تونس

هل تونس مستعدة لاستقبال آلاف الجهاديين العائدين من مناطق النزاع؟

أ ف ب / أرشيف

تثير العودة المحتملة لآلاف الجهاديين التونسيين إلى بلادهم قلقا متزايدا وجدلا سياسيا حادا في تونس، خاصة في ظل ارتباك الموقف الرسمي بهذا الشأن. فهل تونس مستعدة اليوم لاستقبال آلاف المقاتلين العائدين من سوريا والعراق وليبيا؟

إعلان

احتدم الجدل في تونس بشأن موضوع "توبة" وعودة الجهاديين إثر تصريح الرئيس الباجي قائد السبسي بأن "خطورتهم (الجهاديين) أصبحت من الماضي. كثير منهم يريدون العودة، لا يمكننا منع تونسي من العودة إلى بلاده".

إلا أنه تراجع لاحقا وأكد في كلمة وجهها للشعب التونسي في نهاية العام، أن قانون الإرهاب سيطبق بحق التونسيين العائدين من بؤر القتال وأنهم لن يستقبلوا بالزهور، وفق تعبيره.

من جانبه قال راشد الغنوشي في تصريح صحفي "اللحم إذا بار (فسد)، عَليْه بأهله. نحن لا نستطيع أن نفرض على الدول الأخرى (الجهاديين) التونسيين". وقوبلت هذه التصريحات بانتقادات لاذعة صلب أغلب الأحزاب السياسية ومنها حزبا "نداء تونس" و"آفاق" شريكا حركة النهضة في الائتلاف الحكومي.

مأزق دستوري

تظاهر مئات التونسيين في 24 كانون الأول/ ديسمبر 2016 أمام البرلمان بدعوة من "ائتلاف المواطنين التونسيين" الذي يضم أكثر من 30 جمعية، رفضا لعودة "الإرهابيين".

وفي نفس اليوم حذرت النقابة الرئيسية لقوات الأمن في تونس من "صوملة" البلاد في حال عودة "الإرهابيين الذين تمرسوا وتدربوا تدريبا عسكريا محترفا واستعملوا كل أنواع الأسلحة الحربية المتطورة وتعودوا على سفك الدماء والقتل وتبنوا عقيدة جهادية".

ودعت النقابة الحكومة إلى منعهم من العودة وإن لزم الأمر "سحب الجنسية" منهم، وهو أمر غير ممكن دستوريا.

يذكر أن أكثر من 5500 تونسي تتراوح أعمار أغلبهم بين 18 و35 عاما يقاتلون مع تنظيمات جهادية خصوصا في ليبيا وسوريا والعراق وفق تقرير نشره خبراء في الأمم المتحدة في تموز/يوليو 2015 إثر زيارة لتونس.

التونسيون العائدون من بؤر التوتر.. تردد حكومي ورفض شعبي؟

ومطلب سحب الجنسية أو عدم السماح بعودة هؤلاء الذين يشكلون خطرا محتملا على أمن البلاد يشكل مأزقا دستوريا، فالدستور التونسي ينصّ في الفصل 25 على ما يلي "يحظر سحب الجنسية التونسية من أي مواطن أو تغريبه أو تسليمه أو منعه من العودة إلى الوطن."

وبالتالي فإن العودة إلى الوطن حقّ دستوري، ولا يمكن منع أي شخص من العودة إليه مهما كان السبب، ولم يرد على هذا الحق استثناء يتمّ التنصيص عليه بقانون طبقا للفصل 49 من الدستور الذي جاء فيه "يحدد القانون الضوابط المتعلقة بالحقوق والحريات المضمونة بالدستور"

الحاجة لتنسيق قضائي-أمني

ويوم 23 كانون الأول/ ديسمبر 2016 قال وزير الداخلية التونسي الهادي المجدوب إن 800 جهاديا عادوا إلى تونس حتى الآن.

وفي شأن هؤلاء أشار جمال مسلم رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان لفرانس 24 أنه "تم توقيف العديد من هؤلاء وإحالتهم إلى القضاء إلا أنه تم إطلاق سراحهم لاحقا لأن المعلومات لإثبات التهم الموجهة ضدهم غير كافية، مؤكدا بأن ملف الإرهاب ملف شائك يحتاج إلى التنسيق الكامل بين وزارة العدل ووزارة الداخلية."

من جهة أخرى قال جمال مسلم إن "الدولة التونسية في حاجة إلى مؤسسات جديدة لمتابعة هؤلاء الإرهابيين، يجب أن تحوي خبراء في مجالات علم النفس وعلم الاجتماع لمعالجتهم وإعادة تأهيلهم."

استعداد أمني

أكد عماد الحاج خليفة الناطق باسم الاتحاد الوطني لنقابات قوات الأمن الداخلي لفرانس 24 "أن كل شخص يشتبه في تورطه في أعمال إرهابية خارج تونس، سيتم سماعه والتعامل معه على أنه إرهابي وفق قانون الإرهاب الذي تمت المصادقة عليه في 2015".
وأضاف الحاج خليفة "أن المؤسسة الأمنية التونسية واعية بالحيل التي يمكن لهؤلاء توخيها لمغالطة السلطات بشأن وجودهم في سوريا والعراق كالحصول على شهادات تربص أو دراسة مزورة من تركيا".
وأكد الحاج خليفة أن "هؤلاء الأشخاص يمثلون خطرا أمنيا على البلاد، فهم عادوا من بؤر التوتر لأنهم انهزموا هناك لا لأنهم تابوا أو تراجعوا عن أفكارهم الإجرامية".
وقد زاد الاهتمام في تونس بعودة الجهاديين بعد "تضييق الخناق" على تنظيم "الدولة الإسلامية" في سوريا والعراق، وأيضا في ليبيا التي ترتبط مع تونس بحدود برية.

متظاهرون أمام البرلمان رفضا لعودة جهاديين من الخارج تحت مسمى "التوبة"

الحاجة لتنسيق دولي

وتابع الحاج خليفة "لإثبات تورطهم سيتم الاستناد إلى معطيات استخباراتية، فالجهاز الأمني في تونس لديه المعلومات الكافية عن الأشخاص الذين غادروا البلاد للالتحاق بتنظيمات إرهابية في الخارج."
وهو ما أكده أيضا وزير الداخلية في جلسة مساءلة أمام البرلمان في 24 ديسمبر/ كانون الأول 2016 قائلا "عندنا المعطيات الكافية واللازمة عن كل من هو موجود خارج تونس في بؤر التوتر، وعندنا استعداداتنا في هذا الموضوع".
ورغم هذه التطمينات الأمنية، لفت بالحاج خليفة إلى أن "تونس تحتاج إلى مزيد التنسيق الدولي بشأن المعطيات عن المشتبه في قيامهم بأعمال إرهابية في الخارج".

والتنسيق بين الدول أمر ضروري للحصول على معلومات بشأن الجرائم الإرهابية المفترضة من قبل هؤلاء في الخارج، وخاصة في سوريا حيث ارتكب تنظيم "الدولة الإسلامية" المتطرف فظاعات مروعة. إلا أن العلاقات الدبلوماسية التونسية مع النظام السوري قطعت في ظل حكم ائتلاف الترويكا عام 2012.
من جهة أخرى أكد بالحاج خليفة أن "المجلس الوزاري في تونس تبنى مشروع قرار لبناء سجن كبير لاحتواء الإرهابيين مؤهل بحراسة أمنية مشددة" كان قد أعلن عنه وزير العدل غازي الجريبي في 2 يناير/ كانون الأول 2017.

وإن كان استيعاب هؤلاء الأشخاص في سجن جديد يعتبر أحد الحلول الممكنة لمعضلة كبيرة في تونس حذر منها رئيس الجمهورية سابقا، إلا أن بناءه وتجهيزه يتطلب وقتا طويلا في ظل تصاعد التهديدات الإرهابية.

حققت تونس نجاحات أمنية مؤخرا من بينها السيطرة على هجوم بن قردان الذي حاول فيه عناصر من تنظيم "الدولة الإسلامية" السيطرة على المدينة الواقعة أقصى الجنوب الشرقي للبلاد في مارس/ آذار 2016، إلا أن ذلك لا يحجب حاجة الدولة اليوم إلى استعدادات استثنائية ومؤسسات جديدة للتعامل مع تهديد إرهابي من الحجم الكبير يتمثل في عودة آلاف المقاتلين المدربين على حمل السلاح في مناطق النزاع خارج البلاد.

صبرا المنصر

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم