تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجزائريون لا يزالون يبحثون عن الديمقراطية بعد مرور 27 سنة على "أحداث أكتوبر"

أرغمت الاحتجاجات السلطة الحاكمة في ذلك الوقت على القيام بإصلاحات سياسية جذرية
أرغمت الاحتجاجات السلطة الحاكمة في ذلك الوقت على القيام بإصلاحات سياسية جذرية أ ف ب

مرت 27 سنة على ما يسمى بـ"أحداث أكتوبر 1988" في الجزائر والتي خرج خلالها آلاف المتظاهرين للمطالبة بالديمقراطية والحرية. لكن رغم مرور السنين، لا تزال الطبقة السياسية تتحدث عن الاختناق السياسي والإعلامي، ولا زالت الحريات الفردية مقيدة في بلاد عرفت في التسعينيات حربا أهلية ثم في الألفية الثانية طفرة نفطية لم تغير من حياة المواطنين.

إعلان

أحيت الجزائر اليوم الإثنين الذكرى الـ27 لأحداث أكتوبر 1988 الدامية، والتي راح ضحيتها حوالى 200 شخص. وبقي هذا التاريخ بمثابة "ربيع عربي" مبكر في ذاكرة الجزائريين الذين خرجوا بكثافة إلى الشارع، خاصة في العاصمة الجزائرية وفي قسنطينة ووهران، للمطالبة بالتغيير والانفتاح الديمقراطي بعد سنوات من الهيمنة التي مارسها حزب جبهة التحرير الوطني على الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية للبلاد.

وتزامنت أحداث أكتوبر/تشرين الثاني 1988 مع انخفاض القدرة الشرائية للجزائريين بسبب تراجع أسعار النفط، ما جعل النظام آنذاك يرفع من أسعار المواد الأولية ويفرض ضرائب إضافية على المواطنين الذين ازداد استياؤهم إزاء  قرارات الحزب الحاكم في ذلك الوقت.

وانطلقت في ذلك الوقت المظاهرات من حي "باب الواد" الشعبي في الجزائر العاصمة، إذ خرج آلاف الشبان إلى الشوارع للمطالبة بالحرية والديمقراطية وبفك الحصار السياسي والإيديولوجي الذي فرضه حزب جبهة التحرير الوطني عليهم منذ الاستقلال في 1962.

نكهة ديمقراطية لم تدم أكثر من سنتين في الجزائر

وأمام حجم المظاهرات التي لم تكن تتوقعها الحكومة، أمر الرئيس الشاذلي بن جديد (1979-1991) بإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين، ما أدى إلى مقتل حوالى 200 شخص وإصابة العديد بجروح متفاوتة الخطورة.

من جهتها، خرجت قوات الجيش إلى الشوارع واحتلت كل المواقع الرئيسية ناشرة الدبابات في المناطق الإستراتيجية للعاصمة، فضلا عن إعلان حالة الطوارئ.

لكن الاحتجاجات الشعبية أرغمت السلطة الحاكمة في ذلك الوقت على القيام بإصلاحات سياسية جذرية، أبرزها تعديل الدستور الذي كرس التعددية الحزبية والإعلامية، واحترام الحريات الأساسية، كحرية التعبير والتنقل والتجمع وانتقاد النظام وتشكيل جمعيات مدنية أو مدافعة عن حقوق الإنسان.

وذاقت الجزائر "طعم ديمقراطية" حقيقية بين عامي 1988 و1990، إذ تشكلت أحزاب معارضة جديدة وتعددت وسائل الإعلام وانتعش المجتمع بعد أن عانى المر خلال سيطرة حزب جبهة التحرير الوطني على الحياة السياسية.

تضحيات أكتوبر 1988 في مهب الريح

لكن الأحلام تبخرت في بداية التسعينيات مع فوز حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ المنحل في الانتخابات التشريعية في 1991، ما جعل الجزائر تدخل مرة ثانية في دوامة العنف وعدم الاستقرار لمدة عشر سنوات.

ورغم عودة الأمن والسلم بفضل قانون المصالحة الوطنية الذي أقره بوتفليقة في 2005، فإن مكاسب أكتوبر 1988 لم تفتح آفاقا ديمقراطية حقيقية حسب التجمع من أجل الحركة والشباب. فهذه الجمعية التي تضم أساتذة وحقوقيين وشباب ترى أن التضحيات التي قدمها الشعب الجزائري في أكتوبر 1988 لم تعد بالنفع عليه ولم تغير الحياة اليومية.

ففي تصريح لجريدة "الوطن" الجزائرية، قال عيسى رحمون، وهو محام ونائب رئيس الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان "إن التجربة الديمقراطية فشلت في الجزائر". وتابع "هل هناك نقاشات جريئة وجادة في المجتمع الجزائري؟ وهل تم كتابة التاريخ الجزائري المعاصر كما ينبغي وبشكل كاف؟ أجيب بلا. حصيلة أحداث أكتوبر 1988 كارثية ونحن نعاني من فشل جماعي وهو فشل أمة كاملة".

على النظام الجزائري أن يعتبر من دروس أكتوبر 1988

أما سفيان جيلالي، رئيس حزب "الجيل الجديد" المعارض، فلديه نظرة مغايرة حول أحداث أكتوبر 1988 فيقول "أحداث أكتوبر هي بمثابة درس يجب الاعتبار منه ليس من طرف الشعب الذي يطالب بحقوقه، بل من طرف النظام الذي ينبغي أن يدرك بأن الظلم وغياب العدالة يقودان مباشرة إلى الكوارث والفقر الاجتماعي والتخلف".

وأضاف "أحداث أكتوبر ستبقى في الذاكرة الجماعية للجزائريين كونها شكلت قطعة هامة في تاريخ بلادنا منذ الاستقلال". ودعا سفيان جيلالي إلى الترحم على ذكرى كل الذين قتلوا خلال هذه الأحداث كونهم "دافعوا عن الديمقراطية والحرية" حسب رأيه.

أما عمار سعيداني، وهو الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني الذي كانت سياساته إحدى الدوافع الرئيسية لهذه الانتفاضة، فهو لا يرى أي فرق بين 5 أكتوبر 1988 و5 أكتوبر 2015"، مفضلا عدم التعليق على هذه "الانتفاضة الشعبية" التي أطاحت برموز من النظام والحزب الحاكم السابق.

الأمل لا يزال قائما

إلى ذلك، خصصت الصحافة الجزائرية مساحات واسعة لهذه الذكرى، وعبر العديد من المحللين السياسيين والإعلاميين عن خيبة أملهم إثر "فشل" أحداث أكتوبر 1988.

وأشار رضا بكات، وهو كاتب الافتتاحية في جريدة "الوطن" الجزائرية الناطقة باللغة الفرنسية، أن مكاسب الديمقراطية تراجعت كثيرا منذ 1988، فالدولة أصبحت تمنع تنظيم المظاهرات في الشوارع ، لا سيما في الجزائر العاصمة، كما أصبح أيضا من الصعب جدا تأسيس حزب سياسي جديد، خاصة إذا كان يدافع عن القيم الديمقراطية والحرية أو يعارض سياسة الرئيس بوتفليقة الغائب عن الساحة السياسية الجزائرية منذ ثلاث سنوات بسبب مرضه.

لكن متابعين آخرين للشؤون الجزائرية يرون أن الأمل لا يزال قائما في الجزائر، طالما هناك قوى حية ومعارضة تتحدى النظام وتخرج إلى الشارع للتعبير عن غضبها، على غرار المسيرة الاحتجاجية التي نظمها مناضلون سياسيون وطلبة في مدينة تيزي وزو في منطقة القبائل المعادية للنظام السبت الماضي للمطالبة بالديمقراطية والحرية بتغيير النظام.
 

فرانس24

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.