سوريا

شهادة لاجئ سوري: رحلة القهر والعذاب للوصول إلى أوروبا -الجزء الثاني

فرانس 24

في حديقة عامة في ضاحية سان-وان الباريسية تجمعت أكثر من مئة عائلة من السوريين اللاجئين. كيف جاؤوا إلى هنا؟ وكيف وصلوا؟ ماهي حكاياتهم؟ حاولنا معرفة ذلك، فاخترنا عائلة منهم لتروي لنا حكايتهم. الجزء الثاني

إعلان

من حلب إلى تركيا والمبتغى أوروبا الغربية

عندما عزمنا ترك حلب وأهل حلب، اخترنا وجهتنا إلى تركيا، فقد شجعنا جارنا الكردي الذي يملك سيارة بالذهاب إلى تركيا وهناك يمكننا الحصول على أوراق تركية مزورة نعبر بها إلى اليونان ومنها إلى ألمانيا، فالألمان يحبون الأكراد والأتراك، وهذا صحيح فكما تعلم هناك أكثر من لاعب كرة قدم يلعب في النوادي الألمانية كمسعود أوزيل وشول

يوم السفر
كنا ثلاث عائلات في السيارة الصغيرة، عائلتي -زوجتي وطفلين-، وعائلة صاحب السيارة وعائلة كردية أخرى. عبر بنا صاحب السيارة قرى صغيرة وطرقات ريفية ضيقة، وتقصد الرجل أن يمر عبر قرى كردية لأنها كانت آمنة، وكان الرجل يعرف طرقاتها وشعابها الممتدة من شمال حلب حتى الحدود التركية. وصلنا بعد نحو أربع ساعات إلى ضيعة حمام وهي على الحدود، تقابل منطقة الكلّس في القسم التركي، وبتنا ليليتين عند أقارب جارنا الكردي في هذه القرية، ثم عبرنا إلى منطقة الكلّس، بتنا ليلتين في أحد فنادقها، كانت كافية لمعرفة صعوبة الحصول على أوراق تركية مزيفة بشكل سريع وسعر مقبول، فغيرنا خطتنا وعقدنا العزم على الوصول إلى فرنسا عن طريق أفريقيا.

الرحلة الأولى
سافرنا ودائما مع زوجتي والطفلين إلى لواء إسكندرون وقصدنا البحر، ومن هناك أخذنا رحلة بحرية على متن باخرة إلى بور سعيد في مصر ، اشترينا بطاقتين بما يعادل 110 يورو والأطفال مجانا.

المحطة الأولى بورسعيد
وصلنا بورسعيد وكانت مشتعلة، معارك بالسكاكين والعصي والأسلحة البيضاء وحتى النارية، تكسير المحلات وضرب الحجارة في كل اتجاه، لقد عرفنا فيما بعد السبب، لقد كان النطق بالحكم على مثيري أعمال الشغب في مباراة الأهلي والمصري، وكان ذلك في الشهر التاسع 2013 على ما أذكر، فلم يكن أحد راضيا عن الأحكام الصادرة، لا أهل الذين ماتوا ولا الذين نطق بالحكم بحقهم. المهم أننا بحثنا عن مسكن ووجدنا ضالتنا بعد أن ساعدتنا جمعية تابعة للسلفين في بور سعيد وضعتنا مع عائلات أخرى، ودفعت عنا أجرة المكان، ولكن الحياة في هذه الظروف كانت صعبة جدا فالعنف والتكسير والضرب صار يوميا في المدينة، لم نستطع البقاء أكثر من شهر ونصف حتى قررنا السفر إلى الجزائر. 2012

المحطة الثانية الجزائر
اشترت لنا الجمعية الخيرية التابعة لحزب النور السلفي، بطاقات الطائرة - سعرها نحو 1100 يورو - وسافرنا إلى الجزائر، سافرنا من بور سعيد إلى القاهرة في حافلة، ومن مطار القاهرة الدولي أقلعت بنا الطائرة، ووصلنا الجزائر وبما أننا نحمل جوازات السفر السورية دخلنا الجزائر كما دخلنا مصر دون الحاجة إلى تأشيرة، وهناك كنا حذرين جدا في تنقلاتنا وحركاتنا، فقد سمعنا أن المخابرات الجزائرية نشيطة جدا ولها علاقات بنظيراتها في سوريا، لا بل سمعنا أن هناك مخابرات سورية في الجزائر. لذلك كنا نتوخى الحذر الشديد ولم نكن نعلن نيتنا بالسفر إلى المغرب، بل كنا نسأل عن مدن رخيصة يستطيع المرء أن يعيش فيها برفقة عائلته، ولا بأس أن تكون بعيدة عن العاصمة، فاقترحوا علينا مدنا في عمق الصحراء، في النهاية وبعد إقامة نحو شهرين ونصف في مدينة بوسعادة ، سافرنا إلى المغنية على الحدود المغربية، وهناك بقينا نحو خمسة أشهر، وفي هذه البلدة حملت زوجتي بطفلها الثالث.

الرحلة الثالثة إلى المغرب
المغرب لايستقبل السوريين الذين لا يملكون سمات دخول إلى أراضيه، لذا بحثنا عن مهرّب مضمون، ينقلنا إلى الجهة الأخرى من الحدود وكان بحثنا مصحوبا بشيء من الكتمان حتى لا ينفضح أمرنا، وننبه علينا السلطات، ودفعنا للمهرّب ثلاث مرات وفي كل مرة يتركنا لوحدنا لنعود من حيث انطلقنا، ولم يكن اجتياز الحدود صعبا، فليس هناك شرطة والأسلاك الشائكة ممزقة وفيها فجوات بحجم البنايات، ولكننا لم نكن نعرف الطريق وليست لدينا سيارة لتنقلنا من وراء الأسلاك إلى الداخل المغربي، وفي المرة الرابعة صدق المهرّب وأوصلنا إلى نقطة معينة مشينا وتجاوزنا الحدود ثم مر علينا وحملنا بسيارته إلى مدينة وجدة ودفعنا له 17 ألف دينار أي مايعادل 150 يورو. ومن وجدة سافرنا إلى مدينة الناضور، وهناك طالت إقامتنا. توجهنا فور وصولنا إإلى الفندق المركزي في الناضور، وهناك فوجئنا بعدد العائلات السورية الكثيرة المقيمة فيه.

الرحلة الصعبة إلى مليلة
في مدينة الناضور أقمنا إذن في الأوتيل المركزي، وبدأنا مع عائلات سورية كثيرة وأفارقة كثيرون محاولات الدخول إلى مليلة. كنا نذهب صباح كل يوم ثلاثاء وأربعاء وخميس وجمعة إلى حدود مليلة إلى بني أنصار، وكنا نصلها في مطلع الفجر نحو الساعة الرابعة والنصف صباحا، وكنا نحو 4 إلى 5 آلاف شخص من كل الجنسيات، لكن الغالبية من السوريين والأفارقة نحاول الدخول إلى مليلة.

لماذا الصباح الباكر؟ لأننا كنا نحاول الدخول مع العمال المغاربة إلى مليلة، فهناك عمال مغاربة يذهبون يوميا إلى مليلة للعمل، ولشراء البضائع، وهناك مهرّبون يحملون على ظهورهم كل شي، من الأدوات الكهربائية إلى السجائر وغيرها. وكنا نندفع مع هؤلاء العمال لاجتياز الحدود، وكان اجتياز الحاجز المغربي الأول سهلا جدا، وفي الثاني نلاقي صعوبات، فإن انكشف أمرنا، أعادتنا الشرطة المغربية من حيث أتينا، أما إذا نجحنا في العبور فيبقى الحاجز الثالث وهو الإسباني وهو الحاجز الأصعب، ونادرا ما يفلت أحدنا من عبوره. وبعد أسبوعين من المحاولات، اشترينا ثيابا مغربية لزوجتي وحملت صرة صغيرة على ظهرها وفيها بعض الثياب لتنخرط مع المهربين والمهربات المغاربة ونجحت باجتياز الحدود مع ابنتنا.
وبقيت أنا وطفلي عمره ثلاث سنوات ونصف عالقين في المغرب، وبدأت الكرة من جديد لمدة شهور، حتى استطعت إرسال ابني لوحده مع سيدة مغربية سلمته لزوجتي في مليلة. وأخيرا قدر لي واجتزت بدوري الحدود، ودخل حينها إلى مليلة مئات المهاجرين من خلال التسلق على السور الذي يرتفع لنحو سبعة أمتار، وكان ذلك في شهر آذار/مارس من هذا العام.

في مليلة شعرنا للمرة الأولى بالعنصرية والذل وبأنه غير مرحب بنا
في مليلة التحقت بزوجتي في مركز الإيواء الذي كان يؤوي مئات المهاجرين، كنا أكثر من 1500 شخص أغلبهم من السوريين والعدد الأكبر من الأفارقة. وكنا مكدسين في هذا المركز، عشنا أربعون يوما من الجحيم والاحتقار والذل، مشاكلنا شبه يوميه مع الأفارقة الذين يتقنون اللغة الأجنبية، والخدمات سيئة للغاية في المركز، والشرطة تتعامل معنا جميعا باستعلاء واحتقار. الأفارقة يغتسلون في وضح النهار وفي الشارع عراة أمام النساء والأطفال، والسرقة كثيرة جدا، سرقوا منا طعامنا وثيابنا التي كنا ننشرها على حبال الغسيل، وأغطية نومنا. الطعام قليل واللاجئون كثيرون. يقفل المطعم في التاسعة مساء، وفي إحدى الأمسيات جاء للمطعم ثلاثة سوريين وأربعة أفارقة يريدون العشاء وكانت الساعة نحو التاسعة والربع أوالتاسعة والنصف. الحارسان رفضا السماح للأشخاص السبعة بالدخول للمطعم لأنه مقفل. لقد انتهى تقديم الوجبات. وعلى ذكر الوجبات، البعض كان يقضي يومه واقفا في الطابور بانتظار الطعام، ما أن ينتهي من الفطور حتى يخرج ويقف في الطابور الجديد بانتظار وجبة الغداء، فالطوابير طويلة جدا وأغلب الأحيان يأتي دورك حين يغلق المطعم. المهم أن هؤلاء السبعة أرادوا الطعام وتلاسنا مع الحارسان ويبدو أن أحدهم شتم الحارس فتشابكوا بالأيدي، وماهي إلا لحظات حتى وصلت 26 سيارة شرطة وثلاث سيارات إطفاء وسيارتي إسعاف. ولاحقوا الأشخاص المشاغبين وحصروهم في مكان وصاروا يضربوهم بالهراوات على الرأس والصدر وفي كل مكان وسالت دماءهم وتم سحلهم وهم يصرخون، لقد كان مشهدا مرعبا، حتى أننا خرجنا وتظاهرنا ونحن نصرخ.

الخروج من مليلة إلى ملقة والوصول إلى باريس
بعد إجراءات قانونية أعطونا بطاقات وركبنا الباخرة إلى ملقة ومن هناك اشترينا بطاقات إلى برشلونة، وقالوا لنا إذا حاولتم السفر إلى خارج إسبانيا فإنه لايحق لنا الاستفادة من المساعدات، وسيتم إعادتنا إلى إسبانيا لأنهم أخذوا طبعات بصماتنا هنا في إسبانيا. المهم أننا لم نتردد كثيرا بالسفر إلى فرنسا، بعد وصولنا إلى برشلونة، اشترينا بطاقات إلى الحدود الفرنسية ومن هناك ركبنا قطارا ووصلنا في صبيحة اليوم التالي إلى باريس.
 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم