فرنسا - الجهاد

هل هنالك "كتيبة فرنسية" في تنظيم القاعدة؟

غلاف كتاب الصحافي دافيد تومسون "الفرنسيون الحهاديون"

كتاب لزميلنا بإذاعة فرنسا الدولية، دافيد تومسون، وهو مراسل سابق لفرانس 24 بتونس وليبيا، عن جهاديين فرنسيين منخرطين في "الجهاد الشامي" صدر منذ أيام بفرنسا. استطاع دافيد أن يتقرب من هؤلاء ويكسب ثقتهم بفضل تغطيته الطويلة، زهاء 8 أشهر، لجماعة "أنصار الشريعة" التونسية في فترة ما بعد الثورة. هناك في تونس تعرف إلى عدد من الشبان الفرنسيين الراغبين بالجهاد، حتى قبل أن يقرر هؤلاء وجهتهم.

إعلان

كتاب زميلنا دافيد تومسون، "الجهاديون الفرنسيون" الذي صدر باللغة الفرنسية منذ أيام قليلة، فيه الكثير من الموضوعية ويمتاز بمهنية عالية. فقد حاول دافيد ونجح في أن يستبعد الأفكار المسبقة وأن يسأل ويستفسر بتجرد يصعب على الكثيرين. ذلك بسبب عدم إلمامهم أو بسبب عدم رغبتهم في إعطاء ما قد يعتبر "تبريرا" لما هو متعارف عليه بأنه إرهاب. ومن خلال أسئلته واستفساره عن الحياة اليومية لهؤلاء، استطاع زميلنا أن يضيء على الشق الفردي والإنساني لكل واحد منهم. علما أن معظمهم تعرف إلى دافيد، في تونس أو فرنسا، قبيل التوجه إلى سوريا. حيث أن "بلاد الشام" لم تكن هدفا بحد ذاته إلا أنها كانت الطريق "الأسهل" إن جاز التعبير، ذلك مقارنة بالصحراء الكبرى أو أفغانستان أو حتى اليمن، وكل هذه الوجهات كانت من الوجهات المحتملة

"الكتيبة الفرنسية في جماعة قاعدة الجهاد في بلاد الشام"

ما استوقفنا في كتاب دافيد تومسون هو ما كتبه في الفصل 12 بعنوان "الكتيبة الفرنسية في قاعدة الجهاد في بلاد الشام". وهذا العنوان بحد ذاته إن لم يكن أهم ما ورد في الكتاب، فإنه الفصل الذي يحتوي على هذه المعلومة الجديدة التي قد تكون غابت عن المتابعين للشأن الجهادي عامة والسوري خاصة. فسنسرد ما ورد في كتاب زميلنا معلقين عليه ومدققين مع عدد من مصادرنا على أرض المعركة ما ورد في الكتاب. يقول دافيد، نسبة لمصادره في عداد الجهاديين الفرنسيين، إن "الكتيبة الفرنسية" شُكلت في ديسمبر/كانون الأول الفائت قبل أن تبايع جبهة النصرة وأنها ما زالت قائمة إلى يومنا هذا وتعمل في مثلث أطمة وحريتان وريف حماة. ويقول زميلنا إن من شكل هذه الكتيبة وجمع زهاء 50 مقاتلا فرنسيا في صفوفها هو السنغالي الفرنسي المنشأ، عمر أومسن.

نبذة عن الأمير الفرنسي عمر أومسن

عندما وفد عمر أومسن إلى مدينة نيس جنوب فرنسا كان عمره لا يتجاوز 7 سنوات، وكان ذلك في سياق ما يعرف في فرنسا بـ"جمع الشمل العائلي" الذي يعطي الحق لأب أو لأم بجلب عائلته من بلده الأم. في أولى أيام شبابه دخل أومسن عالم الجريمة الصغيرة ما أدى به إلى دخول السجن عدة مرات وبعدة قضايا، منها قضايا سطو مسلح، أبقته لعدة سنوات خلف القضبان في السجون الفرنسية. ثم "عاد" أومسن إلى الإسلام وأصبح ناشطا على مواقع التواصل الاجتماعي وفي إنتاج الأفلام الدعائية الجهادية القصيرة، باللغة الفرنسية أو مترجمة للفرنسية، على يوتيوب. وهو ما فعله الكثيرون من محبذي ومؤيدي الحركات الجهادية حول العالم في ما أصبح يعرف "بالجهاد الإلكتروني". وبسبب قلة "الإنتاج الجهادي" باللغة الفرنسية عموما، وبلغة فرنسية تتوجه إلى الشباب الفرنسي خصوصا، أصبح أومسن من أبرز نجوم "الجهاد الإلكتروني" في فرنسا. وهذا ما مكنه من جمع عدة أشخاص من حوله ومن توسيع إطار حركته.

ثم تطور التزام أومسن بقضيته الجهادية وقرر أن ينطلق، ومعه ما لا يقل عن 20 شخصا، من فرنسا إلى إحدى ساحات الجهاد، فوقع الخيار على أفغانستان. إلا أنه تم توقيف المجموعة قبيل الشروع في السفر في ديسمبر/كانون الأول 2011. ثم رُحل أومسن إلى بلده الأم السنغال، ما لم يمنعه من مواصلة نشاطه الدعوي-الدعائي على مواقع التواصل الاجتماعي من دون أية عواقب.

وفي خريف 2013 وصل أومسن إلى تركيا متوجها إلى سوريا، "أرض الجهاد المنشودة"، وكان قد سبقه إليها العديد من معارفه "الافتراضيين" الذين كان يتواصل معهم على شبكات التواصل الاجتماعي. ما سمح لأومسن أن يكون في دور طليعي مقارنة مع باقي الفرنسيين أو المتكلمين باللغة الفرنسية من بلجيكيين أو تونسيين، ذلك أقله في المنطقة التي وفد إليها وهي حدودية مع تركيا وجل من فيها من الوافدين الجدد إلى صفوف الدولة الإسلامية في العراق والشام. لكن أومسن كان شديد الانتقاد لهؤلاء متهما إياهم بالجهل وبالتطبيق الخاطئ للإسلام "الذي تعلموه خلف حواسيبهم" وحتى أنه لم يتورع في القول إن "منهم من كان لا يزال يتاجر بالمخدرات قبل أيام من قدومه إلى سوريا وهم اليوم يمضون أيامهم في مقاهي الإنترنت وفي الخطوط الخلفية". حتى أنه اتهم التونسيين بـ"الغلو والتسرع في تكفير الآخرين"، وأضاف أن منهم من "يقتل من هم في صفوف الجيش السوري الحر دون أي سبب واضح، ما يؤكد أنهم مخترقون من قبل بشار الأسد".

مواقف أومسن هذه خلقت عداوة بينه وبين الدولة الإسلامية في العراق والشام، وأكد أومسن أن "الدولة أرسلت مقاتلين فرنسيين من جهاز استخباراتها كي يلقوا القبض عليه في أحد المقاهي". ما دفع به إلى التوجه إلى أمير جبهة النصرة المحلي للمبايعة مع أكثر من خمسين مقاتلا، وهذا ما يجيز له أن ينشئ كتيبة مستقلة. وتطوُر الصراع بين الدولة والجبهة، حيث فتحت الأخيرة مجالا كبيرا لمن أراد الانضواء تحت لوائها، أتاح لأومسن أن يصبح أميرا بعد زهاء شهر من وصوله إلى الأراضي السورية.

وبحسب أومسن قبلت البيعة من قبل جبهة النصرة، ومن أبرز ما قامت به "الكتيبة الفرنسية" منذ هذه البيعة كانت مشاركة عدد من مقاتليها في المعارك التي جرت في ريف حماة حيث سقط بلال بنيامين وهو فرنسي من أصول تونسية من مدينة غرونوبل جنوب فرنسا.

رأي مقرب من جبهة النصرة

قصدنا التواصل مع عدة مصادر لنا مقربة وملمة بواقع الشمال السوري المتقلب والمتغير يوميا بسبب الصراع الدائر مع الدولة الإسلامية في العراق والشام. ولدى تواصلنا مع أحد مصادرنا في ريف إدلب، وهو من المقربين من قيادات جبهة النصرة في المنطقة، ومن العارفين والمطلعين على حركة الإياب والذهاب عبر الحدود التركية. قال لنا إنه لا يوجد هنالك "كتيبة فرنسية" بمعنى أنه لا يُعرف عنها ككتيبة فرنسية ولا يُنظر إليها ككتيبة فرنسية. لكنه أكد لنا على وجود عدد قليل من المقاتلين الفرنسيين في منطقة أطمة الحدودية. ولدى سؤالنا إن كان هؤلاء مبايعين لجبهة النصرة، فضل مصدرنا عدم التأكيد أو النفي. لكنه بعد أخذ ورد قال لنا إن "أغلب المقاتلين الفرنسيين إن لم يكونوا منتمين للدولة الإسلامية فهم أقرب إليها منه إلى جبهة النصرة". لكنه في نفس الوقت أكد لنا أن "عددا من الفرنسيين يقاتل في صفوف الجبهة ومنهم الشباب وكبار السن، كرجل أعمال ومهندس فرنسي يتنقل مع الجبهة في ريف اللاذقية، وتم التداول في صوره منذ عدة أشهر وهو يتجاوز الستين من العمر".

صورة لأبو عمر الشيشاني في مطار منغ - حلب التقتها جهادي فرنسي في صفوف الدولة الإسلامية في العراق والشام

رأي مقرب من الدولة الإسلامية في العراق والشام

أما في ما يخص المقاتلين الفرنسيين في صفوف الدولة الإسلامية في العراق والشام، فهم منتشرون في مختلف الفرق والكتائب المقاتلة على امتداد مناطق تواجد الدولة الإسلامية على الأراضي السورية. وقد تمكنا من التأكد عبر مصادر لنا من أن عددا من المقاتلين الفرنسيين موجودون اليوم في مدينة الباب بعد انسحابهم من مدينة أعزاز شمال غرب حلب، وأن عددا آخر قد تم سحبهم نحو مدينة الرقة مع عائلاتهم.

ثم سألنا أحد الإعلاميين الناشطين من الذين يسمح لهم بالتنقل في مناطق سيطرة الدولة الإسلامية لتبيان إن كان لديه معلومات عن إنشاء "كتيبة فرنسية" تابعة لجبهة النصرة. فأكد لنا أنه "لا يملك معلومات تشير إلى هذا الأمر، إلا أنه أكد لنا عن علمه بوجود كتيبة إعلامية تعتمد نشر أخبار جبهة النصرة باللغة الفرنسية من داخل سوريا"، لكنه لم يكن بمقدوره أن يقول لنا إن كانت هذه الكتيبة هي نفسها التي يشير إليها زميلنا دافيد تومسون.

بيد أنه وبحسب ما كتب تومسون، فإن الفرنسيين المنضوين تحت لواء الدولة الإسلامية في العراق والشام يعيبون على أومسن، أمير الكتيبة الفرنسية المزعومة، كونه "ليس إلا ناشطا من خلف الشاشات". ثم يستشهدون "بهروبه إلى تركيا بعد أيام قليلة من تنصيبه أميرا، وبعدم تكلمه اللغة العربية وبجمعه لعدد من الإخوة الحديثي القدوم إلى سوريا الذين لا يفقهون في الشرع شيئا، ونحن لا نقارن بهم. إذ لدينا خبرة في القتال لا بل نقاتل ليلا نهارا ولدينا أسلحة نوعية نجيد استعمالها، كمضادات الطيران وقاذفات الصواريخ. أما هم فبالكاد يصلحون أن يكونوا حراسا في محل تجاري فرنسي".

أخيرا، وجب القول إنه حتى الساعة لم يثبت وجود فرقة مقاتلة يُعرف عنها ككتيبة فرنسية في صفوف جبهة النصرة ممثل تنظيم القاعدة الرسمي والوحيد في بلاد الشام. فحتى وإن كانت هذه الكتيبة موجودة وعاملة على الساحة السورية، فهي لا تعمل بصفتها الفرنسية بل الأحرى الفرانكوفونية. لأن تشكيلها يأتي لأسباب لوجستية وعملانية أكثر منه سياسية، إن جاز التعبير. فعدم تكلم المقاتلين الفرنسيين للغة العربية يعرضهم لمخاطر جمة وجمعهم في كتيبة يسهل الأمور لهم ولغيرهم. إلا أن هذا التوجه، في تشكيل فرق "وطنية"، وإن كان ذلك منافيا لفكرة "الجهاد" التي لا تعترف بالأوطان، فهو يأتي في سياق توجه تنظيم القاعدة العام إلى إنشاء هذا النوع من الفرق والخلايا التي يمكن تفعيلها في بلدان المنشأ بسهولة. لكن الجدير بالذكر، وبحسب دافيد تومسون، هو أنه لمس لدى مقاتلي الدولة الإسلامية الفرنسيين نية في ضرب الداخل الفرنسي، وهو ما لم يلمسه لدى مقاتلي جبهة النصرة أي القاعدة.

وسيم نصر

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم