامية في العراق والشام" وأخذ جهاديو الدولة على غفلة في عقر دارهم في المناطق الحدودية مع تركيا. فما هي أسباب هذه الحرب بين أبناء الصف الواحد، شهادة أحد الجهاديين الأوروبيين حول شرارة القتال الأولى وخلفيات تطور المعارك وتمددها إلى المناطق الشرقية.

إعلان

لم تفاجئ الحرب على "الدولة الإسلامية في العراق والشام" متابعي الشأن السوري عامة والشأن الجهادي خاصة. فهذه الحرب، بغض النظر عن أسبابها الآنية وشرارتها الأولى، هي حرب كان لا بد منها بالنسبة لكل العواصم الإقليمية ولعواصم القرار من واشنطن وصولا إلى موسكو وبكين في وجه تنظيم بات يضرب "من ديالى إلى بيروت". وهذه الحرب لم تفاجئ أعمدة الجهاد على الساحة السورية، بيد أن بعضهم فوجئ بالتوقيت. فهي حرب ما بعد الأسد، إلا أن الأسد ما زال في السلطة وما برح جيشه يتقدم على الأرض أقله حول العاصمة دمشق.

مع اضمحلال الجيش السوري الحر وذوبانه في الفصائل الإسلامية في أغلب المناطق والمدن السورية بدأت الجهود والمساعي لتوحيد الفصائل المعارضة المسلحة السورية وأنشأت الجبهة الإسلامية وعمادها جيش الإسلام خليفة لواء الإسلام وحركة أحرار الشام الإسلامية ولواء التوحيد، وصقور الشام. ويأتي إنشاء هذه الجبهة بدعم سعودي واضح وصريح، عبر الدعم المادي والسياسي اللامحدود لها وعبر تأمين التأييد لها من عدد من المشايخ وعلماء الدين المؤثرين. ذلك في سعي واضح لتأمين التوازن مع نجم جبهة النصرة والدولة الإسلامية الصاعد في البلاد.

 

حرب متوقعة ومحتمة

في حوار طويل أجريناه مع أحد قادة الكتائب المقربة من جبهة النصرة لدى الإعلان عن إنشاء الدولة الإسلامية في العراق والشام أي منذ أكثر من تسعة أشهر، قال لنا هذا الأخير وبعد دقائق من خروجه من مجلس شورى مع عدة فصائل، أن أحد أسباب هذا الإعلان هو التحسب من إنشاء "صحوات سورية ليس لها من إسلامي إلا الاسم لقتال المجاهدين، فوجب إعلان الدولة كي لا يتم تضليل المقاتلين من قبل قادة فصائل لهم حسابات سياسية وولاءات خارجية غربية كانت أم عربية". فمن المنطقي والبديهي أن يلتقي الأضداد في قتال تنظيم تمدد من بلاد الرافدين إلى الشام وحتى المتوسط.

 

من كان يمكنهم حقن الدماء قتلوا

وجب التنويه وإن كان بشكل مقتضب أن رجلين كل في صفه كان يمكن أن يقفا سدا أمام ما يجري، ما يوحي بأن هنالك نية في قطع الطريق على أي مساع للصلح بين فصائل المعارضة.
وهما، عبد القادر الصالح القائد العسكري للواء التوحيد الذي قتل بعد أن تم الغدر به عبر وضع شريحة إلكترونية تحت مقعده ما سمح لسلاح الجو السوري باستهدافه، كما عددا من قيادات اللواء، في مدرسة المشاة في حلب. والصالح كان رافضا لأي تقاتل في صف المعارضة المسلحة.

والرجل الثاني هو أمير فصيل جند الأقصى، محمد يوسف العثامين أبو عبد العزيز القطري، القريب من الدولة الإسلامية وهو من الذين قاتلوا في أفغانستان والذين لهم كلمة مسموعة لدى الفصائل الجهادية كافة والذي قتل في ظروف غامضة منذ يومين لدى قيامه بوساطة لوقف التقاتل.

 

هكذا بدأت المعارك، شهادة مهاجر أوروبي

بدأت المعارك في الأتارب عبر هجوم على مقر الدولة في المدينة، ذلك بعد أقل من 24 ساعة على إنشاء "جيش المجاهدين" الذي تبين أنه اجتمع مع الجبهة الإسلامية وجبهة ثوار سوريا مع ما تبقى من فصائل الجيش السوري الحر لمحاربة الدولة الإسلامية في العراق والشام. ثم تمدد القتال إلى جميع مناطق تواجد الدولة في شمال غرب سوريا، متوسعا سريعا إلى الدانا وإلى حارم حيث يرابط لواء داوود الذي بايع الدولة الإسلامية وأميرها البغدادي مؤخرا، ومنبج وجرابلس وأطمة وتل رفعت وحزانو وحلب المدينة وعندان. ونصبت الحواجز على الطرقات لقطع الإمداد بين مقرات الدولة، كما قطعت الاتصالات السلكية وتم تشويش الاتصالات اللاسلكية. ذلك بحسب مصدر موثوق يعمل في المناطق المذكورة وهو ما عاد وأكده لنا أحد المهاجرين الأوروبيين المتواجد بالقرب من الأتارب والذي كان مشاركا في آخر معارك سجن حلب المركزي الذي ما زال تحت سيطرة قوات النظام.

بعد أخذ ورد سرد لنا هذا الجهادي المهاجر الأوروبي عدة تفاصيل حصلت "ساعة الصفر" إن جاز التعبير. فهو كان تنبه للأمر لدى سماعه عبر الجهاز "طلب مؤازرة واستغاثة من مقر الدولة الإسلامية في الأتارب، وكان من الواضح أن جهاديي الدولة أخذوا على حين غرة، لقد فاجأهم الهجوم على مقرهم، ثم ما لبث أن تم تشويش الموجات وقطع الاتصالات". ثم قال لنا الرجل إنه تم التعرض له شخصيا واستفزازه على أحد الحواجز، ولم يشأ أن يحدد من قبل أي فصيل، ذلك عبر استجوابه لمعرفة إن كان ينتمي للدولة الإسلامية أم لا، وأكد لنا أن هذا ما جرى مع كل المقاتلين الأجانب الذين مروا بالحواجز المستحدثة في المنطقة، مؤكدا أن عددا منهم "تمت تصفيته على الحواجز المذكورة منتميا للدولة كان أم لا، لأن من هم على الحواجز يصعب عليهم التمييز بين من هم في الدولة والآخرين".

أما بالنسبة للذي جرى التداول به عن استهداف عائلات المهاجرين التي استقرت في الشمال السوري، فقد أكد لنا مصدرنا أنه رأى بأم العين مداهمة وتفتيش عدد من المنازل التي كانت تقطنها عائلات مهاجرة، إلا أن هذه المنازل كانت فارغة، كما أكد لنا أن جبهة النصرة استقبلت في مقراتها عددا كبيرا من مقاتلي الدولة مع عائلاتهم لكنه فضل عدم الغوص في التفاصيل "لدواعي أمنية".

فيما يخص كتيبته قال لنا مصدرنا "أمير جماعتنا طلب منا إنزال راية العقاب عن آلياتنا [وهي الراية المعتمدة من الدولة الإسلامية في العراق والشام ومن تنظيم القاعدة] علما أن اعتمادنا لهذه الراية سبق حتى إنشاء الدولة الإسلامية. ما أثر كثيرا بمقاتلينا حتى أن عددا منهم بكى من شدة الحزن والشعور بالغبن".

وهنا وجب توضيح موضوع لم يتم التطرق إليه قط، ألا وهو أن شرعيي ومقاتلي الدولة في الشمال السوري إن كانوا سوريين أو عرب أو حتى أجانب جلهم من الشباب الصغير السن نسبيا، وإن كان القادة الكبار كعمر الشيشاني من المتمرسين. وفكرة الدولة الإسلامية وإعادة الخلافة أصبحت بمثابة ثورة شبابية لجيل جديد من الجهاديين المندفعين بفكر "مثالي" يأتون من أصقاع الأرض. إلا أنه متى احتكت "مثاليتهم" بالواقع السوري المعقد ضربت بعرض الحائط أحلام وآمال كثيرة لهؤلاء. ما يؤدي إلى ردود فعل وتجاوزات باتت لا تحمد عقباها اليوم ويدفع ثمنها السوريون.

 

لم الشمال السوري؟

كان من البديهي أن تبدأ المعارك في الشمال، لأنه يعتبر من مناطق ثقل ونفوذ الدولة الإسلامية بشريا وعسكريا. فالشمال الغربي امتدادا من ريف حلب إلى ريف إدلب ووصولا إلى ريف اللاذقية هو من أهم مناطق وفود المقاتلين الأجانب الذين يشكلون حوالي 40 بالمئة من مقاتلي الدولة. ففي هذه المناطق شاعت فكرة "الجهاد 5 نجوم" التي راجت لدى المقاتلين الأوروبيين، وفي هذه المناطق يؤمن هؤلاء عائلاتهم لدى توجههم إلى خطوط القتال وإليها يعودون وهي بمثابة قواعد خلفية.
وفي هذه المناطق وخلافا لما يقال للدولة الإسلامية حاضنة شعبية مهمة نسبيا ويعود ذلك إلى التجاوزات التي كانت تقوم بها الفصائل المسلحة التي كانت تعمل تحت تسمية الجيش السوري الحر، من تهريب وفرض خوات وإلى ما هنالك من أعمال تنكيل بالمدنيين باسم الثورة وهو ما وضعت له حدا الدولة وإن بطريقة دموية. لكن الدولة الإسلامية من جهتها أيضا بالغت في تقدير نفوذها في المنطقة، ما دفع نحو العديد من التجاوزات والأخطاء بحق المواطنين والفصائل الأخرى.

 

هل جرى تقاتل بين الدولة الإسلامية في العراق والشام وجبهة النصرة في الرقة؟

جرى تداول خبر التقاتل بين الجبهة والدولة في مدينة الرقة على مواقع التواصل الاجتماعي يوم الأحد الفائت، ذلك قبل نفاذ مهلة الـ24 ساعة التي أعطتها الدولة لوقف الهجوم على مقراتها في الشمال السوري وخلال توجه رتل من جنودها من الرقة إلى حلب بقيادة عمر الشيشاني القائد العسكري للدولة.

 

والرقة هي المكان شبه الوحيد الذي كان يمكن أن تدفع به الجبهة والدولة إلى التقاتل بسبب عدد من الخلافات القائمة والتي ليس هنالك مجال لذكرها في هذا المقال. فضلا عن الشكوك حول خطف أمير جبهة النصرة في الرقة من قبل الدولة وتداول خبر إعدامه منذ البارحة.

إلا أن الحساب الذي نشر خبر التقاتل والذي إدعى أنه حساب رسمي لجبهة النصرة في الرقة كان حسابا مزورا كما البيان الذي نشر من قبله. لكن التقاتل جرى ويجري في هذه المدينة عاصمة محافظة الرقة وأول ولاية إسلامية يعلن عنها على الأراضي السورية.

استحال التواصل مع داخل الرقة خلال الساعات الأخيرة، إنما وبحسب مصادر مقربة من جبهة النصرة فإن الكتائب التي قامت بمهاجمة مقار الدولة في المدينة، فإنها من الكتائب التي أعلنت بيعتها للجبهة منذ فترة وجيزة وهي "لم تتحرك بقرار من القيادة". علما أن الجبهة كانت قد انسحبت من مدينة الرقة قبل أن تعود منذ فترة وجيزة إلى تخومها عبر إنشاء مركز تدريب عسكري.

 

وهذا الواقع يعيد طرح موضوع انضواء عدد كبير من الكتائب المقاتلة تحت لواء الجبهة "دون تزكية" كما هو معهود ومعتمد. ما يفتح باب ضبط هذه الفصائل علما أن انضوائها في الجبهة قد لا يكون إلا صوريا. وهذا موضوع جدل لدى قيادة الجبهة منذ عدة أشهر بحسب مصادر مطلعة.

 

لتنظيم القاعدة وجه جديد وسياسة مستجدة

في نهاية المطاف، من الواضح أن وقوف جبهة النصرة على الحياد ودعوة قائدها أبو محمد الجولاني إلى وقف القتال تدعو إلى التفكير. فحتى وإن وقف جنود الجبهة في عدة محطات إلى جانب إخوتهم في المنهج، وليس في السياسة من الدولة الإسلامية في العراق والشام، كما في إدلب على سبيل المثال حيث توحدت الدولة مع الجبهة ومع جند الأقصى في وجه الهجمة على الدولة وكما في القلمون حيث قال مقاتلو الجبهة أنهم سيردون إن تم استهداف الدولة هناك وحتى إن كان استقبال الجبهة لمقاتلي الدولة وعائلاتهم منفذ لهم، فإن الذي بان هو التالي:

تمكن تنظيم القاعدة، من خلال جبهة النصرة، من بناء وجه جديد له، حيث استحوذ على حاضنة شعبية كبيرة وقبول لا مثيل له في الشارع السوري. ولم تأت أخطاء الدولة وعدم قبول أميرها لقرار الظواهري إلا لتزيد من شعبية الجبهة. واليوم في سحر ساحر، من المرجح أن يضمحل سريعا، باتت القاعدة مقبولة والدولة الإسلامية مرفوضة. وهذا يستحق مقال بحد ذاته...

وسيم نصر

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن