الجهاد

ما هو الدور الحقيقي للإنترنت لمن يستهل طريق الجهاد؟

صورة نشرها أحد الإعلاميين الجهاديين على معرفه على "تويتر"

بعكس ما يتم تداوله وما يظنه كثيرون، فإن الإنترنت نادرا ما يكون وراء "الشرارة الأولى" التي تضع شخصا ما على طريق الجهاد. ويقتصر دور الشبكة على تغذية وتأكيد معتقد وقناعة سابقة، لكن الإنترنت يلعب دورا مهما في اكتساب هذه القناعة. إليكم بعض التوضيحات...

إعلان

ما لا يعيه كثيرون هو أنه إن قام شخص بكتابة كلمة "جهاد" أو "القاعدة" على سبيل المثال ولا الحصر في خانة البحث عبر "غوغل" أو "ياهو"، فإنه من الصعب جدا أن يقع، أو أن يتم توجيهه نحو مواقع أو منتديات جهادية. ففي أغلب الأحيان يقع الباحث على مقالات صحفية أو على دراسات. لذا فمن الواضح أن الشخص الذي لا يملك إلماما أو معرفة بالموضوع لن يجد مبتغاه عبر بحث بسيط واعتيادي. ومن هنا يمكننا أن نجزم أن الشرارة الأولى نادرا بل نادرا جدا أن تحدث خلف جهاز الكمبيوتر عبر الإنترنت. فالشبكة ليست المحفز بل وسيلة للتواصل وللتعرف على أشخاص لهم نفس التوجهات والاهتمامات.

أسطورة "الذئب الوحيد"

يستسهل الإعلام عامة، وحتى من يسعى للتوظيف السياسي المحلي، بوصف الإرهابي الذي يضرب في أي بلد غربي ب"الذئب الوحيد". إلا أنه من الصعب جدا إثبات من يوصفون بسهولة وبتسرع ب"الذئاب الوحيدة"، هم فعلا وحيدون، وليس لديهم أي علاقة سابقة بأية تنظيمات، أو أقله بأنهم لم يحصلوا على دعم ومؤازرة من أشخاص آخرين حتى وإن كان عددهم قليل. كما أنه من الصعب إثبات أن محرك عملهم أو الدافع الأساسي لديهم ولد من خلال، أو بسبب الإنترنت، كما يقال عامة.

إلا أنه وبالرغم من التغطية الإعلامية الكبيرة التي تلقاها الهجمات الإرهابية التي يقوم بها هؤلاء، وبالرغم من وقعها المعنوي والنفسي الكبير على المجتمعات المستهدفة، فإن ضررها الفعلي يبقى محدودا. فما بين عامي 2000 و2013 وقعت في المملكة المتحدة 11 هجمة من هذا النوع أوقعت قتيلان وثلاثة جرحى. وفي الفترة نفسها وقعت هجمتان في فرنسا وقع ضحيتهما ثمانية قتلى وستة جرحى. حيث لا يتعدى مجموع ضحايا هذا النوع من الهجمات في الغرب للفترة عينها 1,5% من إجمالي ضحايا الإرهاب عامة.

"الشرارة" الأولى يمكن أن تحصل في المساجد، لكن ليس كما يُخيل للبعض، أي بسبب تشدد الأئمة أو بسبب خُطبهم. فهؤلاء الأئمة في أغلبهم ليسوا من مواطني البلدان الغربية المستهدفة ويمكن ترحيلهم إلى بلدانهم الأم، حيث يمكن أن يواجهوا أسوأ أنواع السجن والتعذيب، في أي وقت. فهؤلاء الأئمة عامة يسعون جاهدين للتأقلم والذوبان في المجتمعات التي تستقبلهم وليس العكس. بيد أن هذا الواقع لا ينطبق على الشباب المُتحدر من أصول عربية أو إسلامية من أبناء الجيل الثاني أو الثالث، فعلى عكس الأئمة الوافدين هؤلاء من أبناء البلد، وهم كالعديد من الشباب يريدون أن يثوروا على المجتمعات التي يعيشون فيها فيجدون في الجهاد ضالتهم وثورتهم على ما يرونه إجحافا وظلما لهم ولأهلهم قبلهم.

هذه "الشرارة" يمكن أن تحصل أيضا في السجون لأنها تجمع داخلها الكثير من المآسي والمعاناة، والعودة إلى الإسلام أو اعتناق الإسلام يعتبر نوعا من التكفير عن "الذنوب الدنيوية" التي قد تكون قادت إلى السجن.
إلا أن ما يتردد الكثيرون عن ذكره هو دور الإعلام، من ناحية مساهمته في خلق صورة سيئة أو أقله مشوهة عن الإسلام والمسلمين. ذلك إن كان من خلال تغطيته للقضايا التي تخص العالم الإسلامي أو حتى الشريحة المسلمة من المجتمعات الغربية. فصورة الإسلام متصلة دائما بالإرهاب، والعناوين الرنانة ك"جهاد النكاح" وهي كذبة وفبركة إعلامية تم التداول بها دون أن يتم التدقيق في صحتها من قبل أغلب وسائل الإعلام. أو عندما تم وصف أندريس بريفيك، المسؤول عن عمل إطلاق نار وتفجير في النروج، بالإرهابي... ذلك حتى لحظة التعرف على هويته الحقيقة وانتمائه لليمين المتطرف فتحول بسحر ساحر إلى "القاتل المجنون" وتم تناسي مصطلح الإرهاب.

دور مواقع التواصل الاجتماعي

"يوتيوب"
الهدف من الفيديوهات الترويجية والدعوية باللغات الأجنبية، والتي يتم نشرها عبر يوتيوب أو عبر أي موقع مماثل، هو استيقاف من يشاهدها ودفعه إلى التساؤل، وإلى الاهتمام بالموضوع المطروح. لكن ما يجب التوقف عنده ولو للحظة هو أن من ينتج هذه الفيديوهات، وإن كانت تستعمل صورا أو فيديوهات رسمية، فهم في أغلب الأحيان من انتاج "المشجعين" والمؤيدين الذين لا صلة فعلية أو رسمية لهم بالتنظيم الذي يروجون له. حتى أنهم في أغلب الأحيان بعيدين جغرافيا عن أماكن الحدث ومن سكان البلدان الأوروبية.

واليوم هذه الفيديوهات فضلا عن كونها تسد فراغا كبيرا في مناطق لا توجد فيها الصحافة لأسباب عديدة ومتعددة، فهي تشكل بديلا لقنوات الإعلام المعتمدة في نظر جمهور واسع من مؤيدي ومحبذي الحركات الجهادية على تنوعها. وهذا يدخل في سياق "الحرب الإعلامية" التي باتت ثغرا أساسيا من ثغور المواجهة، ذلك بحسب الجهاديين أنفسهم. وما يزيد الإقبال على هذه الفيديوهات كمصدر للمعلومات هو التحيز عن حق أو عن غير حق في الإعلام. علما أن الحرية في التعبير وفي البحث عن المعلومة التي يتمتع بها الصحافي العامل في القنوات الغربية تترك له مجالا للبحث والتدقيق، فحتى وإن كان السبيل شاقا فقد يصبح سالكا لمن أراد أن يستهله بمهنيّة بالرغم من العوائق والصعوبات الجمة.

"تويتر"
في نفس السياق يأتي موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" الذي بات أداة عمل مهمة بسبب التواصل السريع الذي يؤمنه ما بين الجهاديين ومؤيديهم ومتابعيهم. وهذا ما أدى إلى تزايد اهتمام الحركات الجهادية على تنوعها بهذه الأداة. وقد تجلى ذلك عند الهجوم على المجمع التجاري في نيروبي، حيث كان المهاجمون المنتمون ل"حركة الشباب" الصومالية يتواصلون في ما بينهم ومع العالم الخارجي وحتى مع الصحافة من خلال تويتر، وقد تم حذف حسابهم أكثر من خمس مرات إلا أنه كان يعود عبر معرف آخر خلال دقائق معدودة. حتى أن "الدولة الإسلامية في العراق والشام" استهلت العمل على ما سمته "ولاية تويتر" لتنظيم عمل مناصريها مؤخرا.

"فيس بوك"
"فيس بوك" يعتبر من مواقع التواصل الاجتماعي الأقل استقطابا للحركات الجهادية، ويعود ذلك لعدة أسباب تتعلق بالجانب الأمني. أهمها احتواء "فيس بوك" على تطبيق أو برنامج التعرف على الوجوه في الصور التي تُنشر عبره، فضلا عن قدرته على تحديد الصلات ما بين الأشخاص والمجموعات وسهولة اختراقه وقرصنته حتى من قبل الأفراد.

بيد أنه في ما يخص الجهاديين الآتين من بلدان غربية، فهم يستعملونه من أجل إظهار جهادهم إلى الملأ وخصوصا إلى أصدقائهم ومعارفهم. ذلك لحثهم على الهجرة والجهاد والانضمام إليهم. وعلى سبيل المثال ولا الحصر فمن على "تويتر" و"فيس بوك" خرج الجهاديون البريطانيون بمصطلح "الجهاد 5 نجوم" الذي تتميز به سوريا، مقارنة مع ساحات جهادية أخرى كأفغانستان مثلا.

دعوة باتت مسموعة... وبمتناول اليد

نهاية يمكننا الجزم أن الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي هي نادرا ما تكون المحفز الأول للجهاد، لكنه في نفس الوقت لا يجب أن لا نستخف بالدور الذي تلعبه هذه المواقع في تشجيع من كان لديه هذه الرغبة أساسا. فمواقع التواصل الاجتماعي جعلت فكرة الجهاد مسموعة من قبل شرائح من الشباب الغربي، إن كانت من أصول عربية أو إسلامية أو لا. فعندما يسمع شاب أوروبي أو أمريكي المولد والمنشأ دعوة للجهاد بلغة بلده ومدينته وحتى حيه وشارعه، فإنه بطبيعة الحال سيكون أكثر تقبلا لها من تقبله لدعوة باللغة البشتونية مسجلة في مغارة في جبال تورا بورا ومترجمة لإنكليزية أو لفرنسية سيئة.

حتى أن طبيعة مواقع التواصل الاجتماعي تجعل المجهود الذي يقوم به من يبحث عن فيديوهات جهادية بسيطا جدا. فعلى سبيل المثال ولا الحصر، ما أن تنتهي من مشاهدة فيديو على يوتيوب، حتى يعرض عليك الموقع نفسه عددا من الفيديوهات المماثلة والمرتبطة. وهذا ما يسهل الأمور على من يبحث عن هكذا محتوى، نسبة لبدايات الإنترنت حيث كان البحث مضنيا وشاقا، وكان يتطلب إلماما واطلاعا كبيرا ومجهود كبيرا في البحث، ذلك إن وجدت المادة المبتغاة باللغات الأجنبية. أما اليوم فليس هنالك إلا عناء الاستماع والمشاهدة... ما يجعل المنتديات والمواقع الجهادية أو المصنفة جهادية من التاريخ بالنسبة للأجيال الجديدة من الجهاديين غربيين كانوا... أم لا.

وسيم نصر
 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم