أوكرانيا

الطائرة الماليزية: ليلة القبض على الصندوق الأسود!

أرشيف
7 دقائق

شهادة موفدة فرانس 24 الخاصة مايسة عواد من موقع تحطم الطائرة الماليزية في شرق أوكرانيا.

إعلان

لم يتأخر الرجل الأربعيني بوضع يده على مقبض المقصورة مؤذنا بفتح الباب. المسلحون الذين يحيطون بي وبزملائي يصرخون طالبين منا التراجع إلى الوراء، معظمهم يرتدي أقنعة سوداء لا تظهر إلا عيونهم، وأيديهم تمسك بقوة بنادق الكلاشنيكوف الكثيرة هنا. حتى هؤلاء سوف تقودهم أقدامهم إلى الخلف بعد قليل، عندما ستداهمهم رائحة نفاذة، يخيل إليك أنها تجتاح أحشاء الأحياء الحاضرين ولا تخرج قبل أن تمسكهم من أعناقهم، تخيرهم بين التقيؤ أو تحويل القمصان إلى أقنعة لا تنجح دوما بصد الرائحة، هي رائحة الموت وقد أطلق سراحها بمجرد فتح المقصورة المبردة..

ترفع عينيك، علّك تكسر ثقل لحظة الصمت في المكان، تطالعك أكياس سوداء متشابهة، مكدسة فوق بعضها البعض. هنا ترقد جثث ٢٨٢ راكبا، رجال ونساء وأطفال أخذتهم الطائرة إلى فوق ولم تحمهم سماء شرق أوكرانيا. بعض الأكياس أصغر من غيرها، تفهم أنها بقايا أشلاء بشرية. الغيوم لم تكن قطنا في أحلام ثمانين طفلا على متن الطائرة، القطن الذي يخال الصغار أنه يستطيع أن يقي لعبتهم الكبيرة الطائرة من صاروخ، مزق بطنها وجعلها تلفظ من فيه. تنظر إلى سماء تشهد منذ مدة على مواجهات كييف من جهة، ومسلحين يمزجون غضبهم بقناني الفودكا ليلا فتتحول المعارك إلى حفلة جنون روسية ـ أوروبية.

اليوم ليس سهلا على بعثة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، والمهمة صعبة بشكل خاص على رئيس المحققين هنا بيتر فان فيلت، هذا الخبير الجنائي الهولندي أتى ليعاين ظروف حفظ الجثث قبل نقلها، يتوقف لوهلة قبل أن يصعد إلى المقصورة المبردة ليعاين ما يمكن معاينته. قضى ١٥٤ من أبناء بلده في الحادثة، وهو يفضل أن تُنقل الجثث إلى مكان آخر لا يفصح عنه، نرجح أن يكون مدينة كاركيف: "ظروف حفظ الجثث جيدة، لكن لا أعرف عددها، كي نعرف فورا علينا أن ندوس على بعض الجثث وهذه قلة احترام، أنا لا أفعل هذا، نستطيع العد لاحقا" يقول لنا، وسرعان ما يستقل موكب المراقبين كي يذهب إلى مكان الحادثة، إلى غرابوفا

غرابوفا: أهلا بكم إلى الجحيم

تبدو حقول غرابوفا وديعة، فيها دوار شمس وبيوت متفرقة وعجائز يتطوعن لإرشادك إلى "هناك". لكن سرعان ما تظهر إلى العيان بقايا جناح طيارة. تترجل، تتجاوز بضعة مسلحين، تمشي وتتيقن حجم الكارثة.

تنتبه أين تضع قدميك، تعبر إلى جانبك حافلة تفوح منها الرائحة نفسها التي شممتها في توريز، هي بقايا أشلاء جديدة جمعت من الحقول، تتقدم وأنت تنتبه أين ترخي ثقل قدميك، تنفتح أسرار الركاب الضحايا وأنت لا تريد اختلاس النظر إلى خصوصيات أشخاص لم تعرف سوى أن الحظ والسياسة والحرب لم ترأف بهم، تجرح التفاصيل عينيك: دب صغير محشو لا يتعدى حجمه وسع الكف، تسأل عن اليد الصغيرة التي كانت تلهو به، نظارات طبية من الواضح أنه تم انتقاء إطارها بعناية، ولم يعرف صاحبها أنها ستحط أمام عدسة صحافيي العالم أجمع في مكان ما شرق أوكرانيا لتذكر بشخص كان يرتديها لكنه بلا وجه محدد الآن.

لا تزال بعض الحقائب تحمل أسماء أصحابها وبعضها الآخر أفرغ ما فيها من ثياب وحاجيات خاصة.. بين لعب الأطفال وكتيبات السياحة والملابس الخفيفة وأحيانا قناني كحول، يشي المشهد بمزاج خفيف يشبه إجازة في مكان مشمس شرق آسيا. هنا كل شيء يذكر بحيوات متنوعة، ملونة ومختلفة لا تشبه الأكياس المكدسة التي رأيتها منذ قليل.

المسلحون لهم الكلمة الفصل هنا. لكن المكان غير آمن، الحطام يمتد على مساحة هائلة، ولا أحد يحافظ على الأدلة.

أخبار معارك قرب محطة القطارات في دونيتسك تعيدنا سريعا إلى المدينة، بعد نهار طويل، تتذكر كم بدا صباح دونيتسك هادئا، كما لو أن المدينة كانت تتثاءب ببطء وتؤجل الاستفاقة على يوم لا تعرف ماذا سيحمل لها. بأية حال كل شيء عاند اليوم انطلاقة مبكرة: في اللحظة الأخيرة تعطلت السيارة التي كانت ستقلنا، لكن سرعان ما يأتي الحل بسيارة "لادا" روسية الصنع، موديل ثمانيني متين معتاد على الطرقات غير المعبدة خارج دونيتسك. الطريق الممتدة على ثمانين كيلومترا، تعج بحواجز الانفصاليين ذهابا وإيابا: مسلحون ملثمون أحيانا، ببذة عسكرية أحيانا أخرى، ومع بنادق كلاشنيكوف دائما. طريق العودة تبدو طويلة، ولكثرة السؤال عن جواز السفر وتصريح ما يسمى هنا بـ"جمهورية دونيتسك الشعبية"، بت تجهز "المستندات" أوتوماتيكيا عند كل حاجز.

وأخيرا .. الصندوق

في دونيتسك، الأخبار تتواتر عن قصف مدفعي في محيط محطة القطارات، وعن إجلاء المدنيين، لكن انتباه جيش الصحافيين يتحول إلى فندق "بارك إن" مع توالي المؤتمرات الصحافية، أكثرها إثارة إعلان ألكسندر بوروداي رئيس وزراء "الجمهورية" يوم الأحد إن الصندوقين الأسودين "بين يديه" وأنه لن يسلمهما إلى منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، بل إلى المنظمة الدولية للملاحة الدولية". صندوقان يحملان محادثات الطاقم والمعطيات التقنية للرحلة، لا يجيبان بالضرورة عمّن أسقط الطائرة في حال صحت نظرية أنها استهدفت بصاروخ، لكنهما من أهم عوامل التحقيق. اليوم يريد الانفصاليون أكبر قدر من التغطية الإعلامية، يريدون التأكيد على تعاونهم: مؤتمر أول يتم خلاله التوقيع على "اتفاقية" تبادل الصندوق مع الوفد الماليزي، بعدها يدخل ألكسندر بوروداي برفقة الكثير من المسلحين، يٌفتح كيس أبيض، يوضع صندوقان برتقاليان على الطاولة. الصندوقان الأسودان باتا في عهدة الماليزيين، وفيهما أسرار حرقت قلوب مئات العائلات.

 

مايسة عواد

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم