تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإعلام المصري هل يدفع فاتورة أخطاء "الإخوان" أم يمارس التضليل؟

أ ف ب

مر الإعلام المصري في السنوات الأخيرة بتطورات كبيرة وتحولات عديدة، سيطرة الدولة وأجهزتها الأمنية على مقدرات الإعلام الحكومي في عهد مبارك ثم انفجار المشهد الإعلامي في ظل حريات ثورة يناير إلى الارتداد مرة أخرى إلى الخطاب الأحادي والنظرة الضيقة وخدمة السلطة بعد 30 يونيو. الجديد في الأمر أن الإعلام الحكومي والخاص في مصر يمارسان الآن نفس السياسة ويقدمان نفس الخطاب وهو ما يطرح أسئلة كثيرة تحاول تفكيك أسباب هذا الواقع الجديد.

إعلان

منذ عزل الجيش المصري متمثلا في قائده عبد الفتاح السيسي، وبمباركة شعبية، للرئيس محمد مرسي في 3 يوليو/تموز 2013 وإغلاق كافة القنوات والمنابر الإعلامية للإسلاميين وغيرهم ممن اعتبرتهم السلطات الجديدة محرضين على الفتنة، وصلت الرسالة التي أريد تمريرها لوسائل الإعلام الأخرى، وخاصة تلك المملوكة لأفراد، بالطبع لن نذكر الإعلام الحكومي لأنه تابع في كل الظروف للسلطة أيا كانت توجهاتها. وأصبح الإعلام المصري بشقيه العام والخاص في مجمله يطرح خطابا ذا نغمة واحدة: تمجيد المؤسسة العسكرية والتشديد على دورها الذي لعبته في حماية الدولة ومصر من الوقوع في براثن الإسلاميين الذين أرادوا تقطيع أوصالها وإقامة خلافة إسلامية. وأخيرا تحول إلى تلميع وتسويق شخص القائد الحالي للجيش، المشير عبد الفتاح السيسي، بوصفه المخلص والمنقذ والأجدر بالجلوس على كرسي الرئاسة.

 

تكنيك "نعم نعم"

آمال وإحباطات

الكاتب الصحفي عبد الباري عطوان يقول كنت من الذين توقعوا أن يستعيد الإعلام المصري ريادته العربية بعد ثورة يناير 2011 وأن يعود ويهيمن على الوطن العربي كما فعل في الستينيات والسبعينيات، كنت أتوقع إعلاما أكثر حرية وانفتاحا ومهنية ومصداقية ولما لا فمصر تمتلك كفاءات كبيرة وبها نجوم إعلاميون على مستوى عال من المهنية، يسري فودة وحافظ الميرازي وغيرهم.وعددا كبيرا من خريجي الجامعات والمتعلمين، إعلاما يعكس الصحوة التي حدثت للإنسان المصري. ولكنني الآن أشعر بالصدمة والإحباط. الإعلام الحالي من النوع التحريضي لا يهدأ فيه أبدا الصراخ والسب والشتم، إعلام الرأي الواحد، أقل موضوعية ومهنية، إعلام تعبوي، أصبح موظفا بكليته لتلميع وتقديم شخصية واحدة على أنها المنقذ والمخلص، أي عبد الفتاح السيسي.

الحقوقي جمال عيد، مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، يتفق مع عبد الباري عطوان ويرى أن الإعلام المصري ومنذ شهور طويلة يلعب دورا مناقضا لدور الإعلام المهني فهو يمارس خطابا تحريضيا ويقوم بنشر الأكاذيب وتضليل الجماهير وتملق السلطة، وأصبح يستحق لقب "إعلام غوبلز" لأنه يصنع من المخالفين له ولخطابه شياطين.

بينما الكاتب الصحفي محمد رضوان يعتقد أن الإعلام وللأسف الشديد يدفع فاتورة الإخفاقات والممارسات السيئة للرئيس محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين ودفعت به إلى اتخاذ موقف متطرف منها خاصة في ظل الظروف الحالية من عنف وإرهاب يمارسهما أنصار الجماعة أو المتعاطفون معها، وجعلت المفهوم السائد فيه "أنه لا حياد ولا موضوعية مع الإرهاب" ونتيجة لذلك أصبح الخطاب المستخدم أحاديا بشكل كبير. المفارقة الحقيقية أن من يقومون برفض وتخوين الآراء المخالفة، حتى غير المنتمية منها للإخوان المسلمين وبينها آراء جديرة بالاحترام، هم أولئك الذين لم يشاركوا في ثورة يناير ولم يتعاطفوا معها يوما ما وكانوا من أشد المدافعين عن مبارك ونظامه.

الاستقطاب وسلاح الخوف

بالطبع ليست الأسباب التي تقف وراء هذا التحول وليدة اليوم، عبد الباري عطوان يرى أن حالة الاستقطاب التي تجتاح المجتمع المصري منذ وقت طويل تشكل سببا مهما وخاصة الأوضاع الأخيرة من الاستقطاب الجديد بين العسكر والإخوان المسلمين فإما أن تكون مع العسكر أو مع الإخوان وكل المواقف الأخرى غير مقبولة بالمرة.

محمد رضوان يرى أن هذا الأمر له ما يبرره فأغلبية الشعب لا تسمع تنديدا من جماعة الإخوان لما يحدث من عنف وإرهاب وبالتالي يصدق بأنهم مسؤولون عن ارتكاب هذه الأعمال كما أن المصريين يدركون الآن بأن وجود الدولة نفسه على المحك وأنهم في اختيار صعب بين ديمقراطية تودي بكيان الدولة وبين نظام يحافظ على الدولة لذا نراهم ينتصرون بلا تفكير للدولة.

جمال عيد يقول إن كثيرا من الناس خائفون وبالتالي يصبح تقبلهم للأكاذيب أكبر وبحثهم عن الأمن والاستقرار يدفعهم للتعلق بأي شيء والإعلام يلعب على هذا الوتر ويدفع الفرد للتضحية بحريته من أجل أمنه وأمانه والناس يتقبلون ذلك رغم إيمانهم بأن هذا الإعلام ليس ديمقراطيا بالمرة، ولكن ليس الجميع مقتنعا بالخطاب الحالي ورقعة المعارضة تزداد يوما وراء الآخر. حكم الإخوان المسلمين والإرهاب الحالي أعذار أكيدة وحقيقية لكن الإعلام يهول ويضخم منها لتخويف الجماهير والمشكلة الحقيقية أن الرئيس السابق محمد مرسي لم يحاول إصلاح الإعلام والقضاء والشرطة وهي أجهزة "خربة" لكنها تعمل بكفاءة كبيرة ولكن ليس للصالح العام، بل أراد توظيفها على علتها لخدمة نظامه.

 

الفيلم الوثائقي "شارك" عن اتجاهات التصويت في استفتاء الدستور

الإعلام الداخلي والخارجي

في عهد مبارك وأثناء ثورة يناير عانى المصريون من الإعلام الحكومي بشكل مرير وهالهم مدى إسفافه وابتعاد مسؤوليه عن المهنية ما دفعهم للبحث عن الحقيقة على شاشات القنوات الأخرى كالجزيرة وبي بي سي مثلا، ورغم ذلك نجد أن كثيرا منهم الآن مقتنعون بالمحتوى غير الحيادي للإعلام الحالي فما هي الأسباب؟

يجيب عطوان على هذا السؤال قائلا: كون هذا الإعلام مقنع الآن، رغم تجربة المواطن المصري المريرة مع إعلام مبارك وإيمانه الشديد بفقدانه المصداقية، هو تغير السياسة الإعلامية الحكومية والخاصة بعد ثورة يناير والبدء في استقدام واستقطاب نجوم إعلاميين كبار قدموا نوعا جديدا من المهنية الصحفية وركبوا موجة الثورة والحرية فأقنعوا الناس لكن معظمهم ارتد الآن وركبوا الموجة الجديدة: تمجيد الجيش والسيسي. وهو الأمر الذي ساعد ولا شك في تضليل الكثيرين من المواطنين البسطاء. وهذا الإعلام بالصورة الحالية مقنع للمواطن العادي والبسيط الذي يتأثر بالدعاية ولكنه سيكون مقنعا إلى حين كما حدث بالضبط مع إعلام مبارك فاستمرار هذا الإعلام في خطابه الوحيد عن أن البديل الممكن ولا بديل غيره لحل كل الأزمات واستعادة الأمن والأمان هو عبد الفتاح السيسي والمؤسسة العسكرية سيكون مملا بعد قليل خاصة عندما لا تتحقق مطالب الثورة ويستمر العنف ولا يتحقق الأمان.

وفرصة تشكل إعلام بديل في مصر، رغم انتشار الإنترنت، ضعيفة نظرا لسيادة الفقر 40 بالمئة من المصريين تحت خط الفقر وارتفاع نسبة الأمية، وأعتقد أن الإعلام في عهد السيسي لن يختلف كثيرا عن شكله الحالي بل قد يكون أسوأ وسيتحول إلى إعلام سوفيتي وهو أمر مؤسف.
 

غير أن رضوان يرى أن الشعب أصبح يعي أن الإعلام الآخر وخاصة الجزيرة لم يعد محايدا وأصبح يفسح المجال لأصوات متطرفة وكاذبة وبالتالي فقد المصداقية في عيون المواطن العادي بعد ما رأى تهويل واختراع أحداث ليست حقيقية بالمرة. ويضيف بأنه لا يعد ما يفعله الإعلام في مصر تضليلا فهناك دائما من يحاولون الدفاع عن مصالحهم بشتى الطرق فيلجأون لمنافقة الحاكم ودعم كل من يرونه قادرا على الحفاظ عن مصالحهم ويحاولون تلميعه بشكل غير مهني لا أقبله شخصيا ولكن في الوقت ذاته لا يمكنني المصادرة عليهم. التضليل يحدث إذا استخدم الإعلام الحكومي لتمرير نفس الرسائل لأن المنتظر منه هو الوقوف على مسافة واحدة من الجميع.
 

الحقوقي جمال عيد يقول هذا الإعلام لا يعمل منذ البداية لخدمة شخص واحد بل نظام بأكمله وهو نظام مبارك والعسكر، ربما يكون تلميعه لشخصية واحدة وتسويقها وهي عبد الفتاح السيسي استثناء ولكنه يظل الاستثناء الذي يؤكد القاعدة ولا ينفيها. فهذا الإعلام ما بين خائف وكاذب ومتواطئ ولكنه أكثره من الداعمين لنظام مبارك السابق. والنظام الحالي ليس امتدادا طبيعيا لنظام مبارك وإن كان هناك الكثير من النقاط المشتركة وأيضا الفروق الشكلية، الاختلاف الوحيد بينهما أن نظام مبارك تم تجربته وهذا النظام خطابه يختلف عن نظام مبارك ولم تتم تجربته بعد. فليس كل معاد للديمقراطية يوضع في سلة واحدة فكل نظام يعادي الديمقراطية بطريقته. وخلق إعلام بديل يحتاج لميزانيات هائلة ولكن هناك حلول على الإنترنت وتجارب ناجحة قادرة على كشف الحقائق مثل "جريدة الوادي" وموقع "يناير" وموقع "بيقولك".

 

غياب الشباب، حقيقة أم أكذوبة؟

هذا الخطاب الإعلامي الصادر من هذه الآلة الإعلامية الجبارة هل نجح في تحقيق غايته وإقناع قطاعات واسعة من الشعب برسالته، وخاصة الشباب؟ يبدو أن المؤشرات الأخيرة لنسبة المشاركين في الاستفتاء الأخير على الدستور تجيب بالنفي على هذا السؤال. فنسبة المشاركة وصلت 38 بالمئة فقط ممن يحق لهم التصويت وعدد كبير من الشباب عزف تماما عن المشاركة. عطوان يرى أن هناك بدايات تململ وتمرد ضد هذا الخطاب الإعلامي وهو يؤشر إلى إمكانية تشكل تيار ثالث قوي قد يكتسب تعاطف أنصار الإخوان والإسلاميين بمواجهة المؤسسة العسكرية من منطلق "عدو عدوي صديقي".

يعلل عيد غياب الشباب بقوله: الغياب الملحوظ للشباب عن المشاركة في استفتاء الدستور الأخير يكشف أنهم أكثر وعيا لأنهم في الشارع وأن الكبار هم من وقعوا تحت تأثير تضليل هذه الآلة الإعلامية الجبارة. وعزوفه عن المشاركة في رأيي ليس إلا موقفا سياسيا مؤقتا ولا أعتقد أنه سلبي بل هو إيجابي فبعد التخلص من أوهام الإسلام السياسي والإخوان المسلمين حان الوقت لتجربة النظام العسكري الصرف للتخلص من الأوهام المتعلقة به أيضا.

محمد رضوان يرى أن نسبة المشاركة هذه طبيعية جدا، فنصف الكتلة التصويتية عازف دائما عن المشاركة في كل الحالات، ويذكر بأن أعلى نسبة مشاركة في أول استفتاء ديمقراطي حر في تاريخ مصر، استفتاء 19 مارس/آذار 2011، تم بعد ثورة يناير وصلت إلى 52 بالمئة. إذن غياب 12 بالمئة عن التصويت يعكس حجم مقاطعة أنصار الإخوان المسلمين والمتعاطفين معهم وكذلك شباب الثورة الذي لا يوافق على الممارسات الأمنية للنظام الجديد. أما القول بأن الشباب عزف عن المشاركة فهو كلام غير دقيق ويحتاج إلى الرجوع لإحصاءات تحديد الفئات العمرية المشاركة.

حسين عمارة

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.