تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة أوروبية - يوميات مراسلة: قداسة البابا!

فرانس24

فرانس24 تأخذكم في جولة أوروبية تمتد من المحيط الأطلسي إلى الكاربات قبيل الانتخابات الأوروبية المقررة في 22 و25 أيار/مايو المقبل. مايسة عواد تشاركنا يومياتها مع زميلاتها في الرحلة، حيث تتوالى الاكتشافات مع كل بلد أوروبي جديد.

إعلان

لا أمان لشمس وارسو. لم نكد ننهي غزلنا بطقس المدينة الصافي، حتى عبست السماء بدقائق قليلة، وأنزلت علينا أنا وأورور وجولي، وابل مطر غسلنا من شعرنا حتى أخمص قدمينا. نرتجل حيلة اليوم: نحوِّل الأوشحة إلى معطف لكاميرات التي إن أصابها البلل تصيبنا نحن نكسة لها عواقب أشد إيلاما من نزلة برد! نهرول بأقصى سرعتنا ضاحكين، فلا مجال للشكوى، نعلم أن ليلتنا استثنائية و"مريحة" لأن جوان زفت لنا خبرا سعيدا: سنبيت داخل فندق في المدينة بعدما تعذّر إيجاد مخيم مجهز لحافلتنا الكبيرة، بكلام آخر: بانتظارنا سرير مريح وغرفة دافئة وماء ساخن. لكن سببا آخر يقف خلف هذا "التسامح" مع المطر، فمجيئنا إلى هنا تصادف مع احتفالات عيد الفصح في وارسو، أي المناسبة الأهم بالنسبة إلى البولنديين على مدار العام، وتحديدا بالنسبة إلى سكان عاصمة هي الأكثر تدينا في أوروبا.

أراقب ما يحكى عن "الاستثناء"" البولندي، إذ يتبع حوالي تسعين في المئة من السكان هنا الكنيسة الكاثوليكية بينما تدين معظم دول شرق أوروبا بالأرثوذكسية. لا تسهل هنا مناقشة ديمتري، وهو شاب ثلاثيني، حول مكانة الكنيسة الاجتماعية ونفوذها السياسي في بولندا، ديمتري أتى ليصلي في العيد "بلدنا تحسنت كثيرا خلال الأعوام الماضية، ساعدنا مؤخراً الانضمام الى الاتحاد الأوروبي لكننا محظوظون منذ قرون بوجود قيم الكنيسة في مجتمعنا لانها ساعدت أهلنا على تخطي مراحل معقدة"، يفهم ضمنا من كلام ديمتري أن "المراحل المعقدة" يقصد بها الحقبة الشيوعية التي حاربتها الكنيسة وأتباعها بكل الوسائل المتاحة. بأية حال "تصفية الحسابات" بين الكنيسة والشيوعيين القدامى استمرت فصولها على مدى سنوات خصوصا أن بولندا، وعلى عكس معظم الدول الشيوعية السابقة في أوروبا الشرقية، اختارت في بادئ الأمر أن تحتفظ بأرشيف المخابرات القديم مغلقا، قبل فتحه لمن لديه ما يبرر ذلك، أمر كلّف مثلا أسقف وارسو ستانيسلاو ويلغس، استقالة من منصبه قبل ساعة واحدة من تعيينه رسميا، بعدما كشف الأرشيف أنه عمل مع المخابرات البولونية الشيوعية طوال عشرين عاما، قضية صنفت على أنها مثال نموذجي، لكيفية فتح وغلق دفاتر الماضي الشيوعي.

الاثنين المبلل

يحذرني الأستاذ عبد القادر مصلح، وهو مدرّس لغة عربية في جامعة وارسو، من الوقوع ضحية الرشق بالماء صباح الاثنين، وينصحني بالتنبّه اثناء المشي في الطرقات، فالتقليد في بولندا يقضي بالسماح للأطفال برشق المارين بالمياه دلالة على "مباركتهم" صبيحة العيد، أمر تحوّل على ما يبدو الى هواية لدى بعض الراغبين بمعاكسة العازبات تحديدا، عبر مفاجأتهن بدلو ماء يسقط من علٍ. نحضّر الكاميرا وأنفسنا للتجول في المدينة، نتنقل في حي براها الشعبي، لكن لا احد هنا يتسلح بقناني الماء، وحدهم الأطفال يحملون مسدسات صغيرة يصوبونها تجاه بعضهم، "الاثنين المبلل" جاف في وارسو، تقول ايفانكا التي تتولى ترجمة ما يحكى لنا: "هذا التقليد اختفى شيئا فشيئا في وارسو، لكنه لا يزال متعة حقيقية في الأرياف"

عجائب وقداسة

نتوجه إلى المدينة القديمة حيث لا تفرّق سوى أمتار قليلة بين كنيسة وأخرى، نزور كنيسة سانت آن وكنيسة الصليب المقدس، نقع فورا على برنامج مكثف لقداديس تمتد لساعة واحدة وتفصل بين الواحد منها والآخر نصف ساعة من الوقت. لا تفرغ الكنائس هنا، والمؤمنون يحتفلون بقيامة يسوع خشوعا على ركبهم، وتمتلئ المقاعد إلى أخرها في كل قداس. أسبوع المؤمنين في وارسو حافل، فبعد أيام قليلة أي في السابع والعشرين من نيسان / أبريل، يتم إعلان قداسة البابا يوحنا بولس الثاني في الفاتيكان، البابا البولندي الاول في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية والذي بقي على رأسها سبعة وعشرين عاما. نلتقي بسيدة تسارع إلى إخبارنا إلى انها أكدت، منذ أشهر، حجز مكانها على طائرة متوجهة إلى روما من أجل حضور القداس المنتظر، في حين لا يستغرب مارشين، وهو أحد المصلين، أن إعلان قداسة يوحنا بولس الثاني قد تم بهذه السرعة: "الكل يعرف مزاياه، لقد بقي طويلا على رأس الكنيسة، وعلمنا أهمية التسامح ولم يكن هناك من داعٍ للإطالة في تأكيد معجزاته". تشهد الساحة المقابلة على لوحة تذكارية كبيرة تخلد زيارة البابا عام 1979 للعاصمة، حيث كان الملايين في استقباله، يومها أكد أن "لا أوروبا بلا بولندا مستقلة".. اليوم باتت بولندا جزءا من الاتحاد الأوروبي، وتحولت الزيارة الى ذكرى لا تمحى بالنسبة الى مارينا التي تشرح أن لدى ابنتها ألبوم غني مع البابا الراحل: "كانت تحرص على حضور قداديسه وتتابع زياراته وتلتقط دائما صوره"، أسألها عن "برنامجها" يوم الأحد، فتجيب بتأثر بالغ "سنبقى في وارسو، سنتابع كل ما يجري على الشاشة، سنصلي .. وسنبكي معا"... نغادر الحي القديم في وارسو، أحاول التعريج على إحدى المنتزهات حيث تعزف مقطوعات شوبان في الهواء الطلق من دون أن أوفق، على موسيقى شوبان أن تنتظر إذا، الملحّ الآن هو التحضير لموعد آخر على بعد أربع ساعات من هنا، باتجاه الحدود الأوكرانية.
 

مايسة عواد

النشرة الإعلاميةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.