فرنسا - السعودية

مصادر فرنسية: أوباما لم يشأ يوما أن يكون "شرطي المنطقة"

هولاند والملك السعودي خلال القمة الخليجية
هولاند والملك السعودي خلال القمة الخليجية أ ف ب

اعتبرت مصادر رئاسية فرنسية أن إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما لا ترغب بأن تكون في الخطوط الأمامية بالمنطقة العربية، وأنها لم ترغب بأن تكون واشنطن "شرطي المنطقة". ورأت في دعوة الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند إلى القمة الخليجية في الرياض رسالة إلى الأمريكيين تعبر عن قلقهم من إستراتيجية واشنطن إزاء طهران ومن نتائج الاتفاق المرتقب حول النووي الإيراني، فيما تبدي باريس موقفا أكثر صرامة بشأن وتيرة رفع العقوبات عن إيران.

إعلان

لا يخفي الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند سعادته بالاختراق الكبير الذي حققه في علاقاته مع السعودية بجعلها "الشريك الأساسي" لبلاده في المنطقة. ويعتبر أنه ومنذ أول زيارة له إلى الرياض عام 2012 بدأ بتصحيح "خلل" سببه اعتماد سلفه نيكولا ساركوزي على قطر على حساب السعودية، إذ "لم تختر فرنسا الشريك الأكبر في الخليج"، وفق تعبير أوساط الرئيس الفرنسي.

وترى أوساط الرئاسة الفرنسية في دعوة هولاند للمشاركة في قمة الدول الخليجية قبل قمة كامب ديفيد لزعماء الخليج مع أوباما (13 و14 أيار/مايو)، رسالة تحذير خليجي إلى الأمريكيين لمحاولة "ممارسة نوعا من الضغط على إدارة أوباما فيما يتعلق بالمفاوضات مع إيران". فالاتفاق المرتقب بين طهران والدول الغربية قبل 30 حزيران/يونيو المقبل يبقى الهاجس الأساسي لدول الخليج التي تخشى أن تدفع ثمن رفع الحظر المفروض على إيران منذ سنوات. و"استعادة طهران لأموالها المجمدة في الخارج (أكثر من 150 مليار دولار) قد يساعدها على تعزيز قدراتها التسليحية بما ينعكس مزيدا من الدعم لحلفائها في المنطقة". وبحسب مصدر فرنسي تجد الرياض في باريس "شريكا ذا مصداقية يدافع عن موقفها" لتجنب هكذا سيناريو، ويمكنها بهذا أن تقول للأمريكيين إن "لديها فرنسا وعليكم ألا تجعلونا نبتعد عنكم".

تباين أمريكي ـ فرنسي حول وتيرة رفع العقوبات عن إيران

وفي التفاصيل، فإن الخلافات بين باريس وواشنطن بشأن المفاوضات مع طهران أكثر من "لغوية"، حسب تعبير الأوساط الرئاسية الفرنسية التي توضح أن باريس وواشنطن "تريدان التسوية مع إيران لكن الفارق هو أن البرلمان الفرنسي لا يشكل عقبة أمام الدبلوماسية كما يفعل الكونغرس في الولايات المتحدة". ويتركز التباين الفرنسي ـ الأمريكي الآن حول نقطتين أساسيتين: الأولى آلية ووتيرة رفع العقوبات التي تصر طهران على أن تكون شاملة وفورية فيما ترى باريس ـ حسب أوساطها ـ أن رفع العقوبات لا يمكن أن يتم إلا تدريجيا وبناء على عمليات تفتيش ومراقبة دقيقة للتحقق من التزام طهران بالاتفاق بحيث ترفع العقوبات جزئيا وتدريجيا، فيما تبدي إدارة أوباما مرونة لجهة إمكانية رفع العقوبات والتفتيش فيما بعد.

وتدعم الأوساط الفرنسية موقفها بالإشارة إلى موقف واشنطن من العقوبات على روسيا. فالمسألة بالنسبة لباريس تتعلق بـ"مبدأ العقوبات نفسه. الأمريكيون يقولون إنه لا يجب رفع العقوبات عن روسيا مباشرة بعد اتفاق مينسك (بشأن أوكرانيا) فلماذا نرفعها إذا بمجرد الاتفاق مع إيران". وتعتبر باريس أن موقفها هذا يساعد الأمريكيين بشكل من الأشكال للضغط على "الإيرانيين" ودفعهم إلى القبول بشروط صارمة في الاتفاق.

أما النقطة الثانية المرتبطة بالمفاوضات مع طهران، والتي طمأن هولاند حلفاءه في الخليج بشأنها، فتتعلق أساسا بدور طهران في المنطقة. صحيح أن واشنطن وبقية الدول ومنها فرنسا لم تشأ ربط المفاوضات النووية مع قضايا المنطقة. إلا أنه "بموازاة المفاوضات لابد من تصرفات تساعد على حل الأزمات ولاسيما في اليمن وسوريا"، وفق الأوساط الفرنسية التي ترى أن المفاوضات النووية يجب أن "تدفع إيران إلى الانخراط بمسار تهدئة"، في المنطقة. وإذ تستبعد هذه الأوساط أن تتحول مسألة القضايا الإقليمية إلى شروط مسبقة في المفاوضات، إلا أنها ستطرح في لحظة غير بعيدة على ضوء الأوضاع المتفجرة في أكثر من ساحة يمكن أن تؤثرطهران فيها، كسوريا واليمن والعراق ولبنان. فباريس ترى مثلا أن إيران تعرقل انتخاب رئيس في لبنان بسبب إصرار حزب الله على ترشيح العماد ميشال عون.

باريس تتحرك في المنطقة من خلال نافذة أحدثتها "رغبة واشنطن بألا تكون في الخطوط الأمامية" ولهذا تستبعد استياء أمريكيا من "هجومها الدبلوماسي" على الخليج الذي بدأ يثمر صفقات (24 مقاتلة رافال لقطر، ووعود سعودية بصفقات بعشرات المليارات). وترى المصادر أن "الأمريكيين بحاجة لنا من أجل الاتفاق النووي ولا رغبة لديهم في أن يكونوا في الخطوط الأمامية ونحن حاضرون لأن الدول العربية ترى أن أمريكا تبتعد وهي بحاجة لشريك أكثر حضورا يتمتع بمصداقية". ولا تتردد أوساط هولاند بالقول إن "أوباما لم يشأ يوما أن يكون شرطي المنطقة" ويختلف بهذا عن سلفه بوش.

الزيارة التي وصفها هولاند بـ"الاستثنائية" جاءت تتويجا لخيارات دبلوماسية دافع عنها منذ ثلاث سنوات، وتمايز فيها عن واشنطن في أكثر من ملف. فإصراره على التدخل العسكري في سوريا عام 2013 بعد الهجوم الكيميائي، بقي محط تقدير الرياض، فيما فضل أوباما حلا دبلوماسيا عبر تسليم الترسانة الكيماوية السورية. تراجع أوباما عن الحرب سبق وأن اعتبره هولاند من أصعب اللحظات خلال ولايته. واليوم ترى المصادر الفرنسية أن تراجع أوباما آنذاك ترك تساؤلات عما "تريد أن تفعله واشنطن في المنطقة". وترى أن السعودية وقطر تعتقدان بأن دعم مجموعات معارضة لتوجيه ضربات مؤلمة للنظام السوري ستدفعه للتفاوض في جنيف 3 والقبول بمرحلة انتقالية لا تشمل الرئيس بشار الأسد بل "عناصر من النظام مع المعارضة".

كلما تحدثنا أقل عن الصفقات نكسب أكثر

وإضافة لجملة المواقف التي قربت باريس من شركائها السعوديين (بما فيها دعمهم في اليمن) اتبع هولاند وفريقه أسلوبا مختلفا في التفاوض يقوم على كسب ثقتهم دون فتح موضوع الصفقات والاستثمارات. فوزير الدفاع جان إيف لودريان يزور الخليج مرة في الشهر على الأقل، وليحصل على صفقة الرافال كان يتحدث بكل شيء مع القطريين، من كرة القدم إلى تربية الخيول وينتظر أن يفتح محاوروه موضوع الصفقات. أسلوب يتبعه الآن مع الإمارات في المفاوضات حول الرافال. وكذلك مع السعودية، اختار المسؤولون الفرنسيون كسب ثقة قادة السعودية بالسياسة وعدم التطرق إلى موضوعات "مزعجة" كحقوق المرأة وحقوق الإنسان بشكل عام. فحتى عندما طرح سؤال على هولاند حول الإعدام بقطع الرؤوس (خمسة إعدامات نفذت خلال زيارته) اكتفى بالقول بأنه يؤيد ويناضل لإلغاء عقوبة الإعدام في العالم. وتجنب الحديث علنا عن التغيرات الأخيرة في الحكم السعودي فيما قالت أوساطه إنها تمثل "تجديدا" عبر إدخال شباب إلى الحكم، وتظهر قدرة الملك سلمان على اتخاذ قرارات حاسمة. ومعظم الملفات تبحثها باريس الآن مع ولي العهد محمد بن نايف وولي ولي العهد محمد بن سلمان الذي يرأس لجنة مشتركة ستجتمع الشهر المقبل في باريس لتعزيز الاستثمارات مع فرنسا، التي تأمل نتائج ايجابية على اقتصادها، وتتبع مقولة كررتها أوساط هولاند "كلما تحدثنا أقل نكسب أكثر".

 

وسيم الأحمر

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم