تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حوار: الفنانة اللبنانية رندا ميرزا تبحث أزمة الهويات عبر الصورة

بورتريه - رندا ميرزا
بورتريه - رندا ميرزا رندا ميرزا

حوار مع الفنانة البصرية اللبنانية رندة ميرزا التي تعيش اليوم في فرنسا وتتناول في أعمالها مواضيع عديدة (المكان، الجسد، الحرب..) سعيا لاحتواء أزمة الهويات.

إعلان

كيف تعرفين بنفسك في مجال الفن ؟

أستخدم الصورة كوسيلة لبحث المجال الهش الفاصل بين الواقع والخيال. فأسعى من خلال عملي إلى كشف كيف يصنع الخطاب المهيمن الرأي العام وبنية الهوية وحتى المخيلة الجماعية. فأحاول أن أظهر الهياكل الثنائية والنماذج الأصلية كما تحددها الروايات المعيارية. أبحث في مواضيع متعددة: الحرب والمدينة والتاريخ والذاكرة والجسد، وتطرقت مؤخرا إلى الأسطورة. ينطلق عملي عادة من مسألة شخصية ثم يحاول بحث بعدها الجماعي.

في عملك حول الجسد تطرقت إلى الجنس، بالتحديد عبر تساؤلات "جندرية"، وضحي لنا هذا المنهج.

أنا حساسة جدا لديناميكية الهوية الجندرية، فأنتبه للطريقة التي تعبر بها الأجساد عن ذلك، سواء كانت عارية أو مكسوة. وجهنا للتعريف بأنفسنا حسب الانتماء إلى فئة جنسية، ذكر أو أنثى. وعملي حول هذا المحور هو بمثابة دراسة للمظاهر المادية للسلوك "الجندري"، فأستهدف التابوهات المحيطة بالجسد والخيال الذي يثيره.

اهتممت كثيرا ببيروت على اختلاف أمكنتها وناسها، كيف تصفين هذه العلاقة وأنت في كر وفر مع هذه المدينة ؟

أحببت كثيرا عنوان كتاب لجنى طرابلسي، "هذا الجرح من حيث أتيت"،وتتحدث فيه عن علاقتها ببيروت.

كيف نصور لبنان الذاكرة المثقلة، وأنت الحاصلة على جائزة "دون حدود" في مهرجان آرل الشهير عن عملك حول "الغرف المهجورة"؟

ضمن مشروع "الغرف المهجورة 2005"، صورت أنقاض حرب لبنان وساءلت دور الصورة في بناء الذاكرة. ففي مروري من حميمية غرفة إلى أخرى، كنت أدخل غرف ذاكرتي المهجورة. وفي عراء ما تبقى، أردت إحياء أسرار دفينة: حرب حقيقية أو متوهمة ؟

أما في مشروع "بيروتوبيا. 2011"، فصورت اللافتات الإعلانية التي تستشرف في بيروت، مدينة "في طور التكوين"، مدينة-مستقبل. وحاولت عبر هذا العمل تجسيد طريقة تشكيل المخيلة الجماعية التي يسوقها هذا الخيال المعماري، والعلاقة التي تربطها بالمدينة "الحقيقية".

وقبل "بيروتوبيا"، قمت بزيارة "العوالم الموازية" التي بحثت من خلالها "الحرب والسياحة"؟

في سلسلة "عوالم موازية 2008"، أبحث مسألة التمثيل في علاقتها بالواقع، عبر صور فوتوغرافية "أصنعها" بتركيب صور سياح وصور حرب. وأستعمل في هذا التركيب مواد من أرشيف الصور الصحافية. مسرح هذه المشاهد هي الحروب اللبنانية، والتركيب سريالي يتجاوز الواقع ويسائل الحقائق الإعلامية. ويسائل العمل أيضا دور المشاهد في علاقته بالصورة. فأمام كثرة صور الحروب، أردت أن أتصور وأقحم المشاهد-السائح وسط الصراع.

 كأن الحرب تلاحق عملك دائما مهما حاولت الابتعاد عنها؟

قال لي والدي يوما أن حياته كانت سلسلة حروب متعاقبة. حياتي أيضا كانت كذلك، ويبدو أن ذلك هو أيضا قدر الأجيال القادمة. فمنذ اتفاقية سايس بيكو، ثم قيام دولة إسرائيل، والمنطقة في طريق مسدود. مع اجتياح العراق وأفغانستان، ووسط فوضى الثورات في مصر وسوريا واليمن، فتح الباب أمام أفكار متطرفة انتحارية تنهل من يقين الإيمان الديني.

آخر مرة تركت فيها بيروت نهائيا، و"رائحة الدم تطاردك" كما سبق وقلت، كانت عقب عمل حول تأثير "الربيع السوري" على لبنان، قادك حتى داخل الأوساط الإسلامية السنية...

في 2012 بدأت أخبار الثورة السورية تشابه ذكرياتي عن الحرب. ففي نفس الوقت الذي يشن فيه النظام السوري حربا على شعبه، عمل على تشكيل مجموعات إسلامية بهدف خلط الأوراق. تحدثت إلى هذه الأطراف التي توظف الثورة السورية لمصالحها السياسية على مدى سنتين. فحين تتعدد المجموعات وتنقسم، وحين تتغير التحالفات حسب مقتضيات المعارك، يصير حسب رأيي إيجاد حل للنزاع مستحيلا.

في 2013 قررت وضع حد لهذه الريبورتاجات الصحفية وتركت البلاد لأستقر في مرسيليا. أردت الابتعاد ماديا عن كل هذا الشقاء، وإن كنا في الواقع لا نفلت منه حقا.

مع ابتعادك عن بيروت، وأنت تعيشين منذ أكثر من سنتين في مرسيليا، ابتعدت عن التصوير، وكأنك ابتعدت عن "الإطار"، وتعمقت أكثر في تجارب بصرية متعددة الوسائط

ربما في ذلك صلة بتغيير "الإطار" كما تقولين. منذ أن حللت بمرسيليا وأنا ألتقط صورا بواسطة هاتفي المحمول، وكأنه تدوين مذكرات. سنرى ما ستكون نتيجة هذا العمل، فلا أدري بعد أين ستقودني هذه التجربة الجديدة. فآلات التصوير بالهواتف المحمولة اليوم عالية الجودة، ويكفي أن نستعمل الحجم المناسب وورقا محكم الاختيار لنتوصل إلى طباعة مجموعة نسخ جيدة من تلك الصور. علما أن النسخ الفوتوغرافي ليس الطريقة الوحيدة لعرض مشروع من هذا النوع. فبوسع جهاز الهاتف المحمول إنتاج صورة ذات جودة مميزة للنشر على الإنترنت. لذلك فإنني لم أتوقف عن التصوير، بل صرت أمارسه بطريقة مختلفة.

في عملك الأخير "غرام وانتقام" (مع الموسيقي"ريس بيك") رصدت لحظات ثمينة من أرشيف السينما العربية في أوج عصرها الذهبي، ماذا وراء هذا الاختيار؟

عبر "غرام وانتقام" زرت الثقافة السينمائية المصرية التي أثرت في العالم العربي طوال القرن العشرين. اشتغلت كثيرا على صورة المرأة في أفلام تلك الفترة التي تعتبر عصرا ذهبيا للثقافة العربية، فترة حرية جنسية كان فيها جسد المرأة وفتنتها يعرضان على الشاشات أمام الأنظار "المتسامحة" للمجتمع والسلطة. لكن كثيرا ما ننسى أن شخصيات النساء اللواتي لا تستوفي الشروط الاجتماعية لدورهن كزوجات وأمهات "طاهرات وفيات"، تلك الشخصيات التي تعتبر "خليعات" و"طائشات"، تموت على الأغلب في آخر الفيلم. فالصورة السينمائية، وإن كانت مجملة، هي النظرة التي تلقيها ثقافة ما على نفسها. فكيف نرى أنفسنا وما الذي نظهره عنا، هي بالفعل جوانب تطرح مسألة الهوية. والصور الصحفية العنيفة والقمعية التي يفرزها العالم العربي اليوم تقضي على أي فرصة لتحديد هوية. أعود لأرشيف السينما لأظهر العالم العربي من زاوية مختلفة، مع حرصي على فك شفرة بنية تمثيل الهويات التي تعكسها هذه الأفلام.

"غرام وانتقام"

تحضرين لعمل حول الميثولوجيا العربية... فيما يتمثل المشروع؟

في إطار التحضير لمشروع "الزهراء لم تولد في يوم واحد"، انغمست في نصوص المؤرخين المسلمين القدامى، وفي النصوص القرآنية والتوراتية، والأحاديث، والأدب العربي الكلاسيكي وفي بحر الشعر الجاهلي... حتى ألقي الضوء على الأساطير المؤسسة لحضارتنا. فالشعوب العربية أنتجت قبل الإسلام أساطير هامة ومرموقة لكنها غير معروفة وتستحق قراءة جديدة "أصيلة" غير القراءة المستشرقة التي تناولتها. وسيقود هذا البحث إلى خلق تركيبات فنية وإخراج ثلاثي الأبعاد للروايات الأسطورية، مسارح مصغرة تجمع بينها وسائط مختلفة، وميادين متعددة على غرار التصوير الفوتوغرافي والنحت والفيديو والإنارة والخلق الآلي والتطريز وتقنيات أخرى.

 

إعداد: مها بن عبد العظيم

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.