تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاقتصاد التونسي بين شبح الإفلاس وأمل الانتعاش

أرشيف

كشف مهدي جمعة رئيس الحكومة التونسية خلال حوار تلفزيوني بعض جوانب الوضع الاقتصادي الصعب في البلاد ما عزز المخاوف من وجود تونس في دائرة الخطر اقتصاديا. عدد من المراقبين بدأ يتحدث عن وقوف تونس على شفا الهاوية اقتصاديا وحذر من تبعات ذلك اجتماعيا، فما مدى صحة هذه المخاوف وهل بإمكان الاقتصاد التونسي النهوض على المدى المتوسط والبعيد؟

إعلان

بعد شهر من توليه منصب رئاسة حكومة التكنوقراط التونسية اختار رئيس الوزراء مهدي جمعة كشف الأوضاع الاقتصادية في تونس في ظل تواتر الأخبار عن وجود البلاد في دائرة الخطر وفي ظل مخاوف من انزلاقها نحو الإفلاس. مهدي جمعة أراد رغم كل شيء بعث إشارات طمأنة للتونسيين. لكنه عرض في المقابل بعض جوانب الحالة الاقتصادية الصعبة وكشف عن قرارات بوقف التوظيف في القطاع العام وطالب المواطنين "التحلي بروح المسؤولية" وتقبل إجراءات مؤلمة لا مناص منها بل ودعا المواطنين إلى المساهمة في تمويل ميزانية الدولة خاصة أن الدولة بحاجة لقروض لا تقل عن 13 مليار دولار للنهوض باقتصادها.

مهدي جمعة كشف عن خلل في المالية العامة للبلاد وأشار إلى مسؤولية الحكومات التي تعاقبت منذ الثورة - دون أن يسميها- عن وصول تونس إلى هذه الوضعية الصعبة اقتصاديا وطالب التونسيين بالعمل الجدي في ما يفهم بأنه مطالبة الجميع بالمشاركة لإخراج البلاد من المأزق من أحزاب وهياكل سياسية واجتماعية مما قد يعني أن جمعة وحكومته غير قادرين بمفردهم على تحمل تبعات التركة الثقيلة التي وجدها.

هل تونس اليوم في وضعية "كارثية" اقتصاديا وهل يهددها بالفعل شبح الإفلاس؟

الخبير المصرفي والمالي أشرف العيادي يعتقد أن الوضعية الاقتصادية في تونس تمر بمرحلة حرجة بسبب عدة عوامل، فقد "عجزت الحكومة التونسية السابقة عن توفير2500 مليون دينار من الموارد كان من المفروض توفرها في ميزانية عام 2013 ورغم تبنى ميزانية تكميلية كان الهدف منها تصحيح ميزانية 2013 فإنها لم توفرها، ولم يتم ختم ميزانية 2013 ولتبدأ تونس عام 2014 بعجز ميزانية العام الماضي. ووجدت الحكومة الجديدة نفسها اليوم مطالبة بتوفير 12 مليار دينار لتقديم ميزانية العام الجاري2014 والتي تتضمن أيضا 2500 مليون دينار "مفقودة" منذ العام الماضي.

كذلك عدم تحقيق نسبة النمو المتوقع خلال 2013 والتي راجعت الحكومة السابقة توقعاتها بخصوصها من 4.5 بالمئة إلى 4 بالمئة ثم 3.6 بالمئة لتحقق تونس في آخر الأمر نسبة نمو لم تتجاوز 2.6 بالمئة.

أيضا تراجع إقبال التونسيين على الادخار التقليدي لدى البنوك بعد أن فقد قسم كبير منهم الثقة في الدولة ومؤسساتها وفي نفس الوقت تراجعت القروض الممنوحة إلى المواطنين مما تسبب في تراجع قدراتهم الشرائية.

ويشير أشرف العيادي إلى عامل آخر قد يكون ساهم في وصول تونس لهذه الوضعية الحرجة اقتصاديا وهو عدم قدرة الحكومة على جمع مبلغ كاف من الأموال عبر الاقتراض الخارجي وعدم تمتعها بمنح وقروض من دول خليجية كالسعودية والإمارات والبحرين والكويت مماثلة لتلك التي مُنحت إلى مصر حيث هبت هذه الدول لنجدة الاقتصاد المصري بعد عزل الرئيس الإسلامي محمد مرسي ما أنقذ مصر من الانهيار اقتصاديا، وتونس التي تمتعت بعد وصول النهضة إلى الحكم بدعم قطري يبدو أنه توقف اليوم، لن تستطيع أن تأمل بدعم مالي من دول الخليج المانحة طالما أن إسلاميي النهضة في الحكم أو في كواليس الحكم.

أي حل للخروج من المأزق الاقتصادي؟

ويحافظ أشرف العيادي على رؤية تفاؤلية بخصوص المستقبل الاقتصادي لتونس على المدى المتوسط شرط توفير مناخ هادئ خلال الفترة الحالية وتحقيق عدة أهداف عاجلة أبرزها: تحقيق موسم سياحي "خارق للعادة" واستقطاب 7 ملايين سائح على الأقل وفتح أسواق جديدة في هذا المجال. كذلك عودة إنتاج الفوسفات إلى مستواه المعهود عام 2010. وعودة دخل العملة الصعبة إلى مستواه السابق بفضل استئناف عمليات التصدير والاستثمارات. وإلا فإن الحكومة الحالية ستجد نفسها أمام حلان صعبان وهما: سحب الأموال من جيب المواطن من خلال فرض ضرائب جديدة لتوفير الدخل اللازم أو إغلاق المؤسسات التقليدية العامة التي تسجل خسائر فادحة وتسريح العمال ولو وقتيا وإعادة هيكلة هذه المؤسسات وإعادة فتحها بعد تحسن الأوضاع، وهو أمر ممكن قانونيا.

الخبير الاقتصادي يعتقد رغم كل ذلك أن الأمور في طريقها نحو التهدئة ولو وقتيا بعد تراجع التجاذبات السياسية في البلاد بتولي حكومة تكنوقراط دواليب الحكم، حيث أن ذلك يرسل إشارات طمأنة محليا وخارجيا لكن الخطر الذي قد يقوض كل المكاسب هو عدم تنظيم انتخابات قبل موفى 2014 وما قد يتبع ذلك من مضاعفات على مستوى ميزانية الدولة والاستثمارات والقروض الخارجية.

التفاؤل مرده أيضا أن تونس تبقى النموذج السياسي الذي ستحاول كل القوى الدولية إنجاحه للترويج لتجربة ديمقراطية فريدة قد تجبر بعض دول المنطقة على اتباعه، وبالتالي فإن شبح الإفلاس قد يخيم على تونس لكن لن يعصف بها، والدول الكبرى لن تدع تونس بمفردها في مواجهة كل التحديات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

 

عماد بنسعيّد

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن