رأي: موفدة فرانس 24 إلى واشنطن مايسة عواد

ترامب.. يا نعمة حلت على الصحافة؟!

الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته باراك أوباما (يمين) ونظيره المنتخب دونالد ترامب
الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته باراك أوباما (يمين) ونظيره المنتخب دونالد ترامب أ ف ب

تمتلئ القاعة عن آخرها. هو موعد المؤتمر الصحافي الأخير للرئيس الأمريكي باراك أوباما. الترقّب على أشده، وكل خيار له دلالاته، وأولها المكان. دعا فريق أوباما الصحافيين إلى قاعة في البيت الأبيض، بعدما ترددت أنباء عن نية فريق الرئيس المنتخب دونالد ترامب استبدالها بأكبر منها! ونقل مكاتب الصحافيين بعيدا عن الجناح الغربي للبيت الأبيض إلى مبنى ملحق.

إعلان

ترصد عشرات الهواتف الذكية والكاميرات دخول أوباما. اعتاد الرئيس على هذا التمرين عشرات المرات، واعتاد الصحافيون على رئيس ينتقدون صعوبة الوصول إليه، ويجدون في مؤتمراته الصحافية مناسبة لطرح أسئلة بالجملة عليه. قبل أن يبدأ أوباما بمناداة الصحافيين بأسمائهم للإجابة على أسئلتهم، يتحدث مركزا على نقطة واحدة: أهمية الصحافة في ديمقراطية بلاده، وكيف ساهم الحاضرون في القاعة في "مساءلة" الحكومة، وجعل عمل فريقه أفضل. لاحقا، سيقول إنه سيخصص وقتا لعائلته، وسيحاول البقاء صامتا لفترة بعيدا عن الأضواء "إلا في حالات محددة" يتم فيها، مثلا، العمل على تشريعات تهدد قيما أساسية كحق الصحافة بممارسة عملها بحرية.

لنعد إلى الوراء بضعة أيام

"لا تكن وقحا"، تخرج الجملة قصيرة، صارمة. "لا تكن وقحا" تُعاد الجملة مرة ثانية، هذه المرة تأتي النبرة أعلى بقليل، تخرج صارمة أكثر، تنزل العبارة من على منصة الرئيس المنتخب دونالد ترامب وتحط على رأس مراسل قناة "سي أن أن"، يسكت الأخير منصاعا وسط تهليل بعض الحاضرين في القاعة، لاحقا تكتشف من هم حقا. هكذا يُمنع المراسل من طرح سؤاله وتعلق جملة واحدة قالها سيد المنبر: "وسائل إعلام مفبرِكة". المفارقة أن العبارة تأتي على لسان ترامب الذي طفحت حملته الانتخابية بمعلومات خاطئة لم تثن واحد وستين مليون ناخب عن التصويت له. وهي مفارقة أيضا لأن الرجل الذي يقف على المنصة، ويشيح بأصبعه كمن يؤدب طفلا، هو نفسه الذي جعلت حملته الانتخابيةـ إلى جانب حملة "البريكسيت" ـ عبارة "بوست تروث" أو (ما بعد الحقيقة) تصبح كلمة العام ٢٠١٦ في قاموس أوكسفورد.

ترامب إذ لا يتردد بمهاجمة من يعتقد أنه يهاجمه، لا يرمش له جفن وهو يقمع صحافيا، لا يهمه اتهامه بمحاولة تضليل من يشاهد المؤتمر، خصوصا بعدما يكتشف الجميع أن من صرخوا بـ"نعم" عند إسكات المراسل ليسوا زملاء الصحافيين كما أوحى المشهد، بل هم موظفون مدفوعو الأجر لدى ترامب، مهمتهم كانت التهليل والتصفيق له في المؤتمر، والتشويش وإطلاق عبارات استهجان عند سماع سؤال لا يعجبهم.

الفارق بين المشهدين هائل ظاهريا. وبفضل هذا الفارق يصنع ترامب توقيعه، أي بأن يكون نقيض ما مثلّه أوباما (ولو أن حصيلة الأخير ليست ناصعة تماما، تحديدا في تعاطيه مع كل من تجرأ وأطلق صافرة إنذار حول قضايا استخباراتية). الرئيس المقبل الآتي من عالم تلفزيون الواقع تعوّد أن يكون البطل بلا منازع، تجربته مع الكاميرا تبدأ من برنامج "ذي أبرنتيس" مع جملته الشهيرة "أنت مطرود"، ولا تنتهي مع مسابقات ملكات جمال الكون متوجا جميلة من جميلات العالم. في كل هذه "المنتجات الإعلامية" هو سلطان الصورة ومقرر لمصير الآخرين.

الواقع الآن بات داخل البيت الأبيض. الرئيس الجديد يتصرف بإمكانيات هائلة وبثقة وصلاحيات تضاعفت مرات ومرات بعد فوزه بالانتخابات. قبل انتخابه، ساهمت وسائل الإعلام على مختلف توجهاتها بوصوله إلى حيث هو عندما تحول إلى مادة ناجحة لجذب المشاهدين بتصريحاته وتغريداته. لاحقا أتت تلاوة "فعل الندامة" من بعضها، لكن ترامب بات الآن رئيس الولايات المتحدة المنتخب، وما هو على المحك ليس أقل مما يعتبر مقدسا هنا، أي المادة الأولى من الدستور الأمريكي التي تضمن حرية التعبير، والتي لطالما ابتلع من أجلها رؤساء أسئلة حارقة وحرصوا على الإجابة عليها بهدوء.

هنا القطيعة إذا، ترامب لا يعمل على احتواء أزمة أو علاقة متأزمة مع مؤسسة إعلامية في الكواليس. أوباما يقول إن دور الصحافي ليس المهادنة، وترامب يصرخ محطما ونازعا المصداقية عن وسائل الإعلام والصحافيين.

يعي ترامب جيدا أهمية التواصل مع قاعدة تلتهم كل ما يقول، لا يفوت فرصة ليقول بأن "تويتر" صار أفضل مكان له لتجنب "تحريف" وسائل الإعلام. لكن ترامب نفسه يعلم أنه لا مجال للقفز فوق وسائل الإعلام تلك حتى لو حاول ذلك، هو الذي رغم مفاخرته بالمئة وأربعين حرفا التي يتبعها واحد عشرين مليون مغرّد، يُبقي إلى جانبه حلفاء الإعلام التقليدي مع من يملكون امبرطوريات إعلامية، مثل روبرت مردوخ صاحب "فوكس نيوز"، وصحيفة "نيويورك أوبزرفر" التي يملكها صهره جاريد كوشنر، والتي وقفت إلى جانبه منذ بداية حملته الانتخابية.

لكن، ألا يسدي ترامب في كل هذا خدمة للصحافةـ وليس لبعض الصحافيين ـ من حيث لا يدري؟ هو المتأرجح حتى اللحظة بين أقصى الهجوم على وسائل إعلامية مغضوب عليها، وبين أقصى "اللطافة" مع أخرى تجاريه وتدعمه، فيكافئها بمقابلات وتكافئه بالدعم.

سبق لكبرى مؤسسات الإعلام الأمريكية أن ارتكبت أخطاء فظيعة بعد تلاصقها القاتل مع السلطة. هذا واقع مؤكد عمل نعوم تشومسكي وغيره كثيرون على تفكيكه. ويكفي أن يسترجع المرء ما قالته "سي أن أن" وما كتبته الصحيفة العريقة "نيويورك تايمز" من شهادات ومصادر عن امتلاك العراق للسلاح النووي، ما برر لدى الرأي العام اجتياح الولايات المتحدة للعراق عام ٢٠٠٣، لفهم خطورة الدوائر المغلقة بين السلطة السياسة والإعلاميين الذين يصبحون مجرد صدى لها. أكثر من هذا، معظم التغطيات التي صنعت فارقا في السنوات الماضية نتجت من قطيعة معلنة مع السلطة، لا بل من اشتباك معها بمصاحبة سند قانوني متين، مثال على ذلك عندما خاطر الصحافيان غلين غريينوالد ولورا بواتراس بالكثير وتعرضا مع المقربين منهم لمضايقات لا حصر لها، من أجل نشر وثائق سنودن في "ذي غارديان" قبل أن تنضم "نيويورك تايمز" لنشر المعطيات التي أحدثت زلزالا في العالم.

في واشنطن، أدركت العديد من الوسائل الإعلامية في الأشهر الأخيرة أنه بات عليها الابتعاد عن الطرق التقليدية في حال كانت تريد الحصول على معلومة من خارج "السيستم"، وأنها قد تعاني في الفترة المقبلة للحصول على ما تريد في ظل عدائية مستمرة من فريق ترامب تجاه الصحافيين النقديين. اعتماد ترامب لمبدأ تجنب الرقابة وأسئلة الصحافيين عبر استخدام تويتر ومنصات التواصل مباشرة، قابله إنشاء أكثر من وسيلة إعلامية لأقسام جديدة مهمتها التحقق من الوقائع وملاحقة الملفات الحساسة وتفعيل حضورها هي على المنصات الرقمية.

مفاخرة ترامب بفريق محاميه الضخم ورغبته بملاحقة من يرتكب مخالفة بحقه، عقدت مهمة بعض الصحافيين لكنها في الوقت نفسه دفعت منصات إعلامية إلى الحذر من ثغرات قانونية وتمكين مضمونها قانونيا.

بهذا المعنى، أليست كل نوبة غضب لترامب– سواء محقة أم لاـ كانت عبارة عن تذكير بضرورة إيجاد البدائل والخروج، ولو مؤقتا، من علاقة كانت سائدة عنوان الرابح ـ الرابح أي "الإعلام السائد ـ السيستم"؟

أثناء الحملة الانتخابية، وخلال العشاء السنوي للبيت الأبيض الذي يضم الصحافيين المعتمدين هناك، سخر باراك أوباما من ترامب وضحك الصحافيون. آنذاك، كان الحاضرون ببزات أنيقة يظنون أن فرص ترامب بالفوز معدومة. أكد معارف ترامب أن تلك الضحكات المدوية لم يكن لها مفعول سوى جعل ترامب أكثر إصرارا على الدخول إلى المكان هذا لكن كسيد له.. انطلاقة أسست على ما يبدو لشد حبال مستمر مع صحافيي البيت الأبيض و لعلاقة قائمة على المثل الشهير "يضحك طويلا من يضحك أخيرا"..

 

مايسة عواد

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم